المحرر موضوع: مـن ينصـف المســيحيين في العراق ؟  (زيارة 647 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كمال يلدو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 558
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
مـن ينصـف المســيحيين  في العراق ؟

  لـقد ثبـّت الدستور العراقي ((الباب الثاني، الحقوق والحريات، الفصل الاول، الحقوق، اولاً:- الحقوق المدنية والسياسية، المادة (14): العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد او الرأي او الوضع الاقتصادي او الاجتماعي. المادة (15): لكل فرد الحق في الحياة والأمن والحرية، ولايجوز الحرمان من هذه الحقوق او تقييدها إلا وفقاً للقانون، وبناءً على قرار صادر عن جهة قضائية مختصة. المادة (16): تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين، وتكفل الدولة اتخاذ الاجراءات اللازمة لتحقيق ذلك.
المادة (17): اولاً: لكل فرد الحق في الخصوصية الشخصية بما لايتنافى مع حقوق الاخرين والآداب العامة. ثانياً: حرمة المساكن مصونة ولايجوز دخولها او تفتيشها او التعرض لها الا بقرار قضائي ووفقاً للقانون.))
كل هذه المبادئ وانطلاقا منها اطرح محنة المسيحيين خاصة ، وابناء باقي المكونات الصغيرة بصورة عامة .
   فصـورة الوطن لاتبدو بـراقـة بفعل  المحن والمخاض الصعب الذي يمر به ، وهذه الاوضاع  لها افرازاتها ايضا .فما شـهده ويشهده الحال العراقي كثير ، ان كان في ازمة الماء والكهرباء والبطالة وارتفاع الاسعار وضعف الخدمات وازمة السكن والايتام والارامل ، على ان الوضع الامني يبقى هو الاهم في كل هذه المعادلة .انه لمن الصعب ان يعيش المواطن في ســـجن كبير اســمه "الوطن".
 فكيف يمكن ان يحيا الانسان اذا فشلت الدولة ومؤسـساتها في حمايته ، او توفير الامن له وضمان ســلامته الشخصية ؟  هذه الاسئلة التي تدور على لسان العراقيين والتي يصعب الاجابة عليها الا بالعموميات .  فيما يصـرح المسؤلون (ليل نهار)  بأن الوضع الامني يتحســن ، لكن هذا التحسن يتكســر كالزجاج حين يخطف انسان ما ، او يقتل ، او يفجـر بيته او يهدد بحياته .

    وهكذا تتدحرج كرة الحقد الطائفية دائرة بين اركان الوطن العراقي وضاربة كل ابنائه الطيبين ، بكل قومياتهم واديانهم، وللحديث عن المسيحين ( مشتركين معهم اخوانهم من ابناء الطوائف  المندائية واليزيدية والشبك، كونهم من المكونات الصغيرة) ، رغم اصالتها العراقية بشــهادة الكل ، وضـع خاص.
فمعانات هذا المكون تتزايد كلما تعالت اصوات الحقد والكراهية ،وكلما غضّت الدولة النظر عن مـروجي هذه الافكار الســوداء ، وتزداد ايضا كلما تزايدت الازمة الاقتصادية مما يدفع بعصابات الجريمة الى عمليات الابتزاز والخطف والفدية ، وتتزايد كلما احتدم المشهد السياسي العراقي لتصبح ورقة (المسيحيين العراقيين) ورقة ضاغطة على السلطة التي تقف عاجزة في كثير من الاحيان في ايجاد الاجوبة اللازمة.
ومنذ نيسان 2003 والساحة العراقية تشــهد تصعيدا خطيرا في استهداف ابناء هذا المكون العراقي الاصيل، بداءت كرة اللهب في بغداد ، وامتدت الى البصرة  ومحافظات الجنوب ، وعادة لبغداد ، ثم امتدت للموصل ، واليوم تستقر في كركوك ، مابين خطف وتهديد وقتل وحرق المحلات التجارية واجبار النساء على الحجاب الى حرق الكنائس بالجملة (لثلاثة مرات) واختطاف الكهنة وقتل معظمهم ، هذه الدوامة التي يعيشها المسيحيين (ومعهم اغلب العراقيين) كان ثمنها باهضا، اذ اضطرت مئات العوائل الى ترك مدنها والرحيل لمدن اخرى ، وآلاف اخرى فضلت مغادرة العراق بالمرة، مما ضاعف من معاناتهم في مواجهة المصير المجهول بالبطالة وشحة الواردات وابتزاز عصابات التزوير والتهريب ، وبنظرة فاحصة  لما يجري في  العديد من دول الجوار ســتـفي بالغرض.

  يعزي معظم المسؤولين العراقيين، وخاصة الامنيين  لأرتفاع هذه الموجة الى العصابات والمجرمين ، ولايختلف اثنان على ذلك ، الا ان هناك خيطا رفيعا يربط الاجرام بتصاعد الاحقاد الطائفية والدينية في العراق ، فـهناك من يحركها، منظور كان ام غير منظور .فأذا حرقت احدى الحسينيات قالوا انها من عمل (التكفيرين ) القادمين من خلف الحدود ، واذا حرق احد الجوامع قالوا انها من عمل (اعداء الوحدة الوطنية) ، اما لو حرقت الكنائس (بالجملة) فأنها عمل اجرامي (صـرف) ، وهنا تكمن المفارقة في عدم الدقـة بتشخيص الســبب ، وهذا يقود الى التقاعـس في ايجاد الحلول .
ان استهداف المســيحين ( ومعهم اي مواطن عراقي آمن) هو جريمة بأمتياز ، وعلى الدولة ان تعترف بأن هناك مخططا مشتركا للأرهابيين وحملة الافكار السوداء والظلاميين من كل الالوان والاشكال في استهداف ابناء الطوائف والاديان الصغيرة العراقية وخاصة المسيحيين بغية تحويل العراق الى بلد اسلامي، وهذا واضح من توجهات معظـم الميليشيات المسلحة التي ظهرت ونشطت وعبثت بأمن العراقيين ، والذي مازال قسم منها يعمل ولو خلف الظلال ، وهو واضح في عدم جدية الحكومة العراقية ومؤسساتها الامنية في ملاحقة المجرمين والقتلة وكشف الجهات التي تقف خلف عمليات احراق الكنائس واستهداف المسيحيين وبقاء معظم الملفاة مفتوحة لحد الآن ،  وينكشف هذا في عدم تقديم اي من رجال الدين للقضـاء من الذين يدعـون الى (طرد المسيحيين من العراق) علنا ومن خلال العديد من المنابر او بالبيانات الصفراء التي يوزعوها ، وواضح ايضا عدم جدية معظم الاحزاب العراقية (صغيرها وكبيرها) في التعامل مع هذه القضية الخطيرة  الا ما ندر ، لابل ان تكرارها قـد جعلها قضية روتينية ، وخبرا من الاخبار العراقية الدارجة ، واحيانا تكون مادة  للمزايدات الوطنية في المحافل الدولية.في الوقت الذي يعلم ويقـر الكل بأن خســارة اي عراقي هي خسارة لاتعوض ، وخروج الكوادر العراقية هو خطر داهم يهدد مستقبل العراق.
لقد ادعى السيد مدير شـرطة كركوك بأن عمليات تهديد المسيحيين في كركوك واختطاف احد المواطنين ومن ثم قتله وقبلها سيديتين مسيحيتين هي عمليات اجرامية ، لكنه اخفق في القول بأن آثارها تفوق خطط العصابات الاجرامية وهي تلتقي مع الخطط التي نفذت في بغداد ( وخاصة الدورة) والبصرة ونينوى وغيرها من المدن، في السيطرة على ممتلكاتهم ومحلاتهم وابتزاز اموالهم ومن ثم قتلهم او اجبارهم على الهجرة . واذا صـح كلام مدير شرطة كركوك بأن المجرمين يقفون خلف هذه الاحداث ، اذن من حقنا والحال هذا ان نســأل : ما هو دوركم في حماية المواطن العراقي وخاصة ابناء الطوائف والاديان الصغيرة ، وماذا فعلتم لهم في المدن الاخـرى وآخرها نينوى؟
وهل حقا ان القانون و ((دولة القانون)) هــو الســائد ، ام ان العصابات، والقتلة والمنظمات  الارهابية والميليشيات هي من تتحكم بالواقع العراقي ومصير ابنائه.
 انني لا اطالب الحكومة بترك كل مالديها وتوجيه قوتها لحماية المسيحين، الموضوع ليس كذلك ،فالقضية بأختصار شــديد يمكن تلمســها من الشواهد والنتائج ، وهي ان الامعان في استهداف ابناء هذه المكونات ســيدفع النسبة الاكبر منهم لمغادرة العراق ، والارقام هي التي تتحدث ، ويفترض بالوزارات المعنية ان تكشف عن اعداد اللاجئين  الذين فـّروا  لدول الجوار خلال السنوات الست الماضية وعند ذلك  ســيعي هؤلاء المسؤلون حجم الخسارة التي يمنى بها العراق كل يوم جراء اسـتمرار مســـلسل الجرائم هذا.

    انها دعوة للمثقفين العراقين بكل الوانهم واطيافهم ، ان يرتقوا بمسؤلياتهم في الدفاع عن أمن وسلامة العراقيين ، عن امن وسلامة المسيحيين  والمندائيين واليزيدية والشبك ، هذه المكونات الاصيلة التي تكمّل اللوحة العراقية وأن  لايتركوا هذه الجرائم تمر بلا حســاب ، بالرغم من تكرارها بين الحين والآخر مما  يمكن الاستنتاج بأن (ردة فعـل ) القوى الخيرة ليست بالمستوى المطلوب، من اجل لجم هذه القوى وايقافها عند حدها ودحر مخطاطاتها.
 
  وهذه المناســـبة هي دعوة للأحزاب الوطنية العراقية في ان تؤدي دورها  بفضح وكشف مايجري تجاه هؤلاء الناس المسالمين ، فالعراق  لايمكن ان يتعافى على حساب دماء وارواح وسلامة ابنائه الاصلاء ، اللذين ضاقت بهم دول الجوار  والمنافي .

   اما الحكومة العراقية ومؤسساتها الامنية ، فأنها تتحمل المســـؤلية كاملة في حماية أمن المواطن العراقي ((ايا كان دينه او مذهبه او عقيدته))  وهي مطالبة بتوفير الحياة الحرة الكريمة للعراقيين ، وهي مطالبة بالكشـــف عن المجرمين اللذين يقفوا خلف استهداف المسيحيين في العراق وفضح مخططاتهم والقوى التي تمولهم وتقف خلفهم ...هذا واجب الحكومة ، اية حكومة ....خاصة ونحن على ابواب الانتخابات !

كمال يلدو
تشرين اول 2009