المحرر موضوع: المسيحيون العرب وأزمة الوجود بين الوطن والمهجر  (زيارة 1573 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل brona dathra

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 320
    • مشاهدة الملف الشخصي
المسيحيون العرب وأزمة الوجود بين الوطن والمهجر

خالد خليفة
بي بي سي أرابك دوت كوم

"بعض المسيحيين يشعرون بأنهم مهمشون ولا رغبة في وجودهم." هذا مقطع من إجابة البطريرك نصر الله صفير على سؤال من بي بي سي أرابك دوت كوم عن أسباب هجرة المسيحيين العرب من أوطانهم.

والجملة على قصرها تلخص أبعاد مشكلة باتت تقلق، ليس فقط القادة المسيحيين، ولكن قطاعات كبيرة من المثقفين المسلمين أيضا في المنطقة العربية.

فالهجرة المسيحية من منطقة الشرق الأوسط التي لم تكد تتوقف طوال التاريخ الحديث، تزايدت بشكل ملحوظ خلال النصف الثاني من القرن العشرين، ولا سيما حول الأماكن المسيحية المقدسة في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، وفي لبنان الذي كان تقليديا، كمنطقة ثم كدولة، ملاذا للمسيحيين الموارنة وغيرهم من الطوائف المسيحية والإسلامية.

ولا يرى البطريرك نصر الله صفير سبيلا لوضع حد لتلك الهجرة إلا باستقرار الوضع السياسي وتحسن الحالة الاقتصادية.

وقد نفى تدخله لدى بعض الجهات لوضع حد لهجرة المسيحيين، قائلا: "نحن اتُهِمنا بأننا أوعزنا إلى السفارات بألا تسمح بالهجرة. هذا غير صحيح. نحن لا سلطة لنا على السفارت بأن نطلب منها أن تسمح أو لا تسمح."

وتدل تلك الشائعة التي نفاها رأس الكنيسة المارونية على أن موضوع الهجرة صار يشكل شاغلا أساسيا، سواء من جانب المجتمع الذي يتوق إليها، أو من جانب الزعامة التي تخشى على مستقبل مجتمعها منها.

ورغم غياب إحصائيات دقيقة عن الهجرة المسيحية من منطقة الشرق الأوسط بشكل عام خلال القرن الماضي فإن ثمة مؤشرات تدل على حجمها.

فعلى سبيل المثال، تناقصت نسبة السكان المسيحيين في القدس من حوالي 50% عام 1922 إلى أقل من 10% في بداية السبعينات (وقد صارت المدينة بحدودها تقريبا تحمل اسم القدس الشرقية أو القديمة).

وقدم مركز اللقاء المسيحي في الناصرة لـ بي بي سي أرابك دوت كوم دراسة لمدير المركز، د. برنارد سابيلا، تقدم صورة أكثر تحديدا لتراجع عدد السكان المسيحيين المقدسيين الذي كان "في العام 1944 يتجاوز 29.350 فردا، أصبحوا 10982 فردا فقط في العام 1961."

ويضيف الدكتور سابيلا في دراسته عن هجرة المسيحيين العرب: "ولا يتجاوز عدد المسيحيين المقدسيين اليوم ما كان عليه في العام 1961. أي أن سكان القدس المسيحيين هم اليوم ثلث ما كان عليه عددهم قبل العام 1948... فلا غرابة إذاً أن يكون عدد المسيحيين المقدسيين في [مدينة] سيدني [في] أستراليا أكبر منه في مدينة القدس العربية."

أزمة هوية
وبالإضافة إلى الاحتلال الإسرائيلي والتوتر السياسي كعامل أساسي في هجرة الفلسطينيين، مسيحيين ومسلمين، من أرضهم، فإن للمسيحيين أسبابا أخرى خاصة بهم.

فكثير من المجتمعات الفلسطينية المسيحية تعتمد على السياحة الدينية بشكل أساسي مصدرا للدخل، ولا سيما حول كنيسة المهد في بيت لحم، وكنيسة القيامة في الناصرة.

وقد تأثرت الحالة الاقتصادية لتلك المجتمعات بشكل كبير منذ الاحتلال وما تبعه من وضع سياسي وأمني يفتقر إلى الاستقرار، ويصل أحيانا إلى حدود يصعب التعايش معها، كما هو الوضع منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية التي دخلت عامها الرابع.

لكن هناك عاملا آخر يتعلق بأزمة في الهوية المسيحية العربية، مع حالة الاستقطاب السياسي/الديني التي ازدادت بمعدل مطرد منذ إنشاء الدولة اليهودية، ثم صارت حقيقة لا مناص عنها بعد ما اعتبر فشلا للأنظمة العربية القومية في التعامل مع الأزمة، وما أعقبه من تثبيت الجماعات الإسلامية الأصولية أقدامها كلاعب أساسي، وفي بعض الأحوال اللاعب الأساسي، في المعادلة السياسية الإسرائيلية الفلسطينية.

فقد ازداد شعور المسيحيين بالتهميش السياسي، والاستبعاد من دوائر صنع قرارات صراع يتحملون كمواطنين وكمجتمع تبعاتها الاقتصادية والاجتماعية.

وفي هذه النقطة بالتحديد، يتشابه الوضع في لبنان إلى حد كبير مع الوضع في الأراضي الفلسطينية، لكن المواجهة السياسية/الدينية داخل المجتمع الواحد كانت أوضح في لبنان الذي عاش تجربة حرب أهلية مريرة دامت 15 سنة.

مسألة وجود
وتعتمد أحدث المعلومات المتوفرة لدى وزارة المغتربين اللبنانيين بشأن الهجرة المسيحية على دراسة أعدها للوزارة الباحث أنيس أبو فرج عن هجرة اللبنانيين في الفترة من 1975، العام الذي بدأت فيه الحرب الأهلية اللبنانية، حتى عام 1998.

وحسب تلك المعلومات فإن نسبة الموارنة الذين هاجروا من لبنان بلغت 25.9% من مجموعهم، كما هاجر 25% من المسيحيين الأرثوذوكس، و19% من الكاثوليك.

ويعزو البطريرك نصر الله صفير شعور مسيحيي لبنان بالغبن إلى أن "لبنان كان في حالة حرب، والذي أوقف الحرب هو اتفاق الطائف، ولكن اتفاق الطائف لم يطبق كما يجب أن يطبق. طبق انتقائيا".

ويشير الزعيم المسيحي اللبناني بهذا إلى الوجود السوري في لبنان، والذي اقترنت المعارضة لوجوده بصفة المسيحية، فصار يقال المعارضة المسيحية في لبنان كلما أشير إلى رفض هذا الوجود.

ولا شك في أن المسيحيين اللبنانيين يشعرون بشكل خاص بقلق على هويتهم، وهوية دولتهم، إزاء أي وجود يغير من التركيبة السكانية (الديموجرافية).

ويقول الأب يوسف مونس من المركز الكاثوليكي في لبنان إن "ثمة رفضا في المجتمع المسيحي للوجود الغريب، سواء حيال الوجود السوري أو حيال خطط توطين الفلسطينيين".

وبقدر ما ساهم هذا التقسيم الديني للاتجاهات السياسية في ترسيخ الاستقطاب السياسي/الديني، فإن التيارات السياسية القومية، التي نشأت بالأساس على أيدي مفكرين مسيحيين، كانت لها هي الأخرى يد كبرى في زوال الحدود واختلاط المعايير، بلجوئها إلى الخلط بين الإسلام والعروبة سعيا لمزيد من القبول بأفكارها.

وحسب القس الدكتور عيسى دياب، في مقال له نشر بجريدة النهار اللبنانية، فإنه "توجد أطروحة عند بعض التيارات الإسلامية قوامها أن الإسلام مرادف للعروبة. هذا التيار قد أخرج المسيحيين العرب من القومية العربية، مما يزيد عند هؤلاء الشعور بأزمة الهوية".

والخطر الأكبر الكامن خلف هذا التداخل في المفاهيم بين السياسي والديني هو أنه يحمل دائما تفسيرا دينيا لكل اختلاف سياسي، مما يمثل قنبلة موقوتة في مجتمع الشرق الأوسط المتعدد الأديان والمذاهب.

هجرة في اتجاه واحد
ورغم أن أعدادا كبيرة من مسلمي الشرق الأوسط يهاجرون ايضا، لكن هجرتهم ليست دائمة كالمسيحيين. وحسب تقديرات وزارة المغتربين اللبنانية فإنه من بين 5 مليون مغترب يحملون، أو يحق لهم أن يحملوا، الجنسية اللبنانية يوجد 3.5 مليون مسيحي. وذلك على الرغم من أن نسبة المسيحيين داخل لبنان 30% فقط، حسب أرقام وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

ولا تختلف هجرة المسيحيين والمسلمين فقط في بعض أسبابها، وإنما في اختيار بلد المهجر أيضا.

ففي حين هاجر كثير من المسلمين إلى أوروبا والولايات المتحدة وكونوا مجتمعات مقيمة بصفة دائمة، فإن أعدادا كبيرة منهم فضلت من الأساس الهجرة إلى مجتمعات عربية في منطقة الخليج، حيث يتأقلمون بشكل أسرع.

وهؤلاء، على خلاف الهجرة المسيحية إلى الغرب، يعودون إلى بلادهم في أغلب الأحوال، إما لانتفاء أسباب الهجرة بعد حين، أو بسبب قوانين الهجرة في البلاد العربية التي لا تميل إلى استيعاب المهاجرين بعد فترة معينة بمنحهم جنسية البلد الذي يعيشون فيه.

أما المسيحيون فهجرتهم إجمالا إلى مجتمعات مسيحية أو علمانية، حيث يختلطون بشكل أسرع، ويقبلون على الزواج المختلط، مما يجعل الجيل الثاني منهم أكثر التصاقا بالبلد الذي ولد فيه، والجيل الأول أقل حرصا على العودة إلى البلد الذي جاء منه.

خطر مستقبلي
ويهدد هذا النمط من الهجرة العربية المسيحية مجتمعات الشرق الأوسط اجتماعيا وثقافيا وسياسيا على عدة مستويات.

فالمسيحيون في المجتمعات العربية ينتمون بشكل عام إلى الطبقة المتوسطة، التي تحمل دائما لواء الريادة في عمليات الحراك الاجتماعي وتطور القيم (لكنها في الوقت نفسه تميل إلى تنظيم نسلها، لذلك فمتوسط عدد مواليد الأسرة المسيحية في بعض المناطق في لبنان وفلسطين لا يتجاوز ربع متوسط عدد مواليد الأسرة المسلمة).

كما أنهم يشكلون بين الشرق والغرب "حلقة وصل واتصال... نتيجة لثقافتهم المتنوعة المناهل،" حسب ما يقول الأمير طلال بن عبد العزيز آل سعود في مقال له بجريدة النهار اللبنانية.

وإشارة سريعة إلى أسماء مثل إيليا أبي ماضي، وجورج أبيض، وسليم وبشارة تقلا، وسلامة موسى، وميشيل عفلق، كفيلة بالتذكير بدور المسيحيين العرب في تطور مختلف مجالات السياسة والثقافة والفن العربي الحديث.


http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/middle_east_news/newsid_3236000/3236133.stm