المنتدى العام > كتابات روحانية ودراسات مسيحية

الاقتداء بالمسيح

(1/5) > >>

pawel:
الاقتداء بالمسيح
الاقتداء بالمسيح
« لقد أبقى لكُمُ المسيحُ قدوةً لتقتفوا آثاره »
(21 : 1 بطرس 2 )
الاقتداء بالمسيح
نقله عن اللاتينية
الأب بطرس المعلم البولسي
طبعة جديدة
1999
جميع الحقوق محفوظة
منشورات المكتبة البولسية
جونيه شارع القدّيس بولس – ص ب 125
09/ 09 - فاكس: 918447 /933052 - ھاتف 911561
01/ بيروت – شارع لبنان – ھاتف 448806
08/ زحله – الحمراء بلازا – ھاتف 812807
تصدير
بقلم صاحب السيادة
المطران بطرس كامل مدور


 لقد كثر في عصرنا إقبال الاكليريكيين والمؤمنين أنفسھم على العمل الرسولي، لبنيان جسد المسيح السرّي أي كنيسة لله. واندفع
كثيرون منھم في ھذا التيّار بإفراطٍ بات يخشى معه على حياتھم الروحية الداخلية وعلى فاعلية رسالتھم عينھا. ولا تزال الكنيسة نفسھا ومعلمو
ويدعون كل من يزاول العمل الرسولي الى صيانة حياته الداخلية أولا، باتخاذ ،« ھرطقة العمل » الحياة الروحية يحذرّون من خطر سموه
وليس لھذا الغرض وسيلة افعل في النفس من مطالعة الكتب .« حياة مستترة مع المسيح في لله » الوسائل التقليدية في الكنيسة لممارسة
الذي لا يحتاج الى تعريف. « الاقتداء بالمسيح » الروحية التي تدعو الى الحياة الداخلية، واشھرھا كتاب
فذلك ما حدا احد المرسلين البولسيين الى إخراج ترجمة جديدة لھذا الكتاب النفيس في قالب أنيق أقرب ما يكون الى النص اللاتيني
الاصلي وأنفذ ما يبلغ الى صميم النفس التقية العابدة. واذا ھو كتيب جميل الطبع لطيف الحجم يدخل في كل جيب، ويطالع في كل آن، ويتغلغل
في كل نفس، لانه جعل بظرفه واسلوبه وضآلة ثمنه في متناول الجميع.
فليجزل لله أجر ناشريه، وينلھم غاية مبتغاھم، لمجده تعالى وتقديس النفوس العاملة وفائدة المؤمنين وبنيان كنيسة لله. ذلك أحر دعائي
واسمى مبتغاي.
* بطرس كامل مدور
رئيس أساقفة بيلوسيوس
معاون البطريرك



مقدّمة

بقلم الأستاذ بولس سلامه

حسبُ ھذا الكتاب من الشرف ونباھة الصيت أنّ المسيح في عنوانه، فكيف به وھو دعوة للاقتداء بيسوع، اي اقتفاء الأثر الأرفع الذي
حلمت بصاحبه الدنيا، واشرأبّت الى طلعته العصور، فشرّفھا بميلاده في مغارة، وودّعھا – في الظاھر – كما سيعود اليھا على جناح سحابة!
وبين المھد والصعود دارت الأرض حول الشمس ثلاثاً وثلاثين مرة، وكانت ھذه الحقبة أجمل برھة في عمر الأرض، لو صحّ إدخالھا في
حساب الزمن، وأحرِ بھا أن تدخل في نظام الابدية: ذلك أن ثوانيھا حافلة بالخلود، وأنّ مالئھا ھو الجامع بين الازل والابد، وھو الذي أنار ما
بعده، وألقى الضياءَ على ما سلف، فبعث التاريخ من جديد كما تخلق الشمس الألوان للعين عندما تنسخ الظلال، فتنكشف الافاق عن دنياوات لم
تكن في البال، لا بالفعل ولا بالقوة.
ولقد طالما انشعبت آراء الباحثين في ھوية مؤلف ھذا الكتاب؛ وما يضير الالماسة النفيسة أن تلقيھا في صندوق الحسنات يمين لم تشعر
يُسراھا بما فعلت ؟ وعندي ان ھذا الاغفال المقصود ھو أول البراھين على اقتداء المؤلف بالمسيح، فالمقتدى به ولد في مذود، والكاتب
ثمره التواضع والحياة الباطنية، ،« الذي لم تسطر اجمل منه يدٌ بشرية » ، المقتدي طلب العزلة والتخفي في دير قصيّ منفرد. فكان ھذا الكتاب
إذ استنار واضعه بنور المسيح فأوحى اليه ما أوحى.
ومن دواعي العجب علم المؤلف بالنفس البشرية، وبما يعتريھا من خور، ويضطرب فيھا من لجج فيھا الدّرّ والصدف، والحيتان
والمرجان، والعافية والسرطان. ولا ترى صاحبنا يقف عند عرض الداء فيروعك بما يصف من ھوله، ويشيع الوھن في أعصابك واليأس في
قلبك، بل يدعوك الى الرجاء لا الى قنوط شوبنھور، والى التسلح بقوة من غير طراز قوة نيتشه، بعد أن يفتح بصرك على الاغوار الصاخبة،
على غير طريقة سيغموند فرويد وأضرابه.
يريك الھاوية لتنصرف عنھا الى القمة بوثبة كوثبة الطائر الذي يساعده التواء الغصن على الوثبة، لتبسط جناحيك لا في الزوبعة التي
ترد القوادم على الخوافي، بل في الاثير السماوي، في جو المسيح. يغطّ المؤلف ريشته مرة بالايمان ومرة بالمحبة، فيصرف الاسماع عن
.« تعالوا اليّ يا جميع المتعبين » : ضوضاء الأرض، والابصار عن اباطيلھا، عادلا عن طريقة سليمان الى طريقة القائل
ھذا الكتاب دعوة الى السلام في ظل الصليب، لا الى اللذات العابرة يحسھا الغواة كما يجد الاجرب لذة في حك البثور، ولا يزيده
الحكّ إلا ھياجاً على ھياج وسوءا على سوء؛ ولا الى الخيرات الزمنية التي انتظرھا اليھود من يسوع، فكان يومه المحجل عندھم يوم أشبعھم
سمكاً وخبزاً؛ بل الى الخيرات الروحية التي تھزأ بالفناء، وتصل الأرض بالسماء. صاحبنا يدعو الى الاقتداء بيسوع العملي، الذي عاش وجوده فكانت حياته فعلا موصولا فحق له القول  ((  انا الطريق والحق والحياة  )) .

 Page 2
الاقتداء بالمسيح
ولطالما كان ھذا الكتاب واحةً منقذة للذين أضلھم الشيطان فتاھوا من قفر الى قفر وساخت أقدامھم في الرمضاء حتى الركب، لا
يكادون ينقعون غلة حتى تسلمھم الشھوات الى اختھا، فأتاح لھم ھذا السفر ريّاً سماوياً وھداھم ينبوعاً زلالا، من يشربه لا يظمأ الى الابد لانه
ماء الحياة، ينھل من كأس ربّ الحياة. بيد ان العطاش الذي ارتووا لم يقبلوا عليه متكبرين متوشحين غطرسة الفلاسفة: فتلك عنجھيةٌ تفضي
الى شك دافيد ھيوم وجفاف عمنوئيل كنط ، بل انھم تناولوه بتواضع العقل، الذي يفتح الباب للنسيم العلوي. فيدخل منعشاً ويرفع النفس الى
الاجواء العلى؛ فمثل القلب الوديع مثل الارض المطمئنة يغمرھا الماء فتخصب. أما الرعان المتشامخة فنصيبھا الشمس المحرقة لا يلبث نبتھا
أن يجف ويستحيل ھشيماً. وخير لمن سيج على قلبه بغرور العلم الناقص، وغشى بصيرته بالادعاء الفارغ، ألا يتناول ھذا السفر الغالي، إذ
قال الحكيم. ،« يا بنيَّ، أعطني قلبك » : يقع البرُّ الجيد على الصخر الجلمد
التواضع في الاھداف الرئيسة التي يدعو اليھا الاقتداء، وأحسبه رأس الفضائل. ومن المؤسف أن تتقلص الوداعة من الصدور في ھذا
العصر الشماخ؛ وقلما تجد لھا ظلا في صدور النشء الطالع المدّعي المعرفة وليس له منھا إلا الدعوى، فتراه ھازئاً بالقيم، متھكماً بالدين،
ساخراً بالعقائد، زاعماً انھا صلحت لعصر المحراث ومركبة الخيل، وتخلفت عن موكب الحضارة في عصر المذياع والطائرة. وإنھا لنظرة
ضالة، نصيبھا من الصحة نصيب زعم القائل: كان المثلث مؤلفاً من ثلاثة أضلاع في عھد إقليدوس، اما اليوم فلا.
ومن اركان الاقتداء وجوب التضحية والصبر على المكاره والتمرّس بالالم، والعالم أحوج ما يكون الى ذلك في عصر طغى فيه حب
الذات، وأخذه الترف فأصيبت العزائم بسلٍ روحي نزع الرجولة من صدور الرجال، والانوثة من أفئدة النساء، فكأنھم وكأنھن آلاتٌ في جملة
آلات المدنية الزائفة، التي كان لھا القسط الأوفر في خنق الھمم، وقتل المروآت، وإشادة المعابد للمادة والتنكر للميتافيزيقية، وشيوع الالحاد
حتى اعتبر ضرباً من ضروب الرُّقي، وغدت الروحانيات آخر ما يخطر في البال. ولا عجب، فإن الملاحدة لا يؤمنون إلا بالمحسوس، وعبثاً
أجھدوا أبصارھم فلم يجدوا الروح لا في المعمل ولا في المختبر ولا في قاعة السينما.
ومن أھم نقاط الاقتداء الدعوة الى الحياة الروحية الباطنية التي تسمو على الطقسيات سمو الباب على القشوط – وان كانت القشور
.« انّ ملكوت لله في داخلكم » : تعين على حفظ اللباب فتقيه لفح الھجير، وتحوّطه بحرز لا بد منه – والى ھذا الجوھر أشار المسيح بقوله
، وھي الطريق التي سلكھا اوغوسطين وبسكال وكيركغورد وتيريز دافيلا ويوحنا الصليبي وسواھم من 􀍿 فالحياة الداخلية اتصال مباشر با
كواكب التاريخ، وكان ھنري برغسون منھا قاب قوسين أو أدنى كما يظھر من كتابه (مصدرا الدين والاخلاق). ولقد لمح ذلك اليھودي النير
الفؤاد أنّ العقل الكنطي، وحده، قاصر بدون الحدس أو الوثبة الكبرى التي عرفھا الوجوديون الجديرون بھذا اللقب، وإن ھي الا ارتماء الابن
الشاطر في حضن أبيه تائباً متواضعاً مطرحاً كبرياءه وجھله في زرائب الخنازير، بعد أن تشھى مآكلھا وظل جائعاً .
ولا ريب ان للمطالعات الروحية – بصرف النظر عن الكسب الاخلاقي – وقعاً في النفس يملك عليھا مشاعرھا، ويبعث فيھا من
الغبطة ما تقصر عن مثله روائع النوابغ، لأنّ روحاً علوياً يشيع فيھا فتقرأ وراء السطور أكثر مما تقرأ في السطور نفسھا. وأذكر اني طالعت
كتاب (حياة نفس) للقديسة تريزيا الطفل يسوع منذ خمس عشرة سنة فأنساني كثيراً مما قرأت لقمم الادب في أوربا: ذلك أنّ المحبة تغمره من
الدفة الى الدفة، وأنّ لغة القداسة ليست لغةً ھجائية تتآلف حروفھا فتولد معنى معروفاً في اصطلاح البشر: إن ھي إلا نفحة سحرية تنزلُ على
الافئدة من عالم غير ھذا العالم.
والكتاب الذي بين يديك ايھا القارئ تنزَّلَ من عالمٍ آخر، فإذا أسعدك الحظُّ باطلاعه، فمن الفطنة أن تحافظ على طھره في ذاكرتك، فلا
تعمد بعده الى الكتب الخليعة التي تكتظُّ بھا المكتبات كما تحفل القمامات بالاقذار. ومن العجب أنّ حروف المطابع لا تذوب خجلاً إذ تصكُّ
على الورق محالفة بين مؤلفيھا والشيطان، لان أولئك المرتزقة يشدون بالناس الى تحت، وأية عبقرية ترى في دعوتھم الانسان الى الحيوانية،
ذلك الانسان الذي احصى لله شعر رأسه، فلا تسقط واحدة منه إلا باذنه، الانسان الذي اقتداه بدمه الثمين يسوع مدار ھذا الكتاب ؟
بقي أن أھنئ حضرة المترجم الجليل الذي أفرغ جھده في ھذه الترجمة لتأتي أقرب ما يكون الى الأصل، فأمعن في البحث والتقصي،
ذاھباً الى أبعد المصادر وأوثقھا في اللغة اللاتينية، مقابلاً مقارناً بين شتى الترجمات في اللغات الحديثة، غير مدّخرٍ وسعاً في التمييز بين
الاصداف واللآلئ. ولقد أسبغ على المعاني لغة من حرير خالٍ من الزخرف البين والصناعة المزركشة، على أنه الحرير الخالص لا خشونة
فيه ولا تعقيد، فما أبعده عن ديباجة القدامى التي علاھا الغبار وأخلقھا التزمت، وھلھلة العصريين التي ذھبت بالرونق والوقار. إنھا لغة الحياة
المطواعة التي لا تتخلف عن ركب الحضارة حتى ليرضى عنھا سعيد عقل نفسه. ومن محاسنھا انھا جمعت بين الطلاوة والانسجام إذ ألزم
المترجم قلمه ما لا يلزم إلا الشاعر الذي يتعمد المؤسيقى، فلا تنافر في التركيب ولا اعتلال في الايقاع، أو الرسّام الذي يؤلف بين الالوان
فتخرج باسمة زاھية لون الفجر الأشقر الذوائب، أو حمرة الشفق في عشايا الربيع الصاحية، لا كدّر ولا غيم بل صفاءٌ في صفاء.
ولم يقصر صاحبنا ھمه على إرضاء الاذن بالاوتار الحرفية والكلم الصوادح، بل تعدّى السمع الى متعة النظر، فعمل على إخراج
الكتاب أفضل ما يكون الاخراج، إذ اتخذ للمحتوى النفيس، إطاراً جميلاً من حرف جيد الى ورق وضيء، فأرضى السمع والبصر والذوق
جميعاً، ناظراً في كل ذلك الى مجد لله ونفع القارئ، إذ يسر للمطالع أسباب الراحة، فجعل الكتاب لطيف الحجم بحيث يحمل في الجيب –
وإن كان محتواه يوازي الوزنات العشر- . ولا خوف على القارئ من اللحن والتصحيف فقد جعله المترجم في حرز حريز منھما بأن ضبط
Page 3
الاقتداء بالمسيح
الكلام بالشكل وعلامات الوقف. ولا خطر من اضاعة الوقت في التفتيش عن موضوع معين، فقد ألحق الكتاب بتقويم ھجائي نفيس يسھل
للباحث جميع مطالبه.
ويقيناً ان ھذه الترجمة جاءت قمة الترجمات السالفة، فكانت حسنة مضافة الى حسنات حريصا التي يحسن في تقريظھا الاجمال،
حفاظاً على التواضع وھو إحدى الجواھر في فضائل ھذا الكتاب.


بولس سلامه


 ____________________________________________________



السفر الأول
نصائح مفيدة للحياة الروحية
طوبى لمن يعلمه الحق بذاته... ليصمت جميع المعلمين »
«. ولتسكت الخلائق كلھا في حضرتك؛ وأنت وحدك كلمني
( 1 اقتداء 1:3 و 2 )
الفصل الأول
في الاقتداء بالمسيح واحتقار اباطيل العالم كلھا
.«[ من يتبعني - يقول الربّ- فلا يمشي في الظلام[ 1 » -1
ذاك ھو كلامُ المسيح، يخصنا به على التشبه بسيرته وأخلاقه، إن أردنا الاستنارة الحقة، والتحرّر من كل عمى في القلب.
فليكن إذن جُلُّ اھتمامنا، التأمل في حياة يسوع المسيح .
-2 إن تعليم المسيح يفوق تعاليم القديسين كلھا، ومن كان فيه روح المسيح، فإنه واجدٌ في تعليمه المنّ الخفي.
بيد ان كثيرين، في الواقع، قلما يتأثرون بسماعھم المتواتر للانجيل، إذ ليس فيھم روح المسيح.
فمن أراد أن يتفھم جيداً ويتذوق أقوال المسيح، فعليه أن يجتھد في التوفيق بين حياته كلھا وحياة المسيح.
-3 ماذا يفيدك البحث العميق في الثالوث، إن خلوت من التواضع، بحيث تصبح غير مرضي لدى الثالوث.
حقاً ليست الأقوال السامية ھي التي تجعل الانسان قدّيساً وصديقاً، بل السيرة الفاضلة ھي التي تجعله عزيزاً على لله.
اني أفضل الشعور بانسحاق القلب، على معرفة تحديده.
لو عرفت على ظھر قلبك كل الكتاب المقدس، وأقوال الفلاسفة جميعاً، فأيُّ نفع لك في ذلك كله، ان خلوت من محبة لله ونعمته ؟
Page 4
الاقتداء بالمسيح
ٍ
ما خلا حب لله والتعبد له وحده . ،«[ باطل الأباطيل وكل شيء باطل[ 2 »
ھذه ھي الحكمة السامية : أن يسعى الانسان الى الملكوت السماوي، باحتقاره العالم.
-4 فباطلٌ إذن طلب الأموال الزائلة، والاتكال عليھا.
باطلٌ أيضاً الطمعُ في الكرامات، والتطاول الى المرتبة الرفيعة.
باطلٌ اتباع شھوات الجسد، وابتغاء ما يستوجب لنا أخيراً شديد العقاب .
باطلٌ تمني العمر الطويل، مع قلة الاكتراث لعيشةٍ صالحة.
باطلٌ قصر النظر على الحياة الحاضرة، وعدم التبصر في الأمور المستقبلة.
باطلٌ حب ما يزول بكل سرعة، وعدم الاسراع الى مقر الفرح الدائم.
.«[ العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تمتلئُ من السماع[ 3 » : -5 تذكّر مراراً ھذا المثل
فاجتھد إذن أن تصرف قلبك عن حب المنظورات، وتنتقل به الى غير المنظورات.
فإن الذين ينقادون للحواس، يدنّسون ضمائرھم، ويفقدون نعمة لله.
*** ***
الفصل الثاني
في استحقار الانسان نفسه
-1 كل انسانٍ، من طبعه، يرغب في العلم، ولكن ماذا ينفع العلم من غير مخافة لله؟ .
، لأفضلُ، حقاً، من الفيلسوف المتكبّر، الذي يرصد دوران الفلك، وھو غافلٌ عن نفسه. 􀍿 ان الأميّ الوضيع، المتعبّد
من يحسن معرفة نفسه، يحتقر ذاته، ولا يلتذ بمديح الناس.
لو كنت أعرف كل ما في العالم، ولم تكن فيّ المحبة، فماذا يفيدني ذلك أمام لله، الذي سوف يدينني على أعمالي؟
-2 كفّ عن الرغبة المفرطة في العلم، فإنّ فيھا كثيراً من التشتت والغرور.
إنّ أھل العلم يرومون أن يظھروا وأن يدعوا حكماء.
كثيرة الأمورُ التي قلما تفيدُ النفس معرفتھا، وقد لا تفيدھا البتة.
أنه لعلى جانب عظيم من الحماقة، من يھتم بغير ما يأول الى خلاصه.
عظيمة. 􀍿 كثرة الكلام لا تشبع النفس، بل العيشة الصالحة تثلج القلب، ونقاوة الضمير تنشئ ثقة با
-3 بمقدار ما تزداد توسعاً وتعمقاً في العلم، تكون دينونتك أشد قسوة، إن لم تزدد سيرتكم قداسة.
فلا يزھونك علم أو فن، بل خف بالحريّ لما أوتيت من معرفة.
إن خيّل اليك أنك واسع العلم، سريع الإدراك، فاعلم مع ذلك أن ما تجھل أكثر بكثير.
بل بالحريّ أقرر بجھلك. ،«[ لا تستكبر[ 4 »
لم تريد أن تفضّل نفسك على غيرك، وكثيرون ھم أعلم منك، وأفقه في شريعة لله؟
إن أردت أن تتعلم وتعرف شيئاً مفيداً، فارغب في أن تكون مجھولاً ومعدوداً كلا شيء.
-4 ان أسمى الدروس وأجزلھا فائدة، أن يعرف الانسان نفسه معرفة حقة، ويزدري ذاته.
إنھا لحكمة سامية، وكمال عظيم، أن لا يحسب الانسان نفسه شيئاً، وأن يحسن الظن دوماً بالآخرين ويحلّ قدرھم.
إن رأيت أحداً يخطأ جھراً - وأن خطأً جسيماً- فلا يحقّ لك، مع ذلك، أن تعدّ نفسك أفضل منه، لأنك لا تعلم كم تستطيع أن تثبت على
الصّلاح.
كلنا ضعفاء، أما أنت، فلا تحسب أحداً أضعف منك.

pawel:
الفصل الثالث
في تعليم الحق

-1 طوبى لمن يعلمه الحق بذاته، لا برموزٍ وألفاظٍ عابرة، بل كما ھو في ذاته!
إن رأينا وحُكمنا كثيراً ما يخدعاننا، ولا يريان إلا القليل.
ماذا يفيد الجدال العنيف في أمور خفية غامضة، لن نوبّخ، في الدينونة، على جھلنا لھا؟
«! [ لنا عيونٌ ولا نبصر[ 5 » : إنھا لحماقة عظيمة، أن نھمل النافع الضروري، ونبالغ في الاقبال على الأمور الغريبة المضرّة
-2 ما لنا والاھتمام بالأجناس والأنواع ؟
إنّ من يكلمه الكلمة الأزلي، ينجو من تعدد الآراء.
.«[ وھو الذي يكلمنا[ 6 » ، من الكلمة وحده كل شيء، وعنه وحده يتكلم كل شيء : ھو المبدأ
ما من أحدٍ، بدونه، يفھم أو يحكم بالصواب.
من كانت عنده كل الأشياء واحداً، وردّ كل شيء الى واحد، ورأى كل شيء في الواحد، يستطيع أن يكون ثابت القلب، وأن يستمر في
لله بسلام.
اللھم، أيھا الحق، اجعلني وإياك واحداً في محبة دائمة.
إني أسأم غالباً لكثرة القراءة والاستماع؛ ففيك أنت كل ما أريد واشتھي.
ليصمت جميع المعلمين، ولتسكت الخلائق كلھا في حضرتك؛ وأنت وحدك كلمني.
-3 بمقدار ما يخلو الانسان بنفسه، وتخلصطوّيته، يدرك أموراً أوفر وأسمى، من غير ما عناء، لأنه من العلاء ينال نور الفھم.
الروح الطاھر الخالصغير المتقلقل، لا تشتّته كثرة الأعمال، لأنه يعمل كل شيءٍ لمجد لله، ويجتھد أن يحجم، في ذاته، عن كل سعيٍ
لمنفعة ذاته.
ما الذي يعوقك ويزعجك، أكثر من أميال قلبك غير المماتة؟
الرجاء الصالح العابد، يرتب أولاً في داخله ما يجب أن يعمل في الخارج، فلا تجرّه أعماله الى شھوات الميل الرديء، بل ھو
يخضعھا لحكم العقل السّديد.
أي جھاد أشد من جھاد الانسان الدائب على قھر نفسه؟ فھذا ما يجب أن يكون شغلنا: أن نقھر ذواتنا، وأن نزداد قوة في كل يوم،
ونحرز بعض التقدم في الصلاح.
-4 كل كمالٍ في ھذه الحياة، يلازمه شيءٌ من النقص، وكل معرفة لنا لا تخلو من بعض الغموض.
إن معرفتك لنفسك بالتواضع، لطريقٌ الى لله، آمن من البحث العميق في العلم.
لا ينبغي ذمُّ العلم، ولا أي معرفةٍ بسيطةٍ للأمور، لأن ذلك حسن في ذاته، ومرتب من قبل لله؛
إنما يجب دائماً أن يؤثر الضمير النقيّ، والسيرة الفاضلة.
على أنّ كثيرين، لكونھم يھتمون للعلم، أكثر من اھتمامھم لسيرة صالحة، يضلون غالباً، فلا يكادون يثمرون البتة، أو قلما يثمرون.
-5 آه، لو كانوا يبذلون لاستئصال الرذائل وغرس الفضائل، ما يبذلون من النشاط لاثارة المناقشات، لما حدثت تلك الشرور والمعاثر
الجسيمة في الشعب، ولا ذلك التراخي في الأديار.
من الثابت أننا، إذا حل يوم الدين، لن نسأل عما قرأنا بل عما فعلنا، ولا عن درجة فصاحتنا في الكلام، بل عن مقدار تقوانا في الحياة.
قل لي: أين ھم الآن جميع أولئك السادة والمعلمين، الذي عرفتھم جيداً وھم أحياء زاھرون بالعلوم ؟
إن وظائفھم يشغلھا الآن آخرون، ولا أدري ھل ھم يخطرون على بال ھؤلاء.
لقد كانوا في حياتھم، يبدون كأنھم شيءٌ عظيم، أما الآن فليس من يأتي بذكرھم.

-6 سرعان ما يزول مجد العالم !
ليت سيرتھم كانت على وفق علومھم! إذن لكانوا أحسنوا الدرس والمطالعة.
ما أكثرھم في العالم، أولئك الذين يھلكون بسبب العلم الباطل، وقلة اھتمامھم بعبادة لله!
فإنھم لايثارھم العظمة على التواضع، يضمحلون في أفكارھم.
العظيم حقاً، من كانت محبته عظيمة.
العظيم حقاً، من كان صغيراً عند نفسه، وحسب كل ذرى المجد كلا شيء.
.«[ من عدّ الأرضيات كلھا أقذاراً ليربح المسيح[ 7 » ، الحكيم حقاً
والعالم العالم حقاً، من يعمل إرادة لله، ويھمل إرادة نفسه.


الفصل الرابع
في التبصر في الأعمال


-1 لا ينبغي لنا أن نصدّق كل قول، ولا أن نثق بكل ھاجس، بل علينا أن نروز الأشياء بحسب لله، بتحفظ وطول أناة.
واحسرتاه على ضعفنا ! فإنا كثيراً ما نصدق أو نقول الشرّ في الآخرين، بأسھل مما نصدّق أو نقول الخير.
أما ذوو الكمال، فلا يطمئنون بسھولةٍ الى كل محدّث، لأنھم يعرفون ما في الضعف البشري، من جنوحٍ الى الشر، ومن سرعة زللٍ
في الكلام.
-2 إنھا لحكمة عظيمة، أن لا يتسرّع الانسان في الأعمال، وأن لا يتمسك، بعنادٍ، بآرائه الخاصة.
ومن الحكمة أيضاً، ان لا نصدّق كل ما يقول الناس، وأن لا نعجل فنذيع على مسامع الآخرين، ما سمعناه أو صدّقناه.
إلتمس مشورة الرجل الحكيم، الصادق الضمير، وآثر أن يرشدك من ھو خير منك، أولى من أن تتبع آراءك الذاتية.
، تزداد في كل شيءٍ حكمته وطمأنينته. 􀍿 السيرة الصالحة، تجعل الانسان اتضاعاً في ذاته، وخضوعاً
*** ***

الفصل الخامس

في مطالعة الكتب المقدسة


-1 يجب أن تبتغى، في الكتب المقدّسة، الحقيقة، لا الفصاحة، وأن يقرأ الكتاب المقدّس كله، بالروح الذي أوحاه.
فلنطلب إذن بالأولى، في الأسفار المقدّسة، الفائدة لا براعة الكلام.
كذلك علينا أن نرتاح لقراءة الكتب التقوية البسيطة، ارتياحنا لقراءة الكتب السامية والبليغة.
لا يوقفك شأن المؤلف : أمن كبار الأدباء ھو، أم من صغارھم؟ بل فليحملك على المطالعة حب الحقيقة الخالصة.
لا تسل عمن قال، بل انظر الى ما يقال .

.«[ صدق الرب، فيدوم الى الأبد[ 8 » -2 الناس يزولون، أما
ان لله يكلمنا بطرقٍ مختلفة، ومن غير محاباةٍ للوجوه.
كثيراً ما يكون الفضول عائقاً لنا، في مطالعة الكتب المقدسة، إذ نريد التفھم والجدال، حيث ينبغي العبور ببساطة.
إن شئت أن تجني نفعاً، فاقرأ بتواضعٍ وبساطةٍ وايمان، ولا تبتغِ ابداً سمعة العلم.
ارتح الى السؤال، وأصغ صامتاً الى أقوال القديسين، ولا تسؤك أمثال الشيوخ، فإنه لم ينطق بھا عبثاً.


*** ***

الفصل السادس
في الاميال المنحرفة


-1 كلما اشتھى الانسان شيئاً على خلاف الترتيب، عاد في الحال قلقاً في نفسه.
المتكبّر والبخيل لا يستريحان أبداً، أما المسكين والمتواضع بالروح، فيعيشان في وفرة السلام.
من لم يمت بعد لنفسه موتاً كاملاً، يجرّب سريعاً، ويغلب في أمور زھيدةٍ تافھة.
من كان بعد ضعيف الروح، غير مستكملٍ التحرّر من الجسد، ومائلاً الى المحسومات، فإنه لا يستطيع، من غير صعوبة، أن يمتنع
تماماً عن الشھوات الأرضية.
فلذلك كثيراً ما يغتمّ عند امتناعه عنھا، وإن قاومه أحد، غضب بسھولة.
-2 وإن نال بغيته، أعنته في الحال توبيخ ضميره، لأنه اتبع ھواه، فلم ينله الھوى ما طلب من السلام.
فسلام القلب الحقيقي إذن، إنما ھو في مقاومة الشھوات، لا في التعبّد لھا.
وليس من سلام في قلب الإنسان الشھواني، ولا في الانسان المكبّ على الأمور الخارجية، بل في الانسان الروحي، المضطرم العبادة.


الفصل السابع
في الھرب من الامال الباطلة ومن التشامخ


-1 إنه لفاقد اللب، من يجعل رجاءه في الناس، أو في غيرھم من الخلائق.
لا تستحي أن تخدم الآخرين حباً ليسوع المسيح، ولا أن تظھر فقيراً في ھذا العالم.
لا تعتمد على نفسك، بل اجعل في لله رجاءك.
إعمل ما وفي وسعك، ولله يعضد حسن نيّتك.
لا تشكل على علمك، أو على دھاء أحدٍ من البشر، بل بالحري على نعمة لله، الذي ينصر المتواضعين، ويذلُّ الواثقين بأنفسھم.
الذي يمنح كل شيء، ويرغب، فوق كل شيء، أن يھب 􀍿 -2 لا تفتخر بالغنى، إذا توفر لك، ولا بالأصدقاء، على أنھم مقتدرون، بل با
ذاته.
لا تترفع لقامتك أو لجمال جسمك، فإن مرضاً طفيفاً قد يفسده ويذويه.
لا تعجب بنفسك لمھارتك وذكائك، لئلا تسوء في عيني لله، الذي منه كل ما فيك من خيرٍ طبيعي.
.«[ العالم بما في الانسان[ 9 » ، -3 لا تحسب نفسك أفضل من الآخرين، لئلا تعدّ شراً منھم لدى لله
لا تستكبر بأعمالك الصالحة، فإن أحكام لله تغاير أحكام الناس، وما يروق البشر، كثيراً ما يسوء في عينيه.

إن كان فيك بعض الصلاح، فأيقن أن في الآخرين ما ھو أفضل، لكي تستمر على التواضع.
لا ضير عليك إن وضعت نفسك دون الجميع، لكنه يضرّك كثيراً أن تترّفع، وإن على واحدٍ فقط.
للمتواضع سلامٌ دائم، أما المتكبّر، فالحسد والغضب غالباً في قلبه.

pawel:
الفصل الثامن
في الحذر من الالفة المفرطة


.􀍿 بل عالج أمرك مع الحكيم المتقي ؛«[ لا تكشف قلبك لكل إنسان[ 10 » -1
كن في النادر مع الأحداث والغرباء.
لا تتملق الأغنياء، ولا ترتح الى الظھور أمام العظماء.
صاحب الوضعاء والسذج، والأتقياء وحميدي السيرة، وكلمھم بما فيه البنيان.
لا تؤالف امرأةً على الاطلاق؛ بل استودع لله، إجمالاً، جميع النساء الصالحات.
تق أن لا تؤالف سوى لله وملائكته، وتجنّب أن يعرفك الناس.
-2 المحبة واجبةٌ للجميع؛ أما المؤالفة، فلا تليق مع الجميع.
قد يتفق أحياناً أن شخصاً يشتھر بحسن السمعة، ما دام مجھولاً، فإذا حضر، ساء في عيون الناظرين.
قد نظن في بعض الأحيان، أنا نسرّ الآخرين بملازمتنا لھم، على حين نبدأ بالحري نسوء في عيونھم، لما يرون فينا من رداءة السيرة.


الفصل التاسع
في الطاعة والخضوع


-1 إنه لأمرٌ عظيم جداً، أن يعيش الانسان في الطاعة، خاضعاً لرئيس، وغير مالكٍ زمام نفسه.
إن الخضوع لآمن، بكثيرٍ، من الرئاسة.
كثيرون ھم تحت الطاعة عن اضطرار، أولى مما عن محبة، فھولاء ھم في عذاب، وبسھولة يتذمرون.
ولن يحصلوا على حرية الروح، ما لم يخضعوا، من كل قلوبھم، لأجل لله.
جل حيثما شئت : فإنك لن تجد الراحة، إلا في الخضوع، بتواضع، لتدبير الرئيس.
كثيرون ظنوا أن تبديل الأماكن يفيدھم، فغرّھم ظنھم.
-2 لا شكّ أن كل واحدٍ يحب العمل بحسب رأيه، ويميل بالحريّ الى الذين يرون رأيه.
ولكن، إن كان لله في ما بيننا، فمن الضروري، أحياناً، أن نتخلى حتى عن آرائنا الذاتية، لأجل السلام.
ومن تراه صار من العلم، بحيث يعرف كل شيء تمام المعرفة ؟
فلا تثق إذن برأيك بإفراط، بل اضع أيضاً بارتياح لرأي الآخرين.
إن كان رأيك صائباً، وتركته لأجل لله، واتبعت رأياً آخر، فإنك تجني من ذلك فائدة أعظم.
-3 كثيراً ما سمعت ان الاصغاء وقبول المشورة، آمن من اسدائھا.
وقد يتفق أيضاً أن تكون آراء كل واحدٍ حسنة، ولكن رفض مجاراة الآخرين، عندما يقتضيھا العقل أو الأحوال، لدليلٌ على الكبرياء والعناد.


الفصل العاشر
في تجنب الكلام الناقل


-1 اجتنب، ما استطعت، جلبة الناس؛ فإن الأحاديث عن الشؤون العالمية تعوق كثيراً، وإن كانت عن نية سليمة.
سرعان ما تدّنسنا الأباطيل وتأسرنا !
أودُّ لو أني، مراتٍ كثيرة، حفظت الصمت ولم أكن بين الناس.
ولكن لم نرتاح جداً الى الكلام والتحدث بعضنا الى بعض، ونحن قلما نعود الى الصمت، من غير انثلام في الضمير ؟
إنا لنرتاح جداً الى الكلام، لأنّا، بتبادل الحديث، نبتغي التعزية بعضنا من بعض، ونرغب أن ننعش قلبنا، المتعب بمختلف الأفكار.
وأكثر ما نرتاح اليه في الحديث والتأمل، إنما ھو الأمور التي نحبھا أو نشتھيھا بالأكثر، أو تلك التي نراھا معاكسة لأميالنا.
-2 ولكن- يا للأسف !- كثيراً ما يكون ذلك عبثاً وباطلاً.
فإن ھذه التعزية الخارجية، إنما تلحق ضرراً جسيماً بتعزيات لله الداخلية.
فيجب إذن السھر والصلاة، لئلا يمرّ الزمن في البطالة.
إذا كان الكلام جائزاً ونافعاً، فتكلم بما ھو للبنيان.
إن العادة الرديئة، والتھاون في أمر تقدّمنا، لمن أكبر الموانع لنا عن ضبط أفواھنا.
على أن المذاكرة التقوية في الأمور الروحية، تفيد كثيراً للتقدم الروحي، ولا سيما إذا اجتمع في لله قومٌ، قد تماثلوا في القلب والروح.


الفصل الحادي عشر
في تحصيل السلام وفي الغيرة على التقدم


-1 لولا رغبتنا في الاھتمام بأقوال الآخرين وأفعالھم، وبالأمور التي لا تعنينا، لكان في استطاعتنا أن نتمتع بسلامٍ وافر.
كيف يستطيع البقاء طويلاً في السلام، من يتدخل في مھام الآخرين، أو من يطلب فرص الاندفاع الى الخارج، ولا يختلي في نفسه إلا
قليلاً أو نادراً ؟
طوبى للسذج! فإنھم يحصلون على سلامٍ وافر.
-2 لم بلغ بعض القديسين درجة سامية من الكمال والمشاھدة؟
من صميم قلوبھم، ويتفرغوا 􀍿 لأنھم اجتھدوا في إماتة أنفسھم، إماتةً كاملة، عن جميع الشھوات الأرضية، فاستطاعوا أن يتحدوا با
لذواتھم بحرية.
أما نحن، فشغلنا الشاغل في أھوائنا الذاتية، واھتمامنا المفرط في الأمور الزائلة.
أنه لمن النادر أن نقمع تماماً، ولو رذيلة واحدة، ثم إننا لا نضطرم غيرةً على تقدّمنا اليومي؛ ولذلك نبقى باردين، لا حرارة فينا.
-3 لو كنا أمواتاً عن أنفسنا بالتمام، وأقلّ ارتباكاً في دواخلنا، إذن لاستطعنا أن نتذوّق حتى الأشياء الالھية، ونخبر شيئاً من المشاھدة

السماوية.
ان العائق الأعظم، بل الوحيد، ھو أننا غير أحرار من الأھواء والشھوات، ولا نجتھد أن نسلك طريق القديسين الكامل .
فإذا عرضت لنا شدة طفيفة، فشلنا في الحال، وعمدنا الى التعزيات البشرية.
-4 لو اجتھدنا أن نثبت كرجال بأسٍ في القتال، رأينا، بلا ريبٍ، معونة الرب، تنحدر علينا من السماء.
فإنه مستعدٌ لنصرة المجاھدين، والمتوكلين على نعمته، لأنه ھو الذي يوفر لنا أسباب الجھاد، كيما ننتصر.
إن حضرنا تقدّمنا الروحي في الممارسات الخارجية فقط، فتقوانا صائرةٌ سريعاً الى الزوال.
ولكن، لنضع الفأس على أصل الشجرة، حتى إذا تطھّرنا من أھوائنا، نحصل على سلام الروح.
-5 لو كنا، في كل سنة، نستأصل رذيلةً واحدة، لصرنا سريعاً رجالاً كاملين.
لكننا نشعر، غالباً، أن الأمر على عكس ذلك : أي اننا، في بدء حياتنا الرھبانية، قد كنا أفضل وأطھر مما نحن عليه الآن، بعد سنين
كثيرة قضيناھا في تلك العيشة.
لقد كان من الواجب أن تنمو حرارتنا وتقدّمنا كل يوم؛ أما الآن، فيحسب أمراً عظيماً أن يحافظ أحدنا على شيء من حرارته الأولى.
لو كنا، في البدء، نغصب أنفسنا قليلاً، إذن لكان بوسعنا، في ما بعد، أن نصنع كل شيء بسھولة وفرح.
-6 أنه لأمرٌ شاق، الاقلاع عن العادات؛ وأشد مشقة منه، مخالفة الارادة الشخصية.
فإن لم تذلل الآن الصعوبات الصغيرة الطفيفة، فمتى تنتصر على ما ھو أشد منھا ؟
قاوم ميلك في بدئه، واقلع عن العادة الرديئة، لئلا تستدرجك، رويداً، الى صعوبة أشد.
أهِ ! لو كنت تدرك أي سلامٍ تجني لنفسك، وأي فرحٍ تجلب للآخرين، إن أحسنت سيرتك، لكنت، في ما أظن، أكثر اھتماماً بشأن تقدّمك الروحي.

pawel:
الفصل الثاني عشر
في منفعة الشدة


-1 حسنٌ لنا أن تنتابنا، أحياناً، بعض الشدائد والمعاكسات، لأنھا كثيراً ما تردّ الانسان الى نفسه، لكي يعرف أنه في المنفى، فلا يجعل، من
بعد، رجاءه في شيء من العالم.
حسنٌ لنا أن يعاكسنا الناس أحياناً، وأن يظنوا فينا السوء والنقص - وان كانت أعمالنا ونيّاتنا صالحة - ؛ فكثيراً ما يعود علينا ذلك
بالخير، لحفظ التواضع، والوقاية من المجد الباطل.
فإننا، إذا استحقرنا الناس في الخارج، ولم يحسنوا بنا الظن، فحينئذٍ نؤثر أن نتخذ لله شاھداً على دواخلنا.

-2 فعلى الإنسان إذن، أن يوطد نفسه في لله، بحيث لا تعود به حاجةٌ لالتماس كثيرٍ من التعزيات البشرية.
ان الرجل الصالح الإرادة، إذا حصل في ضيق أو تجربة، أو عني بالأفكار الشريرة، فحينئذٍ يدرك شدة احتياجه الى لله، ويرى أنه،
بدونه، لا يستطيع شيئاً من الصلاح.
وحينئذٍ أيضاً، يحزن ويئن ويتضرّع، لما أصابه من الشقاء.
.«[ ينحلّ فيكون مع المسيح[ 12 » ويتمنى دنو أجله، لكي ،«[ حينئذٍ يملّ طول الحياة[ 11 »
وحينئذٍ أيضاً، يدرك تمام الإدراك، انه لا يمكن أن تدوم في العالم طمأنينة كاملة، أو سلامٌ تام.


الفصل الثالث عشر
في مقاومة التجارب


-1 ما دمنا في ھذه الحياة، لا يمكن أن نخلو من الضيق والتجربة.
.«[ تجربة ھي حياة الانسان على الأرض[ 13 » : ولذلك قد كتب في سفر أيوب
يحول » فعلى كل واحدٍ أن يجعل ھمه في مجابھة تجاربه، وأن يسھر ويصلي، لئلا يجد ابليس موضعاً لإغوائه، فإنه لا ينعس أبداً، بل
.«[ ملتمساً من يفترسه[ 14
ما من أحد، أياً كان كماله وقداسته، إلا وتھاجمه التجارب أحياناً؛ فمن المحال أن نخلو منھا تماماً .
وتنقيه وتؤدبه.

2 على ان التجارب – وإن عنيفة مرھقة – كثيراً ما تكون جزيلة الفائدة للإنسان، لأنھا تذ ّ
فالقديسون جميعاً جازوا في المضايق والتجارب، فأفلحوا.
أما الذين لم يقووا على احتمال التجارب، فرذلوا وسقطوا.
ما من رھبنة، أياً كانت قداستھا، ولا موضعٍ، أياً كانت خلوته، إلا وھنا تجارب وشدائد.

-3 ما دام الإنسان في الحياة، فليس له تمام الأمن من التجارب، لأن مصدر تجاربنا ھو فينا، إذ نحن في الشھوة مولودون.
فإن بارحتنا تجربة أو شدّة، حلت مكانھا أخرى، وسيبقى لنا أبداً مضايق نعانيھا، لأن خير سعادتنا قد خسرناه.
كثيرون يطلبون الھرب من التجارب، فيقعون فيھا وقوعاً أشدّ.
بالھرب وحده لا نستطيع الغلبة، لكن الصبر والتواضع الحقيقي، يجعلاننا أقوى من جميع الأعداء.

-4 من لم يحد عن الشر إلا في الخارج فقط، دون أن يقتلعه من أصوله، فقلما يتقدّم، بل سرعان ما تعاوده التجارب، فتزداد حاله سوءاً.
الغلبة بالتمھل والصبر وطول الأناة، أيسرُ عليك منھا بالقسوة واللجاجة.
أكثر من طلب المشورة إبان التجربة، ولا تعامل بقسوةٍ من كان مجرباً، بل عزّه كما تودّ أن يصنع لك.
، فكما أن السفينة التي بلا دفة، تتقاذفھا الأمواج من كل جھة، كذلك الانسان 􀍿 -5 أول جميع التجارب الشريرة، تقلب النفس وقلة الثقة با
المتراخي، الناكصعن قصده، يمتحن بتجارب مختلفة.
والتجربة الرجل الصدّيق. ،«[ النار تمتحن الحديد[ 15 »
كثيراً ما تجھل مقدار قوّتنا، لكن التجربة تظھر ما نحن عليه.
بيد ان السھر واجبٌ خصوصاً في أول التجربة، لأن العدوّ يغلب بسھولة أكبر، إذا منعناه منعاً باتاً عن ولوج باب النفس، وبادرنا، حال
قرعه له، نلاقيه خارج العتبة.
.«[ قاوم الداء في أوله، لئلا يزمن بتأخر الدواء[ 16 » : وقد قال أحدھم في ذلك
ففي البدء يخطر على البال فكرٌ بسيط، ثم تصوّرٌ قوي، ثم اللذة، فالحركة الرديئة، فالرضى.
وھكذا يتغلغل العدوُّ الخبيث، تدريجاً، الى النفس كلھا، إن لم يردّ من أول أمره.
وبقدر ما يتأخر المرء ويتوانى في المقاومة، يزداد كل يوم ضعفاً في نفسه، فيما عدوّه يزداد قوة عليه.

-6 إن بعضاً يقاسون أشدّ التجارب في بدء اھتدائھم، وبعضاً في النھاية، وغيرھم لا تكاد المحن تفارقھم، حياتھم كلھا.
وھناك أيضاً من يجرّبون برفق، على حسب الحكمة والعدل في ترتيب لله، الذي يروز أحوال البشر واستحقاقاتھم، ويسبق فيدبّر كل
شيء لخلاصمختاريه.

-7 ولذلك ينبغي أن لا نيأس عند التجربة، بل نتضرّع الى لله بحرارةٍ أعظم، ليرتضي ويساعدنا في كل ضيقة، فإنه، حقاً، على حدّ ما
.«[ يجعل مع التجربة مخرجاً، لنستطيع احتمالھا[ 17 » ، يقول بولس
.«[ يخلص ويرفع المتواضعين بالروح[ 19 » في كل تجربة وضيق، لأنه «[ فلنتضع إذن تحت يد لله[ 18 »

-8 في التجارب والمضايق يختبر كم تقدّم الإنسان، وفيھا يعظم استحقاقه، وتتضح فضيلته بجلاء أوفر.
ًً

ليس بعظيم أن يكون الانسان متعبّداً حاراً، ما دام لا يشعر بعناء؛ لكنه إن ثبت على الصبر في أوان الشدّة، فله الأمل بتقدّم عظيم.
من الناس من يصانون من التجارب الكبيرة، وھم كثيراً ما يغلبون في التجارب الصغيرة اليومية، وذلك لكي يتضعوا، فلا يثقوا بأنفسھم
في الأمور الخطيرة، حال كونھم يضعفون عن أمورٍ طفيفةٍ جداً .


الفصل الرابع عشر
في اجتناب الدينونة الباطلة


-1 حول عينيك الى نفسك، واحذر أن تدين أفعال الآخرين.
عبثاً يتعب الإنسان بدينونته الآخرين، وكثيراً ما يضلّ، وما أسھل ما يخطأ !
أما إذا دان نفسه وناقشھا، فتعبه يكون أبداً مثمراً.
كثيراً ما نحكم في الأمور، بحسب قلبنا منھا؛ وما أسھل ما نفقد الحكم الصوابي، بسبب حبنا لذواتنا !
لو كان لله، دائماً، الغاية الخالصة لأمانينا، لما كنا نضطرب بمثل ھذه السھولة، إذا قاوم أحدٌ رأينا.

-2 ولكن ما يحملنا على العمل، ھو، في الغالب، دافعٌ خفيٌ في داخلنا، أو جاذبٌ يأتينا من الخارج أيضاً.
كثيرون يطلبون أنفسھم سراً في أعمالھم، وھم لا يعلمون.
لا بل يبدون موطدين في سلامٍ حقيقي، ما دامت الأمور تجري وفق إرادتھم ورأيھم.
فإذا حدث أمرٌ على خلاف ما يشتھون، اضطربوا في الحال واكتأبوا.
ان اختلاف الآراء والأفكار، ھو الذي كثيراً ما يوّلد الخصومات بين الأصدقاء، وبين المواطنين، بل بين الرھبان وأھل العبادة.

-3 العادة القديمة تترك بصعوبة، وما من أحد يرضى بالانقياد لما يتجاوز مدى نظره.
ان اعتمدت على عقلك ودھائك، أكثر من اعتمادك على قوة يسوع المسيح القاھرة، فقلما تبلغ الاستنارة – وان بلغتھا، فبعد الأوان –
لأن لله يريد أن نخضع له خضوعاً كاملاً، وأن نتعالى فوق كل عقلٍ باضطرام الحب.


الفصل الخامس عشر
في الأعمال الصادرة عن المحبة


-1 لا يجوز أبداً فعل شيءٍ من الشرّ، لأي علة كانت، ولا حباً لأيّ أحد من الناس.
على أنه يسوغ أحياناً، لأجل فائدة المحتاج، أن يرجأ العمل الصالح، أو يبدل بعملٍ أفضل ؛
إذ بذلك لا ينقض العمل الصالح، بل يبدّل بما ھو خيرّ منه.
العمل الخارجي، بدون محبة، لا يفيد شيئاً، أما ما يعمل عن محبة، فمھما صغر وحقر، فإنه بجملته يصبح مثمراً ؛
لأن لله يقدر الباعث على العمل، أكثر من العمل نفسه.

-2 أنه ليعمل كثيراً، من يحب كثيراً.
أنه ليعمل كثيراً، ذاك الذي يحسن عمله ؛

وأنه ليحسن العمل، ذاك الذي يقدم خير الجمھور، على إرادته الذاتية.
كثيراً ما يبدو لنا عمل محبة، ما ھو بالحريّ وليد الشھوة؛ فإن أعمالنا قلما تخلو من الميل الطبيعي، والإرادة الشخصية، وأمل المكافأة،
والطمع في المنفعة.

-3 من كانت فيه المحبة الحقيقية الكاملة، لا يطلب نفسه في أمر البتة، بل رغبته الوحيدة، أن يتمجّد لله في كل شيء.
وھو لا يحسد أحداً، لأنه لا يحب أن يختصنفسه بفرحٍ ما، أو يجعل فرحه في ذاته؛ بل ما يتوق اليه، إنما ھو التنعم في لله، فوق جميع
الخيرات.
لا ينسب من الصلاح شيئاً لأحد، بل يعيد كل شيء الى أصله وينبوعه، الى لله الذي ھو غاية القديسين جميعھم، وراحتھم ونعيمھم.
آه ! من كانت فيه شرارةٌ من المحبة الحقة، فإنه يشعر، دون ما ارتياب، أن جميع الأرضيات ملأئ من الباطل.

 

الفصل السادس عشر
في احتمال نقائص الآخرين


-1 ما لا يقو الإنسان على إصلاحه، في نفسه أو في غيره، فعليه أن يحتمله بصبر، ريثما يدبّر لله خلاف ذلك.
فكر أنّ ھذا قد يكون خيراً لك، لامتحانك في الصبر، إذ ليس لاستحقاقاتنا، بدون الصبر، كبير قيمة.
ولكن عليك أن تتضرّع الى لله بشأن تلك العوائق، ليتنازل ويساعدك، فتستطيع أن تحتملھا بوداعة.

-2 إذا نصحت لأحدٍ مرةً أو مرتين، ولم ينتصح، فلا تخاصمه، بل فوّضكل شيء الى لله، لتتم إرادته، ويبدو مجده في جميع عباده، فإنه
يعرف جيداً أن يحوّل الشر الى خير.
كانت؛ فإن فيك، أنت أيضاً، عيوباً كثيرة، يجب على الآخرين احتمالھا. ◌َ اجتھد أن تحتمل بصبر نقائص الآخرين وأوھانھم، أياً
ان كنت لا تقدر أن تجعل نفسك كما تريد، فكيف يمكنك أن تجعل الآخرين وفق مرامك؟
يجب أن يكون الآخرون بلا نقص؛ أما نحن، فلا نصلح عيوبنا الخاصة !

-3 نريد أن يؤدب الآخرون بشدة، أما نحن، فنأبى التأديب !
يسوءنا ما للآخرين من حرية واسعة ؛ أما نحن، فنأبى أن يرفض لنا ما نطلب !
نريد أن يتقيّد الآخرون بالقوانين، أما نحن، فلا نحتمل أن يضيّق علينا بشيء البتة !
وھكذا يتضح جلياً، أننا قلما نكيل بالمكيال عينه، لأنفسنا وللقريب.
لو كان الجميع كاملين، إذن فأيّ شيء كنا نحتمل من قبل الآخرين، لأجل لله ؟
؛«[ نحمل بعضنا أثقال بعض[ 20 »

-4 أما الآن، فقد دبّر لله الأمور على ھذا النحو، لكي نتعلم أن
إذ لا أحد بغير نقص، ولا أحد بغير ثقل ؛ ليس لأحد كفايةٌ بنفسه، ولا أحد في غنى عن حكمة الآخرين، بل ينبغي لنا أن نحتمل بعضنا
بعضاً، ونعزي بعضنا بعضاً، وأن يساعد أحدنا الآخر، ويرشده وينصح له.
فمقدار فضيلة المرء، إنما يتضح بجلاء عند الشدّة،
لأن ھذه الفرص لا توھن الإنسان، بل تظھره كما ھو.


الفصل السابع عشر
في السيرة الرھبانية



-1 عليك أن تتعلم قمع نفسك في أمور كثيرة، إن ابتغيت حفظ السلام والوئام مع الآخرين. ليس باليسير الإقامة في دير أو في جماعة
رھبانية، والعيش ھناك من غير لوم، والثبات على الوفاء حتى الموت.
طوبى لمن عاش ھناك عيشةً صالحة، وختمھا بنھايةٍ سعيدة !
إن شئت أن تثبت وتتقدّم كما ينبغي في ھذه السيرة، فاحسب نفسك منفياً وغريباً على الأرض.
إن شئت أن تعيش العيشة الرھبانية، فعليك أن تصبح جاھلاً من أجل المسيح.

-2 الثوب الرھبانيّ، وإكليل شعر الرأس، قلما يفيدان؛ لكن تغيير السيرة، وإماتة الأھواء إماتة كاملة، ھما اللذان يجعلان الراھب راھباً
حقاً.
من طلب شيئاً آخر سوى لله وخلاصنفسه، فلن يجد غير الضيق والوجع.
ومن لا يجتھد أن يكون أصغر الجميع وخاضعاً للجميع، فلا يستطيع البقاء طويلاً في السلام.

-3 أنت ما جئت الى الدير إلا لكي تخدم، لا لكي تحكم.
واعلم انك للألم والعمل قد دعيت، لا للبطالة والثرثرة.
فھنا يمحّص الناس، تمحيص الذھب في الكور؛
ھنا ما من أحدٍ يستطيع الثبات، إلا إذا رضي أن يخضع من كل قلبه، لأجل لله.

الفصل الثامن عشر
في قدوة الآباء القديسين


-1 اعتبر قدوة الآباء القديسين الحية، الذي تلألأ فيھم الكمال والسيرة الرھبانية الحقة، تر كم ھو قليل ما نفعله نحن، حتى كأنه لا شيء.
آه ! ما حياتنا إذا قيست بحياتھم ؟
إن القديسين وأحباء المسيح، قد خدموا الرب في الجوع والعطش، في البرد والعرّي، في التعب والكد، في الأسھار والأصوام، في
الصلوات والتأملات المقدّسة، في الاضطھادات والتعييرات الكثيرة.

-2 آه ! ما أكثر وأشدّ المضايق، التي قاساھا الرسل والشھداء، والمعترفون والعذارى، وسائر الذين أرادوا أن يقتفوا آثار المسيح !
.«[ فإنھم قد أبغضوا نفوسھم في ھذا العالم، ليحفظوھا للحياة الأبدية[ 21 »
آه ! ما أضيق وأقشف العيشة التي عاشھا الآباء القديسون في القفر ! ما أطول وأشدّ ما قاسوا من التجارب !
من الصلوات ! 􀍿 ما أكثر ما ضايقھم العدوّ ! ما أوفر وأحرّ ما قدّموا
ما أشدّ ما كان إمساكھم ! ما أعظم ما كانت غيرتھم ونشاطھم للتقدّم الروحي !
ما أشدّ ما كان جھادھم في قھر الرذائل ! ما أخلص وأقوم ما كان توجيه نيتھم الى لله!
في النھار كانوا يشتغلون، وفي الليل يتفرغون للتھجد الطويل، وإن لم يكونوا ليكفوا عن الصلاة العقلية أثناء العمل.
، كانت تبدو لھم قصيرة؛ ولعذوبة المشاھدة، كانوا ينسون حتى 􀍿

 -3 لقد كانوا يقضون وقتھم كله في ما ھو نافع؛ وكل ساعةٍ يتفرغون فيھا
ضرورة القوت الجسدي.
لقد زھدوا في جميع الثروات والرتب والكرامات، وفي الأصدقاء والأقارب، ولم يشتھوا امتلاك شيءٍ في العالم؛ وبالجھد كانوا
يتناولون ضروريات المعيشة، بل كانوا يغتمّون لخدمة الجسد، حتى في ضرورياته.
لقد كانوا فقراء في الأرضيات، ولكن أغنياء جداً في النعمة والفضائل.
لقد كانوا، بالظاھر، في عوز، أما في الداخل، فنعمة لله وتعزيته كانتا تنعشانھم.

-4 كانوا غرباء عن العالم، ولكن مقرّبين الى لله، وأصدقاء له مؤالفين. كانوا في أعين أنفسھم كلا شيء، وفي نظر العالم محتقرين؛ أما في عيني لله، فكانوا كراماً ومحبوبين.
كانوا ثابتين في التواضع الحقيقي، عائشين في الطاعة الساذجة، سالكين في المحبة والصبر، فكانوا يتقدّمون كل يومٍ بالروح، وينالون حظوة عظيمة لدى لله. لقد اعطوا كقدوة لجميع الرھبان، ومن الواجب أن تستحثنا سيرتھم على التقدّم في الكمال، أكثر مما أن يستدرجنا الى التراخي عدد الفاترين.

-5 ما أعظم ما كانت حرارة جميع الرھبان، عند تأسيس رھبانيتھم المقدسة !
ما أعظم ما كان ميلھم الى الصلاة، وتنافسھم في الفضيلة ! ما أدق ما كان حفظھم للنظام ! كم ازدھر احترامھم وطاعتھم، في كل شيء
لقانون معلمھم !
إن ما بقي من آثارھم يشھد الى الآن، أنھم كانوا، في الحقيقة، رجالاً قديسين كاملين، جاھدوا بيأس عظيم، فداسوا العالم بأرجلھم.
أما الآن، فيحسب عظيماً من لا يتعدّى القوانين، ومن يستطيع أن يحتمل، بصبر، النير الذي قد رضي به من قبل.

-6 يا لفتورنا وتوانينا ! يا لسرعة انحطاطنا عن حرارتنا الأولى ! فقد أصبح العيش نفسه لنا سأماً، لكسلنا وفتورنا !
أما أنتَ، فبعد ما رأيت من قدوة ذوي الورع الكثيرة، فعسى أن لا ترقد فيك تماماً، الغيرة على التقدّم في الفضائل !

الفصل التاسع عشر
في رياضات الراھب الصالح


-1 لا بدّ للراھب الصالح، من أن تكون حياته غنية بجميع الفضائل، حتى يكون في داخله، على ما يظھر للناس في الخارج.
بل يجب أن يكون، في داخله، أكمل بكثير مما يرى عليه في الخارج، لأن رقيبنا ھو لله، الذي من واجبنا، أينما كنا، أن نحترمه احتراماً
عظيماً، ونسلك أمامه بطھارة كالملائكة.
علينا أن نجدد العزم كل يوم، وأن نستحث أنفسنا على النشاط، كما لو كان اليوم بدء اھتدائنا، ولنقل:
أيھا الرب الاله، أعني في عزمي الصالح، وفي خدمتك المقدسة، وامنحني أن أبدأ اليوم كما ينبغي، لأن ما فعلته الى الآن ليس بشيء.

-2 على حسب عزمنا يكون مدى تقدّمنا، فلا بدّ من عظيم الھمة لمن أراد حسن التقدّم.
وإن كان شديد العزم كثيراً ما يخفق، فكيف بواھي العزم أو بنادره ؟
غير أن ھناك طرقاً مختلفة، نتراجع بھا عن عزمنا؛ فإھمال طفيفُ في رياضاتنا لا يكاد يمرُّ من غير ضرر.
بنعمة لله ينوط الصديقون عزمھم، أكثر مما بحكمتھم الخاصة، وھم على لله يتوكلون دائماً في كل ما يباشرون.
.«[ وطريق الإنسان ليست في يده[ 23 » ، «[ فالقصد للانسان، أما التدبير فلله[ 22 »

-3 إذا تركنا، في بعض الأحيان، شيئاً من الرياضات الاعتيادية، لأجل عمل برٍ أو لأجل منفعة الإخوة، فمن السھل أن نعوّضعنه في ما
بعد.
أما إذا تساھلنا في تركه عن سأم نفسٍ أو تھاون، فذلك ذنب جسيم، سوف نرى وخيم عاقبته.
إنّا، وإن عملنا كل ما في وسعنا، لا نزال نخفق بسھولة، وفي أمورٍ كثيرة.
بيد أنه يجب علينا دوماً أن نقصد قصداً معيّناً، ولا سيما في الأمور التي تعوقنا بالأكثر.
علينا أن نفحص ونرّتب خارجنا وداخلنا على السواء، لأن في كليھما فائدة لتقدّمنا.

-4 إن لم تستطع الاختلاء في نفسك على وجهٍ متواصل، فليكن ذلك، على القليل، بين حين وآخر، وعلى الأقل مرةً في اليوم، أي في
الصباح أو المساء.
ففي الصباح اقصد مقاصدك، وفي المساء افحص سلوكك: ما كانت اليوم أقوالك وأفعالك وأفكارك ؟ فلعلك قد أسأت بھا الى لله
والقريب، مراراً كثيرة. إزاء المكايد الشيطانية. «[ تنطّق وكن رجلا[ 24 » إكبح الحنجرة، يسھل عليك كبح كل ميل جسدي. لا تكن أبداً عاطلاً من كل عمل، بل دائماً مشتغلاً في قراءة أو كتابة، أو صلاةٍ أو تأمل، أو عملٍ آخر مفيدٍ للجمھور.
أما الرياضات الجسدية، فتجب مزاولتھا بتمييز، وليس للجميع أن يمارسوھا على السواء.

-5 لا تظھر، الى الخارج، شعائر عبادةٍ ليست للجمھور؛ بل ما كان خصوصياً، فالآمن أن يتمم في الخفية.
ولكن إياك والتكاسل عن الرياضات الجمھورية، قصد الاقبال، بنشاطٍ أوفر، على عباداتك الفردية.
أما إذا أتممت، بدقةٍ وأمانة، كل ما ھو واجبٌ ومفروضٌعليك، ثم تبقّى لك شيء من الوقت، فاستسلم لما ترغب فيه نفسك من العبادة.
لا يمكن الجميع أن يمارسوا الرياضات عينھا، بل منھا ما ھو أكثر ملاءمة لھذا، ومنھا ما ھو أكثر مناسبة لذاك.
بل يستحب تنويع الرياضات بحسب الأوقات : فمنھا ما يفضل في الأعياد، ومنھا ما يؤثر في أيام العمل؛ ومنھا ما نحتاج اليه إبان
التجربة، ومنھا ما يلزمنا وقت السلام والراحة.
وما يلذ لنا التفكر به وقت الحزن، ھو غير ما يروقنا حين نفرح في الرّب.

-6 علينا، بمناسبة الأعياد الھامة، أن نجدّد رياضاتنا الصالحة، ونلتمس شفاعة القديسين، بحرارةٍ أعظم.
وعلينا، بين عيدٍ وآخر، أن نقصد مقاصدنا كما لو كنا راحلين، عما قريب، من ھذا العالم، لنبلغ الى العيد الأبدي.
ومن ثم، علينا أن نستعدّ باھتمام، في أيام التعبد ھذه، ونسلك بنشاطٍ أعظم، ونحافظ على جميع الفرائض بدقةٍ أشدّ، كأننا مزمعون أن
نقبل، عما قليلٍ، من لله، جزاء تعبنا.
في الأجل الذي ،«[ المجد العظيم، الذي سيتجلى فينا[ 25 » -7 فإن مدّ في أجلنا، فلنعتقد أن استعدادنا غير كافٍ، وأننا بعد غير أھلٍ لذلك
سبق لله فحدّده، ولنجتھد أن نحسن استعدادنا للخروج من ھذا العالم. يقول لوقا البشير :  طوبى للعبد الذي، إذا وافى سيده، وجده ساھراً ! في الحقيقة أقول لكم: إنه يقيمه على جميع امواله  .. [/b]

Timothy:
ألف شكر على هذا الكتاب الثمين؛ هو من أمتع الكتب التي قراتها في حياتي المسيحية؛ وكنت أضعه دوماً بجوار السرير وسعدت لما اشتريت منه نسخة عربية مترجمة عن اللاتينية وصادرة عن دار المشرق. شكراً لتعبك وإفادتنا هنا.

تصفح

[0] فهرس الرسائل

[#] الصفحة التالية

الذهاب الى النسخة الكاملة