المحرر موضوع: وأنـت يـا كـاهـن المسيـح ؟ ( رسالة موجَّهـة الى الكهنة في العراق وفي الخارج)  (زيارة 2658 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل الأب ألبير أبونا

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 5
    • مشاهدة الملف الشخصي
وأنـت  يـا  كـاهـن  المسيـح  ؟
( رسالة موجَّهـة الى الكهنة في العراق وفي الخارج)
................................................... 


المقـد مــة 
        نحن في السنة التي خصصتها الكنيسة  بالكهنوت وبالكهنة. وهي تدعو فيها جميـع كهنة العالم للالتزام بهويتهم  ورسالتهم  وأمانتهم تجاه الرب، على غرار أمانة المسيح تجاه ابيه  وتجاه البشـر. في هذه السنة،  نحن الكهنة -  بمختلف الدرجات - مدعوون لإعادة النظر في حياتنا، على ضوء الشؤون المستحدَثـة في العالم  ومتطلبات الكنيسة وإنسان العصر.  ولا يجوز لنا ان نظلَّ منغلقين  على أنفسنا  ونحيا في ماضٍ عتيق  لا يتجاوب مع أماني انسان اليوم، ولا يوفّر له ما يشبع اشواقَـه الانسانية  والروحيــة والعلميـة. 
     هناك سؤال طالما يراودني ويقضُّ مضجعـي ويثير فـيَّ الكثير من الأسى والقلـق: هل فقدَ  كهنوت  المسيح  قيمتَـه لدى العديد من كهنة اليوم؟  تقول الإحصائيات ان اكثر من 5000 كاهن تركوا الكهنوت منذ المجمع الفاتيكاني الثاني
 (1962 – 1968)، وهو المجمع المسكوني الحادي والعشرون  في الكنيسة الجامعة،  وقد عقده البابا الطوباوي يوحنا الثالث والعشرون، وختمه البابا الراحل بولس السادس. وكان مجمعًا لا مثيل له، فتح أبواب الكنيسة ونوافذها  على العالم كله، وقدّم للكنيسة آفاقـًا  جديدة من الحرية  الحقيقية  ومن الروح المسكونية الرامية  الى إعادة الوحدة المسيحية والداعية الى حياة جديدة  ينعشها روح المسيح  ويدفعها الى العالم.
     لماذا اذن ترك هذا العدد الكبير من الكهنة خدمتهم الكهنوتية وتخلّوا عن رسالتهم الرائعة، في حين ان العالم بأمسّ الحاجة الى الكهنة؟ هل انخدعوا في خياراتهم؟ وهل أحبطت خبراتهم الطويلة او القصيرة  أمانيَهم وطموحاتهم؟  او لعلَّ الكنيسة لم توفّر لهم ما كانوا ينتظرونه منها  من أساليب الحياة وكرامة  العيش  وطرق الرسالة   ووسائل الخدمة الكهنوتية ؟ اسئلة نطرحها على كنيسة الأمس واليوم؟ او هل كان اساس دعوتهم الكهنوتية واهيًا، او تهذيبهم الكنسي ناقصًا  او مبتورًا ؟  الم تكن هناك أمور عديدة  لم يكتشفوها إلا بعد ان فتحت الحرية الكنسية  امامهم أبوابًا جديدة؟
     مهما يكن من أمر،  فان الواقع مؤسف ويدعو الى القلق الشديد في شأن حياة الكنيسة ومستقبلها وفي شأن الكهنوت. فهل أضحى كهنوت المسيح غير مفهوم على أصالته، او ان الكنيسة لم تهتمَّ بكفاية بتوفير المستلزمات الضرورية للذين انخرطوا في هذا السلك المقدس، او انها لم تقدّم لكهنتها  المواكبة الانسانية والروحية الكافية التي تساعدهم  لاجتياز أزمات الحياة  الخطيرة بثقة ونجاح؟
     وهنا اوجّـه سؤالي الى الكنيسة بالعموم، ولاسيما الى كنيستي المشرقية العراقية: ألـم يحن الوقت لنتساءل  عن سبب النقص في الدعوات الكهنوتية. لقد أُغلقت بعض الكنائس في العاصمة بغداد نفسها،  ستُغلَق غيرُهـا  ما لم  تتدارك الكنيسة هذا الشرخ الخطر الذي يهدد حصنها المقدس بالانهيار، فتقوم  بإعادة النظر في تركيبتها وتجديد امور كثيرة فيها، قبل ان يفلت من يدها زمام  القيادة والتوجيـه ورعاية المؤمنيـن.

أخـي الكـاهــن!
             إني أوجّـه اليك هذه الكلمة الأخوية، ليس لصفة رسمية انتحلها ولا بدافع تدخّـل فضولـي  في شؤون لا تعنينـي. انا كاهن مثلك، وقد عشت الكهنوت  نحو ستين سنة، واختبرتُ حياة الخورنة والتعليم  والارشاد. وعلّمتني الحياة دروسًا كثيرة ونفيسة. وتعرضت ايضًا مثل معظمكم لأزمات انسانية وروحية وعاطفية عديدة كادت ان تقوّض  بنياني الكهنوتي، وربما ان بعضها  خلّف فـيَّ بصمات عميقة اعاني منها مدى الحياة. ...فلستُ قديسًأ  ولا نبيًا، بل أنا إنسان مثلك، مجبول من طينتك. ولكني دُعيتُ مثلك  للقيام بمهمة خاصة في الكنيسة. ومن خبرتي الطويلة استقي امورًا قد تفيدك وتفيد  اخوتي الكهنة الأحبـاء. فأرجو ألا تؤاخذوني على تطفّلي هذا، بل ان تأخذوا كلامي البسيط هذا والمتواضع مأخذ الجد وتعتبروه حافزًا لكم  على إعادة النظر في حياتكم ومواقفكم ورسالتكم وإخلاصكم في نقل البشرى السارة الى الشعب بمختلف فئاته. فشعبنا يتضوّر جوعًا ويتلظى عطشا الى كلام الله والى خبز الحياة. إنهم ينتظرون ذلك منا نحن كهنة المسيح. فأملي الا أزعجك، يا اخي الكاهن، بكلماتي الأخوية هذه النابعة من عمق محبتي لك  والرامية الى خيرك  وخير الذين  هم مودعون الـى عنايتك الأبوية.
     والآن أفسح المجال للرب يسوع  نفسه لكي يخاطب كـلاً منا ويقول لنا :

وأنت يا كاهنـي الحبيـب
           اقول لك اليوم ما قلته يومًا لرسلي: "لم تختاروني أنتـم، بل انا اخترتكم وأقمتكم لتذهبوا فتثمروا ويبقى ثمركم"
(يوحنا 15:16). وسبقتُ وأعلنت لهم: "لقد دعوتكم أحبائي" ( يو 15:15). فأنا اليوم، يا كاهني الحبيب، أريد ان اوجّـه اليك هذا الكلام  المتدفق من قلبي، لكي أجدّد لك صداقتي ومحبتي والتزامي بك في مسيرتك على خطاي  فـي درب  التضحية والخلاص.

مــن  أنـت؟
         أنت إنسان  مثل سائر البشر. أبصرتَ النور في حضن أسرة  قد لا تكون مثالا للصلاح  والاستقامة والنبل. وربما عاشرت  في صباك وشبابك رفاقًا تعلمت منهم  الكثير من الأمور الحسنة، وربما من السيئة ايضًا. هـذه سُنّـة الحياة! وذات يوم سمعتَ نداءً يدعوك  الى حياة جديدة، حياة الخير والمحبة. وربما تكررت نداءاتي واصبحت مُلحّـة  بحيث انها حملتك  على التجاوب والتلبيـة.

مــن  اختـارك؟
           انا اخترتك منذ تكوينك، وقلت لك ما قلته سابقًا لأرميا النبي: " قبل ان أصوّرك  في البطن اخترتك، وقبل ان تخرج من الرحم  كرّستُك وجعلتك نبيًا للأمم ... فلا تخف من مواجهة أحـد، فأنا معك لأنقذك" (ارميا 1 : 5 ، 8). لم اخترك لسواد عينيك، او لصفات خارقة  قد لا تتوفر فيك. ولم اخترك لِـما فيك  من المؤهلات الحسنة والإمكانات العظيمة التي تتيح لك القيام  بالرسالة التي أنيطها بك. اختياري لك هو بمحض محبتي  وحريتي  وبمجانية مطلقة. إنما اختياري هو الذي خلق  ويخلق فيك ما يتيح لك القيام بالمهمة التي عهدتُ بها اليك. فأنا لا احمّل أحدًا فوق طاقته. واذا ما طلبت منك شيئًا، فذلك يعني  اني أزوّدك  بما يوفّر لك  امكانية تحقيق ما اريده منك.
ولمـاذا أنـت  بالـذات؟
        لا شك ان خياراتي لا تستند الى اعتبارات بشرية ولا الى مصالح أنانية. خياراتي حـرّة  تصدر من نبع المحبة السبّاقـة، ولا شيء يضطرني الى إجرائها سوى المحبة،  والمحبة وحدهـا. فلأني أحببتك حبًا خاصًا، دعوتك لتكون صديقًا لي  تتعاون معي في نشر ملكوتي على الأرض ومواصلة رسالتي في العالم .... ربما كان في قريتك او مدينتك  شباب أفضل منك جمالاً وذكاءً وصلاحـًا وطيبـة. ولكني اخترتك انت دون غيرك! فكم يجب ان تكون لي شاكرًا على هبة المحبـة التفضيليـة  التي غمرتك بهـا!

وكيـف جاوبتَ علـى ندائـي ؟
           هل جاء جوابك نتيجة ضغوط  أتتك من الأقارب، او من خوري الرعية او من أناس أثروا فيك؟  فلبيت النداء، ربما بغير حماس وقناعة عميقـة، او ربما بدون ان تحيط  علمًا بماهية هذه الدعوة  وبمقتضياتها الكثيرة والصعبة، او ربما نظرت الى هذه الدعوة في مظاهرها  الخارجية  التي رأيتها متجسدة في كاهن رعيتك  او في كهنة آخرين : الثوب الأسود الأنيق، اممارسات الدينية، الترؤس في الاحتفالات، وقيادة الشعب المسيحي، والاحترام الذي يحظى به الكاهن في المجتمع المسيحي، الخ ... هذه كلها ، والحق يُقال، امور حسنة، على ألا يتوقف المرء عندها وينسى الأهمَّ منها في الدعوة الكهنوتية التي تتطلب تلبية تامة  لنداء الرب، مع كل ما تتضمنه هذه التلبية  من العطاء والتضحية والسخاء ونكران الذات  والتفرّغ التام للخدمـة، الخ ....

وكيـف أمضيـتَ  فتـرة الاستعـداد ؟
         لابد انك ذهبت الى احد المعاهد الكهنوتية. وهناك عكفت على دراسة اللغات والعلوم، ثم الفلسفة واللاهوت  وغيرها من العلوم الكنسية الضرورية للخدمة الكهنوتية ولنقل البشرى السارة الى الشعب. وربما ان المعهد لم يوفّر لك الاساتذة الكفوئين لإشباع أشواقك الى تلقي المزيد من العلوم  التي تهيئك لهذه الرسالة السامية. وربما لم تلقَ هناك مواكبة روحية  في شخص مرشد روحي او لدى معلميك واخوتك  طلاب الكهنوت، فأمضيت هذه المدة الطويلة  وانت تتضوّر جوعًا الى تلقي المزيد من التعاليم التي تقودك اليّ، وتجعلك تحيا لي وبي، وتسعى لكي يكون كل يوم في المعهد  نداءً جديدًا يأتيك منـي، وجوابًا سخيًا يثيره فيك. لابد انك تحققت من ان الدروس  والمعلومات التي تُلقى عليك  ليست لشحن عقلك وذاكرتك  بأمور قد تحتاج اليها في حياتك اللاحقة. الويل للعلم الذي لا يؤول الى المحبة. فهل كانت العلوم الكنسية لك طريقًا  الى المسيح والى تبنّي رسالته. ألم يتخلل الأيامَ التي عشتها في المعهد  الكثيُر من الأوهام والكسل، والكثير من ضياع الوقت في أمور جانبية  بل تافهة احيانـًا، في حين اني كنت ادعوك دومًا  الى استغلال كل لحظة من حياتك في سبيل الحصول على المزيد من الثقافة والعمق، والمزيد من الخزين الفلسفي واللاهوتي، ليتسنى لك  نقل كلامي الى الآخرين بأقوالك وبحياتك.

أنـت  كاهـن  الـى الأبـد
         إنها خطوة مهمة جدًا، ولابد انك قمتَ بها بكثير من الوعي والسخاء والشجاعة، بدون ان تتوخى منها  اهدافًا أخرى  غريبة عن روحي ومحبتي. إنها حياة جديدة أُعطيت لك، وأنت مدعو لتحياها بملئها. الحقل واسع جدًا امامك، والحصاد كثير. فلا تخـفْ! انزل الى العالم والى الرسالة التي تُعهَـد اليك، والى القطيع الذي يسلم الى رعايتك، أيًا كان، وفي أي موضع كان. لا تبحث عن المناصب  والمواضع الحسنة. فالأحسن لك ان تكون حيثما انا اريد، وان تحيا معي وفي حضوري، وان تعمل معي بثقة تامـة، غير معتمد على ضعفك وأوهانك، بل على قوتي التي تكمن في ضعفك. لا تنسَ أني معك، وبمقدار ما تحيا في حضوري  وتعمل بالاتحاد معي، تكون حياتك مثمرة وفعّالة. وستكمن حياتك الكهنوتية كلها، ورسالتك كلها  في مدى ارتباطك بي. تذكّـرْ مَثَلَ َ الكرمة والأغصان، وتأكد من انك بدوني لا تستطيع ان تعمل شيئًا. ولكنك معي، ستقوى على كل شيء وتحقق العظائم في سبيل نشر ملكوتي حيثما كنتََ.

الخـطـوات  الأولــى
           أنا أرسلك الى العالم، ولست تستلم مهمةالرسالة من تلقاء نفسك، بل تتلقاها مني بكثير من الوعي والصدق، وبكثير من الشكر ايضًا. إنها دعوة سامية، وستكتشف بهاءَها بمقدار ما تحياها  بعمق والتزام. وما اجمل العبارة التي قالها شفيعنا القديس يوحنا ماري فياني، خوري أرس: "لو عرف الكاهن هويته الحقيقية، لمات من الفرح!" أنت لا تعرف هويتك جيـدًا، انما تكتشفها شيئًا فشيئًا إذ تحياها بمزيد من العمـق.
     فيا كاهني الحبيب، اذهب الى العالم، حيثما أرسلك، وبدون تردد ولا خوف، لأني أنا معك، واسعَ منذ خطواتك الأولى ان تكون الراعي الصالح لقطيعك، والنور المشع الذي ينير درب الجميع، والملح الطيّب الذي يولي الحياة المذاق اللذيذ. أعطِ، وابذل، واخدم، وسر دومًا الى تحقيق أهداف حياتك الكهنوتية السامية، ولا تتوقف عند الصعوبات والشدائد، بل ضعها تحت نور محبتـي التي ستذيبها شيئًا  فشيئًا ....


الكهنـوت  حيــاة
       ليس الكهنوت وظيفة تقوم بها مدة ساعات محدودة، ثم تُخلـد الى الراحة والبطالة. الكهنوت ختم به تُختَـم حياتُك  لتصبح في حوزتي وملكًا للآخرين نهارًا وليلاً، ولا يحق لك ان تسرق منها شيئًا لنفسك. حياتك كلها لي، وكلها للآخرين بدون  تحفّـظ. فعليك ان تنظر اليها مثل هبة تلقيتها مني مجانًا. فعليك ان تحياها ايضًا وتبذلها بكل مجانية وسخاء.
     لكن الحياة يجب ان يسودها نظام، لئلا تتبعثر الجهود  في امور لا شأن لها مع الرسالـة الكهنوتية. فعليك، يا كاهني الحبيب، ألا تدع حياتك تمرُّ على مهبّ الريح. بل ضع لها ضوابط تحدد نهوضك صباحًا وصلواتك وأعمالك  وطعامك  وراحتك، وإلا فتعمُّ الفوضى في حياتك وفي نهارك، وبذلك تفقد حياتك الكثير من قيمتهـا وعطائها الحقيقي، وسرعان ما تصبح حياة مرتبكة  ومشوّشة وضحلة ....

كيـف تحيـا  نهـارك ؟
         إن لم تنظّم  نهارك والأعمال التي تتخلله، فسرعان ما تصبح  حياتك عرضة  للرتابة والمصادفات ، وتفقد فيها الأولويات مكانها، ولن تجد الوقت الضروري للقيام بمهماتك الأساسيـة. لقد قدّمتُ لك كلمتي لتكون نورًا لحياتك وحياة شعبك . فكيف تتعامل مع هذه الكلمة؟ وهل تقرأ الكتاب المقدس كل يوم ( القراءة الالهية -                            ) ؟  تذكّرْ ما قلته في انجيلي: "ليس بالخبز وحده يحيا الانسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (متى 4:4). اجل، يجب ان يكون كلامي - مثل ارادتي - خبزك اليومي. فتقرأ كل يوم فصلاً او اكثر من كتابي المقدس قراءة تأملية، وتدع كلامي ينزل الى اعماق قلبك مثل ندى الربيع، فينعش فؤادك ويغذّي نفسك وينير دربك ويوليك القوة للسير قدمًا في طريق القداسة التي دُعيتَ اليها. "كلمتك مصباح لخطاي ونور لسبيلي!" أعـطِِ  هذه القراءة  الوقت الكافي والجو الملائم. ومن الأفضل ان تقوم بهذه القراءة في وقت معيَّن من النهار ومكان يتوفر فيه الهدوء  ويدعو الى التأمل والصلاة.
     وإذا ما امتلأ قلبك من كلامي، فسيصبح لك حتمًا دافعًا  قويًا الى نقله الى الآخرين والى إشراكهم في هذا الكلام المحيي. لا تنسَ أنك معلم شعبك، ليس للصغار فحسب ، بل لجميع فئات المؤمنين. فتبشيرك الأول يكون عن طريق  التعليم: "التبشير فريضة لابد لك منها، والويل لك إن لم تبشّر" (1 قور 9: 16). إلا ان التعليم الذي تعطيه لشعبك يجب ان يُعَـدَّ إعدادًا جيدًا، وان يكون مقرونًا بكثير من المحبة  والاحترام لجميع الأعمار والعقليات، وان يُعطى بطريقة تراعي جميع الذهنيات، وتحاول ان تطلعهم على سر المسيح وسر محبته، و تدفعهم الى القيام  بما يجسّد هذا التعليم في حياتهم  اليومية، ليصبحوا مسيحيين بالاسم والفعل، ويكونوا خميرة صالحـة وفعّالة في عجنة المجتمـع. ومن البديهي ان هذا التعليم سيشمـل مختلف النشاطات التثقيفيـة: الأخويات، الندوات، المؤتمرات، المخيَّمات، الخ... أي كل ما يسهم في خلق جيل قادر ان يحمل  مشعل الانجيل، ليس بيـده فحسب،  بل بحياتـه واعماله كلها .

كيـف  تتعامـل مـع العوائـل ؟
          يجب ألا يتوقف نشاطك التعليمـي عند الذين يأتون اليك فـي المدرسة او في الكنيسة، بل ان تذهب أنت الى  الذين لا يستطيعون المجيء اليك. فهناك مئات، بل ألوف، من العوائل المسيحية  تنتظر زياراتك  لتحمل اليها نوري ومحبتي، وهي بحاجة الى توجيهاتك  وتعليمك. فيا كاهني الحبيب، لا تجعل زياراتك روتينية او بروتوكولية  فيها تتداول الاحاديث المألوفة، والتافهة غالبًا، والأخبار العالمية. وما أقل ما يرد ذكري فيها. لماذا تخجل من التكلم عني في الأسر المسيحية ؟ يا كاهني الحبيب، إن الأسر المسيحية تحتاج الى زياراتك، ليس لشرب فنجان من القهوة او الشاي، بل لكي تنقل اليها المسيح المخلص الذي وحده يمكنه ان يسعدها ويخلق فيها جوًّا من المحبة والتعاون. أنت مدعو لتعكس صورتي حينما كنت مع الجماهير، أشفي مرضاها، واعزي الحزانى واشجّع  ذوي العزائم المتراخية. ليكن مرورك في العوائل بمثابة أشعة نور تبدّد عن قلوبهم  غيوم الأسى واليأس.   
لا تخف ان تكلّم الآباء والأمهات والأولاد عن محبتي لهم واهتمامي بهم. فالعائلة تنتعش بذكري وحضوري. فلا تحرمها من هذا الحضور الخلاصي، فتحجبه بحضورك وبشخصيتك واعمالك ومشاريعك, فتصبح انت محور الحديث كله ....  اجعل العائلة تشعر  شعورًا عميقًا بزيارتي لها من خلالـك، وبعنايتي بها من خلال عنايتك الأبويـة.  ولتضـمَّ محبتُك هذه الأسرة  حقا الى حظيرتـي المجتمعـة في وحـدة المحبـة تحت رعايتي.

وهـل  تحـب  شعبـك ؟
        لابد انك تجيبني وتقول: اجل، كيف لا أحبه، وقد ضحيت من أجله  بأبـي وأمي واخوتي وأخواتي، وفي سبيله احجمت  عن إنشاء عائلة بشرية ربما كانت تشغلني عن الاهتمام التام بالشعب المسيحي. أجل، اني احب حبًا خاصًا تلك الشريحة من المؤمنين الذين وكلتَ اليَّ رعايتها.
     ولكن مهلاًً، يا كاهني الحبيب، فالمحبة لا تكون بالأقوال فقط، بل تتجسد في الأعمال والمواقف والمبادرات. فإذا انت أحببت مؤمنيك، ستحاول جاهدًا ألا تسبب لهم ما يزعجهم، سواء بكلماتك النابية او اقوالك المهينة او بتصرفاتك العنجهيـة، او بإهمالك ولا مبالاتك. وتذكّر ما قاله رسولي بولس: "... المحبة  تصبر وتخدم، ولا تحسد ولا تتباهى... بل تفرح بالحق، وتعذر كل شيْ ... وتتحمل كل شيء" (1 قور 13: 1-7). 
     عليك ان تبرهن عن محبتك لشعبك ليس بالكلام فحسب، بل في الحياة كلها. عليك ان تكون مرآة الحق والفضيلـة  والطهارة والغيرة للشعب الذي ينتظر منك ان تنقل اليه انجيلاً حيّـًا  من خلال حياتك.  فما الجدوى من كلامك ما لم يكن مدعومًا بحياتك واعمالك؟ فان شعبك ينتظر منك قلبًا مليئًا  بالمحبة والرحمة والحنان واللطف والتواضع والسخاء. أجل، شعبك يريد  ان تكون حياة كاهنه متّسمة بالبساطة والتواضع  وروح الفقر الانجيلي، على مثالي، انا الغني الذي افتقرت من أجلكم، لكي تغتنوا انتـم. شعبك ينتظر ان يكون لكاهنه روح التضحية والمجانية، وان يكون متفرّغًا بكليته لخدمتي من خلال "اخوتـي الصغار". وحذار، يا كاهني الحبيب، من الفظاظة والخشونة في معاملة شعبك الحبيب! وحذار من استخدام كلمات نابية او عبارات قاسية او مهينة تجاه اي من المؤمنين، كبيرًا كان أم صغيرًا، غنيًا كان أم فقيرًا. احترم الجميع، وليكن قلبك اكبر من ان تحاسبهم على اخطائهم، حتى إذا كانـت ضدك. اغفر لهم واسعَ ان تتغاضى عن الكثير من تجاوزاتهم، وحاول ان ترفعهم الى الله وان تعيد اليهم الثقة بي وبنفوسهم. كن ذلك الراعي الصالح الذي يبحث عن الضالين ويعالج المرضى  ويعيد المنحرفين الى طريق  الحياة والمحبة، لكي ينعم القطيع كله بوحدة الايمان والمحبة وبرباط السلام والتعاون  لبنيان الكنيسة ولخير الرعية كلها.

وكيـف انـت  والعمـل ؟
       هناك مثل سائر يقول: "رأس البطال دكان الشيطان". وقد يكون فيه شيء من الصحة. فان الرذيلة غالبًا ما تعشش في القلوب الخاملة والعقول الجامدة. اما انت فإذا قمت بواجباتك كما ينبغي، فانها تشغل حتما وقتك كله. أما اذا اكتفيت منها بالقليل، فستبقى في حياتك مساحات واسعة من الفراغ. ولكن لا تدع في حياتك شيئًا بدون فائـدة. بل استغلَّ اوقاتك كلها  لِما فيه الفائدة لك ولشعبك.
     لقد أنهيتَ الدراسة المنهجية في المعهد الكهنوتي، ولكنك لم تنهِ العلوم والمعارف التي تقدم لك كل يوم مستحدثاتها، وتدعوك للحاق بركب ما استجـدَّ من العلوم اللاهوتية والفلسفية  وسائر العلوم الانسانية الأخرى. وتتوفر الآن الكتب التي من شأنها ان تساعدك  في مواصلة ثقافتك. فلا يحق لك ان تستسلم الى الراحة والكسل، او الى امور أخرى لا طائل تحتها  وهي لا تبني حياتك الكهنوتية. فالدرس والمطالعـة من واجباتك الأساسية اليومية. ولماذا لا تحاول ان تكتب بعض المقالات التي من شأنها ان تسهم في تغذية بعض المجلات والصحف المحلية وتفيد القراء في خورنتك او في اماكن أخرى؟ وستساعدك دراساتك لتنظيم ندوات او لقاءات للصغار او الشباب او للعوائل. وقد يسهم ذلك في نشـر  الثقافة  بين المؤمنين ومزيدًا من الوعي الديني والعلمي بينهم ... أنا لا اقتضي منك صنع الأعاجيب، بل ان تحيا حياة تنعشها الروح الانجيليـة، مع البساطة والتواضع، على ان تكون كلها مرتكـزة على اسس متينة من الوعي  العلمي والثقافة الأصيلـة.

حـذارِ  مـن  الأصنـام !
         لقد قلتُ كلامـًا قاطعًا: "انا الرب الهك، لا يكن لك إلـه آخر غيري" إني خلقتُ قلبك للامتناهي، ولن يشبعه شيء البتة ما عداي انا. فلا تحاول ان تعطي المكان الخاص، في قلبك، لغيري من الخلائق التي لا يمكنها ان تشبع أشواقك وتسعدك حقـًا، ولا تبحث عن البدائل لتضحياتك.
     ولكن ما اكثر الأصنام التي تترصد حياتك الكهنوتية! انا نفسي تعرضت لتجربة الشيطان في نهاية صومي في البرية. فقدم لي ابليس ثلاث تجارب نموذجية. ولكن خاب فألـه! فأنّـى له ان يستهويني  بأمور استغنيت عنها بملء إرادتي، لكي أعطي مثالاً للجميع؟ إلا ان هذه التجارب وغيرها ما تزال تقف بالمرصاد للإنسان، ولاسيما للكاهن الذي يرمي الى التسامي عن الأمور الباطلـة. ولكنك، يا كاهني الحبيب، لستَ مصونًا من جراء دعوتك ورسامتك. بل تبقى إنسانًا، وانسانًاً ضعيفًا  ومعرَّضًا في كل حين لمختلف التجارب. وانا اليوم احذّرك من أربع من هذه التجارب:

1 ـ المـال:
       يحتاج الانسان الى المال لحياته الأرضية ولمعيشة الذين هم تحت رعايته، وللمحتاجين الذين ينتظرون من يمـدُّ لهم يد المساعدة. والمال في ذاته حسن، وقد حُسب في العهد القديم بركة من الله عظيمة. ويظل المال حسنا طالما يبقى عبدًا مطيعًا في خدمة الانسان للخير والاحسان. أما اذا انقلب سيدًا او ربـًا، فإذ ذاك يصبح خطرًا جدًا على حياتك ومصيرك. وقد حذّرتك من هذا الخطر وقلت لك: "ما من أحد يستطيع ان يعمل لسيدين... لا تستطيعون ان تعملوا لله وللمال" (متى 6: 24). خلقتُ قلبك ليكون حـرًّا، ولكي ينطلق بهذه الحرية – حرية أبناء الله -  إليَّ والى اخوته، وان يتجاوز كل ما يحاول صدَّه  عن مسيرته الى تحقيق أهداف حياته السامية. أقول وأكرر ان المال هو لخدمة الانسان، وانه لا يوفر للإنسان السعادة الحقة، بل يسبب الكثير من المضار للانسان الذي لا يعرف ان يتصرف به كما ينبغي. ألم أقل لكم: "ماذا ينفع الانسان لو ربح  العالم  كله وخسر نفسه؟" (متى 16 :  26).
     لكني ألاحظ ان معظم كهنتي يسعون وراء المال سعيًا مفرطًا، في حين ان كنيستي تضمن حياة الكهنة ضمانًا معقولاً ومع ذلك ارى ان كهنتي الأحباء يستخدمون جميع الوسائل  في سبيل جمع المزيد من المال، حتى انهم يسخّرون أقدس الأمور (القداس، الأسرار، الخدمات الأخرى...) للحصول على المال. لقد بات جشع كهنتي وتهافتهم على جمع المال  مضرب الأمثال عند الشعب المسيحي! وما أقلَّ الكهنة الذين يعطون انطباعًا صادقًا للمؤمنين بأنهم يعيشون بحسب روح التجرّد  والفقر الانجيلـي ويحاولون ان يجعلوا المال  وسيلة للخير والمقاسمة ، قبل ان يصبح  دافعًا الى المشاجرة والدعاوي بين الورثـة. فيا  كاهني الحبيب، تذكّرْ ما قاله رسولي لتلميذه طيموتاوس: "ان حب المال أصل كل شر (1طيم 6: 10).

2 -  الجـنـس:
          حينما أجبت على ندائي وقبلت الدعوة الكهنوتية، وتلقيتَ الرسامة التي كرستك لخدمتي وخدمة البشر، تخلّيتَ طوعًا عن تأسيس أسرة بشرية  وعن الزواج، لكي تخصص نفسك وقلبك وإمكاناتك كلها لي وللشعب المسيحي. ولم يضطرك أحد  الى اتّخاذ هذه الخطوة المصيرية. أنت الذي اخترت هذه الحياة. وعليك ان تعيش ما اخترته بملء حريتك. كن منطقيًا مع نفسك، بدون أي تذبـذب. وكل تراجع في هذا الشأن يحسب من باب الجبانة والخيانة. وقد قام كثيرون من الكهنة بهذا العمل الجبان ربما مستلهمين ما قاله رسولي العظيم: "اذا لم يطيقوا العفاف، فليتزوجـوا، فالزواج خير من التحرق" ( 1 قور 7: 8). ولكني اؤكـد ما قلته لكم: "ما من أحد يضع يده على المحراث، ثم يلتفت الى الوراء، يصلح لملكوت الله" ( لوقا 9: 62). إن طريق الكهنوت طريق وعر ومحفوف بالتضحيات التي قد تصل الى حد البطولة. وملكوتي ليس اكلاً ولا شربًا ....إنه يقتضي حياة موجهة توجيهًا صادقًا  نحو العُلى، والتسامي عن كل ما يحاول الاجتذاب الى الأسفل. فالجسد فيك يبقى جسدًا حتى نهاية حياتك الأرضية، والشهوات والرغبات ستواكبه بصورة متفاوتة حتى النهاية. فأنت في وسط عالم لا يتسم بالشفافية والصفاء والنقاء، بل على النقيض من ذلك كل ما فيه يثير الغرائز الجنسية. وقد اصبح هذا الموضوع محور وسائل الإعلام والإعلانات والمجلات والصحف، الخ ... وأنت تحيا في وسط هذا العالم الموبوء، في صحبة أناس ليسوا دومًا  امثلة للطهارة والصفاء، وترى من الجمال البشري في الصبايا والنساء  ما قد يثير فيك بعض الغرائز الجسدية. فحذار من المنحدر المخيف! وحذار من ان تعطي الجسد مجالا  ليهوي بك  الى المآسي، فتنسى ما وعدتني به، وتنجرف وراء الملذات الخطرة. انتبه، يا كاهني الحبيب، وتذكر ما قلته لتلاميذي:" انتم في العالم، ولكنكم لستم من العالم". فيجب ألا تتعلق انظاركم  وأفكاركم بما يمكنه ان يشوّه نفوسكم  ويؤثر تأثيرًا سلبيًا في حياتكم ومن ثمة في رسالتكم وخدمتكم. تسلّح يا كاهني بسلاح الله : السهر، والتوبة، والأسرار والتضحية... ولا تخف من التجارب التي تصدمك من مختلف الجهات. فأنا معك، ولا خوف عليك ما دمت معـي!

3-  ا لأنـانيـة 
         إنها العدو الألـدّ لك ولرسالتك. فهي تريد ان تجعلك محور تفكيرك واهتمامك، بل مركز الكون كله، وتشلُّ عمل المحبة فيك  وتحدُّ من فاعليتها، وترمي الى ان تجعلك إلهًا  يريد ان يدور الناس جميعهم والكون كله في فلكـه، وان يكون هو موضع الاحترام والتقدير بل العبادة لدى الجميع، عوضًا عن ان اكون انا مركز حياتك وتفكيرك واهتماماتك. أنت تحاول ان تجعلني أدور في فلكك. أجل، تسعى الأنانية لتجعل اوامرك مطاعة دومًًا وفي كل شيء، فتحسب نفسك مقياسًا للحقيقة ولكل شيء، بدون ان يكون ثمة مجال للنقاش او الحوار. وهكذا لا يتسنى لمحبتي ان تملأ نفسك وانت ممتلىء من ذاتك. لأن محبتي لن تحتلَّ فيك  إلا الموضع الذي تكون الأنانية قد أخلته فيك. وقد قيل بشيء من التهكّـم ان الأنانية لا تموت فيك إلا  ربع ساعة بعد موتك! فحذار من هذا الداء الوبيل  الذي يقضي فيك على روح الانفتاح والحوار والإصغاء الى الآخرين وتفهّم آرائهم والسعي في خلق ارضية  للتعاون في الخورنة، وإعطاء المجال للمبادرات الفردية التي ترمي الى بنيان الرعية  وتقدمها وازدهارها. افهمْ انك إنسان ولست إلهًا  ولا معصومًا من الخطأ  ولا مقياسًا للحقيقة. ويجب ان تشعر في أعماقك  انك انسان مسكين وضعيف ومحتاج الى اخوتك  الكبار والصغار، ولا يمكنك الاستغنـاء عنهـم.

4- الكســل 
         إنه مكروب يتسرب الى حياتك، اذا لم تكافحه بنشاط  وهمة كبيرة. عديدة هي الأعذار التي تدعو الى الاستسلام الى الراحة والخمول. فأحيانًا تتراكم عليك الأشغال وتنتابك الأزمات  الى حد انها تسبب لك التعب والإرهاق. فتأتيك تجربة الكسل  التي تدعوك الى إعطاء المجال لشيء من الراحة لنفسك. ولكني أقول لك، يا كاهني الحبيب، ان العمل خير دواء يوليك النشاط  ويبعد عنك الكثير من التجارب. وهل يمكنني ان ارضى عن كاهن يقضي  جزءًا كبيرًا من نهاره في النوم والبطالـة  والتفرج على التلفاز، تاركًا مهماته الراعوية ومراجعات المؤمنين، مستسلمًا الى أحلامه الجميلـة؟ كـلا! ان الساعات الاولى من النهار اثمن ما في يومـك، وقد يتسنى لك ان تنجز فيها امورًا كثيرة ومفيـدة، وان تقوم بأوقات من الصلاة  والمطالعة  وحتى في سماع بعض الأخبار عن طريق الراديو او الصحف، لكي تطّلع على ما يجري في عالمك الواسع. واني أجد من المؤسف جدًا ان تتبخر تلك الساعات الاولى النفيسة من النهار عبثًا. وحبذا لو تضع المزيد من النظام في نهارك. وليتك تنام في ساعة مبكرة من الليل لكي تنهض ايضًا في ساعة مبكرة من النهار  وتعكف على واجباتك بدون كسل  وبحيوية وبهجة وتفاؤل.

و صـلاتـك؟  كيف هـي؟
        هل تصلّي حقًا؟ هل تعطي لصلاتك الموضع الكافي من نهارك؟ هل للصلاة الشخصيك مكان في اهتماماتك؟ لا تنسَ ان إنسانيتك يجب ان تكون حقل اختبار للروح القدس. وتذكر اني كنت أخصص اوقاتًا طويلة من نهاري في الصلاة، وكثيرًا ما كنت أُمضي الليل كله او معظمه في مناجاة الآب  السماوي، خصوصًا عند اتّخـاذ قرارات مهمـة. كنت اشعر يحاجتي العميقة  الى تجديد احتكاكي وصلتي به ومنه استمدّ حيويتي، كما يستمد السيل أصله من النبع الخفي. قد لا تلقى في حياتك الكهنوتية، في القرية كنت او في المدينة، أناسًا يساعدونك للصلاة .وربما ان أسقفك والكهنة الذين تعايشهم  ليسوا من النماذج الذين يحتذى بهم للصلاة. فهل يحق لك من جراء هذا الواقع  "ان تلبس القبع وتلحق الربع" كما يقول المثل الجاري، فتسير كما ساروا في حياة خالية من الله ومن حضور نعمته؟ سيكون من المؤسف إن فعلتَ ذلك! عليك أنت ان تقاوم التيار رغم شدته، وان تسعى كل يوم في توطيد علاقتك بي، وإلا لن يكون معنى لحياتك الكهنوتيـة.
     إن الصلاة لكل إنسان، ولاسيما للكاهن، هي بمثابة الأوكسجين للجسم الحي وبمثابة الماء للسمك، بدونها ينشف قلب الانسان ويذبل شيئًا فشيئًا. وافهم ان الصلاة هي مناجاة قلبًا الى قلب معي انا مصدر حياتك وسعادتك، وليست الصلاة مجرد ألفاظ جوفاء  ترددها بدون تفكير عميق. وحضوري معك وفي أعماق قلبك  يولي حياتك وصلاتك معناها الحقيقي. ولكن يجب ان تكون انت ايضًا حاضرًا حضورًا كليًا في الصلاة، وان يكون حضورًك مفعمًا بالمحبة وفي جو من الصمت والإصغاء، سواء كان هذا الانتباه صامتًا او يتدفق أحيانًا بألفاظ  تتفجر من القلب. ويجب ان تكون صلاتك  لقاءً شخصيًا بي، أيًا كانت نوعية هذه الصلاة: ليتورجية، فردية، لفظية، تأملية، الخ... المهم ان اكون حاضرًا في صلاتك لئلا تكـون فارغة. وقد اوصيتك ان تصلي بدون ملـل، وأطلعتك على شروط الصلاة: الدخول الى اعماق القلب حيث يتمُّ لقائي بك، وحيث انتظر حضورك المحِب.

والقـداس ؟
         ما نظرتك الى القداس؟ وهل تحياه حقـًا؟  لقد أقمتك كاهنًا لي، لكي تنوب عني في خدمة الشعب  بغيرة وتواضع ، وفي توزيع الأسرار الإلهيـة. وأهـمّ عمل تقوم به في نهارك وفي حياتك هو "القـداس"، الذي به تعيد ذكرى محبتي وخلاصي. وقد اوصيتكم من خلال رسلي وقلت لكم: "اصنعوا هذا لذكري". يا له من أمر عظيم عُهدَ اليك القيام به! ومع ذلك، فهناك العديد من كهنتي لا يولونه قيمته الحقيقية. فلقد شرع الكثيرون منهم بالسماح لأنفسهم بألا يقيموا القداس سوى مرة او مرتين في الاسبوع. اما في الايام الأخرى فيعتبرون أنفسهم غير ملزمين  بإقامة القداس. هناك بعض قناعات لاهوتية أدت الى هذه النتيجة المؤسفة، إذ يقولون بعدم إقامة القداس ما لم يكن ثمة مؤمنون يشتركون فيه ... ولكن هل يحق لك او لغيرك ان تحرموا العالم من ثمار القداس، وهل يحق لكم ان تلغوا حضوري ولو يومًا واحـدًا في كنيستي؟ وحينما تقيم القداس، هل تفكر في أنك تقدم عصارة الأرض  وجهود البشرية، فتخضع بذلك الأرض كلها للـه: "لك الأرض  بملئها، والمسكونة مع جميع ساكنيها" وحتى اذا اقمت القداس وحدك في احدى زوايا الكنيسة او المعبد ، فانك بذلك تقدم العالم كله لله الآب. وإذا نقص البعد الأفقي  بغياب المشاركين ، فإن البُعد العمودي يبقى دومًا، وهو الذي يرفع الخليقة الى الله.
       لا تنسَ انك "كاهن الكون كله" وان رسالتك لن تتوقف عند عدد من مؤمني خورنتك، بل تشمل العالم كله. إنك تقدم على مذبح الكون صلوات الناس أجمعين، مهما اختلفت أجناسهم ومذاهبهم ، وتستنزل نعم الله على العالم كله. ألا يكون إهمال القداس اليومي، والحالة هذه، بسهولة ولأسباب غير وجيهة، نوعًا من الخفة والاستهتار بأسمى قيمة في الكون؟ الا يكون في الأمر جريمة بحق البشرية تسهم في إضعاف  فاعلية الخلاص لشريحة من الناس؟   
       لكن القداس ليس مجرد صلوات وليتورجيا رائعة يقوم بها الكاهن كل يوم. فلئلا يعتريه الملل والرتابة  من جراء التكرار، عليه ان يعيش قداسـه كل يوم بصورة متجددة من الداخل، وأن ينضمَّ فيه روحيًا اليَّ، ويقدم ذاته معي الى الآب، وان يحيا قداسه طوال اليوم في جو من الهدوء والرصانة. اجل، يجب ان يتواصل القداس في حياة الكاهن، لكي يتسنى له ان ينقلـه الى شعبـه  المؤمـن من خلال حياتـه  ومواقفه وطيبته . ... وفي النهار صلوات اخرى على الكاهن  ان يلتزم بها  ويقوم بها بروح التقوى العميقـة: وفي مقدمة هذه الصلوات تأتي الصلاة الفرضية، صباحًا ومساءً، فردية كانت أم جماعية. إنها صلاة الكنيسة ولا يحق للكاهن ان يعفي نفسه منها لأسباب تافهة، بل ان يقوم بها بكثير من الهدوء والخشوع والتفكير والمحبة.
     أما التأمل فمن الصلوات الضرورية لحياة الكاهن الروحية. فما لم يضع الكاهن منذ الصباح ذاتـه في احتكاك مباشر معـي، ويدخل معي الى حوار الحب، وينغمس في جو من القداسة والصداقة، كيف يتسنى له ان يُمضي نهاره بأمانة مستمرة تجاهي ؟  لكني ألاحظ  بكثير من الأسى  ان معظم كهنتي لا يولون قيمة كبيرة للتأمـل، مع ان لديهم الوقت الكافي للتأمل إذا ارادوا ، ويمكنهم ان يُمضوا في التأمل ربع ساعة او نصف ساعة كل يوم. إلا ان ضحالة حياتهم الروحية  تبعدهم عن هذا الوقت القوي  من اللقاء بي، فيفضّلون أمورًا أخرى عليه، ويا للأسف!
     وهناك صلوات اخرى عديدة على الكاهن ان يلتزم بها في النهار، مثل صلاة الوردية، والقراءة الروحية وزيارة القربان ، او قراءة الكتب المقدسة، كما قلت سابقـًا. اليست هذه الصلوات ضرورية لتغذية حياة الكاهن اكثر من الانشغالات الاخرى الكثيرة  التي تملأ نهاره ؟
     وما اكثر الأمور التي لديَّ ان اقولها لك، يا كاهني الحبيب، في سبيل ان تبقى حياتك في مسارها الصحيح، فتكون شهادة حسنة لخورنتك وللعالم تصرخ الانجيل المتجسد في أعمالك اليومية. واني اترك لروحي القدوس مهمة مواصلة مواكبتك، سواء في صلاتك: "الروح يأتي لنجدة ضعفنا، لأننا لا نحسن الصلاة  كما يجب، ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنّات لا توصَف" (روم 8 : 29). وهذا  ما تردده أيضًا احدى صلواتنا الفرضية: "إننا لا نعرف ان نصلي ولا ان نسبّح، ونخشى ان نقول كلمات لا تليق بك". الروح ينيرك، يا كاهني الحبيب، ويرشدك الى الحقيقة كلها، ويوليك القوة والشجاعـة  للسير قدمًا في طريق القداسة التي دُعيت اليها.


خـا تـمــة  
       هذه بعض خواطر وردتني ورغبت في نقلها اليكم، انتم اخوتي الكهنة الأحباء، حيثما كنتم، وأمنيتي القصوى ان تقرأوها مرة ومرتين وأكثر  قراءة هادئة، بدون أفكار مبيّتة او احكام مسبقة، لكي تروا على ضوئها ما يترتب  عليكم فعله في سبيل تجديد حياتكم. وبتجديد حياتكم منوط  تجديد كنيستكم، بل الكنيسة الجامعة والعالم كله. فلا تخافوا من الجهود المطلوبة منكم، ولا تخشوا الأتعاب. ابدأوا حياتكم الكهنوتية من جديد، وانفضوا عنها الأتربة التي ربما قد التصقت بها  خلال مسيرتكم، ولا تؤجلوا هذا التجديد الى ما لا نهاية. فـ"اليوم" هو يوم الرب، وانتهزوه فرصة يعطيها الرب لكم  لبدء حياة جديدة: "اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسّوا قلوبكم!". "اقتـدوا بالله  شأن أبناء أحبّـاء، وسيروا في المحبة سيرة المسيح  الذي أحبّنا وجـاد بنفسه لأجلنـا  قربانًا وذبيحة لله  طيبـة الرائحـة" (أفسس 5: 1 – 2). .....  فإلى الأمام، ايها الاخوة الأحبـاء، اينما كنتم، وأيًا كانت الظروف التي تعيشونها. تذكروا ما قاله الرسول: إن كان الله معنا، فمن يكون علينا؟  ثقوا بقوة المسيح وبمحبته لكـلٍّ منكم شخصيًا، وسيروا  معه جنبـًا الى جنب، ويـدًا بيـد، وكونوا واثقين بأنكـم معه ستبلغون الى كامل إنسانيتكم ومـلء كهنوتكـم. آميــــن.
                                                                                               أ خـو كــم
                                                                                           الأب أ لبيـر أبـونـــا
********************** 
         لقد وردتنا عن طريق البريد الالكتروني  هذه الخواطر عن الكاهن المسؤول عن رعية . فأنقلها اليكـم ، لعلها تفيدكـم وتبهجـكـم:
       خـو ر يَّ:
•   إذا وعظ اكثر من عشر دقائق، فهو لا ينتهي!
•   اذا تكلم عن مشاهدة الله،  فهو يسبح في الفضـاء. 
•   اذا تناول معضلات اجتماعية، انحرف الى اليسار.
•   اذا ذهب الى المعمل، الم يكن له شغل آخر؟
•   اذا ظل في الرعية، فقد انقطع عن العالـم.
•   اذا كان شعره طويلاً، فهو من المحتجيـن.
•   اذا كان شعره قصيرًا، فهو متخلّـف!
•   اذا كلل وعمذ الجميع، فهو يقلل من قيمة الأسرار.
•   اذا صار اكثر تطلّبًا ، فهو يريد ديانة للأنقياء.
•   اذا مكث في دار الكهنة، فهو لا يذهب لرؤية احد قط.
•   اذا قام بزيارات، فهو لا يتواجد أبدا في  البيت.
•   اذا لا ينظم اعيادًا، لا يجري شيء في الرعية. 
•   اذا قام بأعمال في الكنيسة  فهو يرمي النقود من النوافذ !
•   اذا لا يفعل شيئًا، فهو يدع كل شيء مهمَلاً.
•   اذا تعاون مع مجلس شوراه، فهو ينقاد الى كل إنسان.
•   اذا لم يكوّن له مجلس شورى، فهو متسلّط واكليريكالي.
•   اذا كان شابا، فهو ناقص الخبرة.
•   اذا كان مسنًّا، عليه ان يتقاعـد.
•   اذا غادر او توفي، فمن ذا الذي يخلفه؟