المنتدى الثقافي > دراسات، نقد وإصدارات

محنة ثقافة مزورة - قراءة في كتاب الصادق النيهوم

(1/1)

Kamil Alsaadon:
محنة ثقافة مزورة - قراءة في كتاب الصادق النيهوم


كامل السعدون

في كتابه الرائع الجميل ( صوت الناس - قراءة في ثقافة مزورة ) ، يتحدث المفكر الليبي المعروف صادق النيهوم عن الإسلام والجامع والمسجد ويسقط على كل مصطلح ما يراه مناسبا له من وجهة نظره لا من واقع الحال وما كان حقا حاصلٌ في ذلك الحين .
الحقيقة ما أثارني في الفصل الأول من الكتاب أن الرجل عمد على إسقاط أمنياته وصوره الذهنية على تلك القراءة لهذا الواقع الذي لم يكن يخلو من الجمال والمثالية ولكنه كان على أية حال حافلا بالرعب ، رغم أن الفترة لم تكن تتجاوز الأربعة وعشرون عاما لا أكثر ( أي ما يقل بكثير عن فترة حكم العقيد القذافي أو المقبور صدام حسين ) ، وقد أقتسمها أربعة رجال كرام قتل ثلاثة منهم في صراعات داخلية ومات واحدٌ حسب على سريره وهو أبا بكر ( رض ) .
ومع ذلك يتغنى الرجل بتلك الفترة كما يفعل الكثيرون حتى يومنا هذا دونما وعي لحقيقة ما كان يحصل وكيف كانت تسير الأمور وكم هو حجم الكراهية والبغض بين الفرقاء القرشيون من بنو أمية وبنو هاشم .
المهم ... يفترض السيد الناهوم وهو يعرّف فريضة الجهاد ، أنها عملية إختيار طوعي من الناس للجهاد ، منزه من أي غرض غير مرضاة الله ونصره على أعداءه ، وهذا غير صحيح لأنه لولا ما أقنع الناس به من أن هذه هي إرادة الله حقا وأن منْ يُقتل سيكافيء بالجنة التي فيها ما ليس في الأرض من نعم خيالية لا حدود لسعتها وتنوعها ( بما في ذلك محرمات الدنيا التي تغدو حلالا في الآخرة ) ، لولا هذا ما قاتل الناس أبدا ، فهم على الأقل يمكن أن يؤمنوا بأن الله لو شاء أن يقتل الناس جميعا لقتلهم ( برفسة واحدة ) ، ولكنها قوة الإغراء في تلك الصور الجميلة التي كان يرسمها محمد وأتباعه للناس هي ما كان يدفعهم للموت العاجل ، تماما كما يفعل حثالات الوهابية الآن في بلدنا تحت وهم الجنة والهرب من جحيم هذا الدنيا التي لا يجرؤون فيها على إثبات وجودهم وإقناع الآخرين بقناعاتهم المريضة .
إنه التخدير المتقن غاية الإتقان والمثالية الجميلة التي لم تصطدم بعد بالواقع الأكثر تعقيدا .
ثانيا : يفترض السيد الناهوم أن تحريم الربا فريضة تتطلب أن تسيطر الجماعة إداريا على حركة رأس المال وهذا لا يصح إلا في أن تكون الجماعة نفسها هي صاحبة الإدارة وصاحبة الحساب المصرفي الجماعي الموحد ( إذا أردنا التعكز على مصطلحات العصر الحديث ) .
أي أنه يعني رأسمالية الدولة ما قبل الإقطاعية .
علما بأن رأسمال الدولة أو هذه الإدارة الجماعية التي يتوهمها السيد النيهوم ، كانت في الأصل قائمة على إستثمار غير إنتاجي ( وغير شرعي في الميزان الأخلاقي على الأقل )  ، فالدولة كانت تتاجر بالعبيد وتأخذ من الجاليات والطوائف الأخرى دية حمايتهم في حين أن الدولة العادلة المثالية يفترض أنها لا تأخذ دية البريء مقابل أن لا تقتله ، فهذا ظلم لا يمكن أن يرضاه الله أو يقبله أي دين .
أما الوارد الثاني للدولة الرأسمالية الصحراوية التي أقيمت في مكة ثم تمددت إلى كل الجزيرة ، فهو ما يأتي من أسلاب وغنائم المهزومين في الحروب ، فأما النساء والولدان فيباعون في أسواق الرقيق وأما الأموال والبيوت فتذهب إلى بيت مال المسلمين ، طيب أين هي الثروات الرأسمالية الإنتاجية التي أصلها حلال وبالتالي يمكن أن يكون الربا فيها حرام .
أما وهم سيطرة الجماعة إداريا على حركة رأس المال ( رأس المال الريعي المتأتي من الخراج والغزو ) فهذا أيضا لا صحة له على الإطلاق حتى في زمن محمد ذاته فكيف بأيام الراشدين في الربع قرن اللاحق لوفاة الرجل .
في أيامه كان يقوم بتوزيع الأرباح والغنائم بحيث يحتفظ لنفسه بالخمس ويمنح قريش السهم الأكبر ويوزع بقية السهام على بقية القبائل المتحالفة مع قريش ، وما كان لأحد أن يعترض أبدا .
أما ذاك الذي حصل عقب وفاته فحدث ولا حرج فقد بُطش بإبنته من قبل أول خلفاءه الذي طردها إذ جاءته تطالب بميراث أبيها ، وماتت المرأة كمدا بعد ستة أشهر من وفاة أبيها ، دون أن يتبرع واحٌد من اولئك المشاركون بالقيادة الجماعية الموهومة للقيام بمهمة تطييب خاطرها على الأقل إكراما لأبيها الذي أورثهم هذه الدولة العريضة الفسيحة .
أما ما حصل في خلافة عثمان فحدث ولا حرج إذ أنه فتح الباب لأمية وأغلقه على هاشم وكل العرب الآخرون حتى أنتهى الأمر بمقتله من قبل أقرب الناس إليه وهم أبناء الراشدون الذين خلفهم على السلطة .
أما فترة علي فكانت أربع سنوات من الفتنة والحرب الأهلية إنتهت بمقتل الرجل وإثنان أو ثلاثة من زملاءه المبشرون بالجنة ، بينما تمت تصفية أبناء الراشدون والصحابة واحدا إثر الآخر في إغتيالات ومؤامرات لم تنتهي حتى بعد أن أنتهت الخلافة والعصر الإسلامي كله وتحول دولة الشريعة إلى دولة براجماتية عروبية شبه علمانية ، ولها وحدها الفضل على العرب إذ أخرجتهم من المحلية إلى العالمية كأمة متحضرة متقدمة قابلة للعيش وقيادة حركة التاريخ في كل المجالات الإنسانية .
أذكر في هذا المقام حيرة عمر بن العاص وهو معتكف في ضيعة أنيقة له في فلسطين ، إذ كان حائرا بين خيارين أحلاهما مرّ إلا وهما الوقوف مع واحد من إثنين كانا على وشك تصفية بعضهما ، أي علي  ومعاوية .
إستشار ولديه فقال له أحدهما ... أبتي إختر عليا وقف معه أما الثاني فقال له لا يا أبتي عليك بمعاوية فأنجده وقف معه  ، تفكر برهة ثم قال أنت تريد لي الآخرة وأخاك يريد لي الدنيا ، ثم أنعطف على خادمه  وكان إسمه ( وردان ) فسأله فأجابه هذا  :
يا سيدي ..  الآخرة مع علي والدنيا مع معاوية وما أظنك إلا مختار للدنيا  .
تبسم بن العاص وقال :
يا قاتل الله وردانا وقدحته                   أبدى لعمري ما في النفس وردانا
وتوجه من ساعته إلى معاوية .
مثالية الإسلام لم تستطع أن تخلق دولة حقيقية ، ولم ينجح في إقامة هذه الدولة إلا من كانوا سياسيين براجماتيين واقعيين لا يأبهون بترهات الجنة ولا يتوهمون القداسة أو الحاكمية لربٍ قصي في السماوات العلى  .

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
_______________________

يفسر لنا السيد النيهوم مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيقول أن معناه إداريا أن يشارك المسلم في صياغة القوانين ، لأن القوانين هي صاحبة الأمر والنهي وهي وحدها مصدر المعروف والمنكر معا ، ثم يتوصل إلى فكرة أن هذا جميعه كان يحصل في الجامع لأن الجامع كان دار الندوة والتثقيف والقضاء والمؤتمر العام للناس لا فرق بين عبيدهم وسادتهم لا بل ويقول أن كل من كان في المدينة من مواطني الدولة بما فيهم غير المسلمين كانوا يجتمعون في الجامع .
وهذا غير صحيح على الإطلاق ولم نسمع بإجتماع حصل في جامع وضم يهود ومجوس ومسيحيون مع قيادات المسلمين ومن أجل الإفتاء وتسيير أمور الدولة ، فقد حرم الإسلام على غير المسلم أن يدخل الجامع الإسلامي هذا اولا والأمر الثاني أنه لم يكن ممكنا لمسيحيو ويهود مكة والمدينة أن يظلوا في تلك المدن بعد أن أقرت قداستها وصارت محرمة عليهم ، بل وطوردوا في اليمن وفرضت عليهم الجزية في كل الأراضي التي كانت أراضيهم قبل مجيء الإسلام .
فمن أين يا ترى جاء هذا الوهم للمفكر النيهوم ؟
بل حتى العرب من غير قريش ، لقد حكم عليهم محمد بأن يكون الحكم في قريش إلى يوم الساعة وبالتالي لا أمل في أي منافسة سياسية ، وكل ما حصل لاحقا أن الناس أما أعتزلت الدين وأنشغلت بالدنيا أو إنها مالت صوب أحدى كفتي قريش المتنافستين ...  هاشم وأمية ... !
فأين هي الدولة الراشدة التي كانت تستمع للناس في الجامع وتحكم فيهم على ما يتفقون عليه جميعا أو غالبيتهم ... ؟
أما أدعاء الكاتب أن الإسلام لا يبطل بقية الأديان بل يتعايش معها ، فهذا نظريا حسب أما الواقع فهو أنه لم يجز غير الإسلام دينا ، ولم نسمع بحوار إلا بالسيف مع بقية الأديان الأخرى ، وطبعا لو لم تكن لدى هؤلاء الناس ما يدفعونه دوما للدولة من ضرائب باهظة على بقائهم على قيد الحياة في بيوتهم وأوطانهم لتمت تصفيتهم جميعا كما تمت تصفية عشرات الآلاف من المرتدين والخوارج وغيرهم .
لم يكن هناك إلا الخيارات الثلاثة ، الإسلام أو الموت أو الجزية ، وهذا هو الذي حصل حتى مقتل علي ومجيء الدولة الأموية العلمانية التي لم تعنى بالدين ولم تطبق أحكامه إلا رياءٍ ، ولو إنها صدقت في تدينها لما أمكن لها أن تنتشر وتكون واحدة من أعظم إمبراطوريات التاريخ وأكثرها حضارة ، ثم لتخلفها على الأمبراطورية شقيقتها القرشية من الفخذ الهاشمي التي حكمت زمنا أطول وكانت فيها بغداد الرشيد عاصمة الأمبراطورية وتاج العرب والمسلمين الأجمل والأعظم .
كانت أجمل وأرقى عصور العرب وأكثرها بهاء ، هي تلك الفترة التي أعقبت رحيل الراشدون الأربعة رحمهم الله ، تاركين الدولة الفسيحة للواقعيين شبه الليبراليين وشبه العلمانيين .
في تلك القرون حسب تعايش العرب بود بينهم ومع أشقائهم من مواطني الأمة والدولة من اليهود والمسيحيين والمجوس والغنوصيين والمعتزلة وغيرهم .
عموما ليس لنا إلا أن نقول لم يكن من بدٍ مما كان وهكذا هي حركة التاريخ والحياة والحليم من يتعظ ويتعلم ويهتدي بالتاريخ ويكون عادلا معه فلا يسقط عليه أوهامه وأحلامه .
لكن يبقى المفكر الليبي النيهوم عملاقا جميلا ونبقى نقلب في كتابه هذا في حلقات قادمة بإذن الله .



**********


تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة