المحرر موضوع: كوبا: رؤية ما بعد الخمسين!! -16 -أرنستو همنغواي: حانة بودغيتا دل ميديو!  (زيارة 576 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عبد الحسين شعبان

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1167
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كوبا: رؤية ما بعد الخمسين!! -16 -أرنستو همنغواي: حانة بودغيتا دل ميديو!
                                                                                    عبدالحسين شعبان
2010-02-15
أعادني الصديق صباح المندلاوي في مؤلفه الجديد عن الشاعر الكبير الجواهري «الليالي والكتب» الصادر في بغداد عام 2009، إلى نظرة الجواهري إلى الكثير من زملائه المبدعين بينهم بيكاسو وبابلونيرودا وهمنغواي ولوركا وماركيز وغيرهم، وهو ما كنت قد أشرت إليه في كتابي «الجواهري-جدل الشعر والحياة» الصادر في بيروت عن دار الآداب، ط2، 2009، ولعل بعض الحوارات التي نشرتها مع الجواهري تتضمن وقفات مهمة لبعض علاقاته بالمبدعين عربا أو أجانب. وهو ما يذكره الجواهري أيضا في مذكراته «ذكرياتي» في جزأين، دمشق، دار الرافدين، 1988في علاقته مع الفنان الإسباني-الفرنسي بيكاسو الذي رافقه في «المقصورة» ذاتها خلال رحلته بالقطار عائدا من وارشو إلى باريس بعد حضوره مؤتمر السلام العالمي العام 1949 الذي شارك فيه نخبة من كبار المثقفين والمفكرين، يقول الجواهري: «استلقيت أنا في الطابق الأسفل من المقصورة (المقصود بالمقصورة غرفة تحتوي على سريرين، سرير علوي وآخر سفلي) وقد أخذ بيكاسو الطابق الأعلى أي «السرير العلوي»، ثم علمت أنه يود المنام في السرير السفلي، وهو ما حدثتني به السكرتيرة؛ لأنه قصير القامة وأنا طويل القامة وبإمكاني الصعود إلى الأعلى، وقد يتعذر عليه القيام بذلك، في حين كنت أقوم بها بسهولة، وضحكنا لهذا الالتباس والمفارقة من خلال الكلمات القليلة التي تحدثنا بها بالإنجليزية البسيطة، وطلب مني بيكاسو أن نأخذ صورة تذكارية فقلت له: هذا شرف لي.
ويسرد الجواهري الكثير من إعجابه بإبداع الفنان الكبير بيكاسو، ويقارن ما يتمتع به المبدع في فرنسا والغرب بشكل عام، وبلادنا العربية، لاسيما العراق بشكل خاص، ولعل ذلك إحدى المفارقات المريرة التي غالبا ما يتوقف عندها الجواهري، وهو ما يمكن قراءته من خلال تقييمه لأرنستو همنغواي، وحيرته بخصوص مقتله الغامض.
ويعلق الجواهري على كتاب مذكرات الشاعر التشيلي بابلو نيرودا «أشهد أنني قد عشت» الذي تضمن سردا غنيا وجميلا لحياة مفعمة بالحيوية، تلك التي أحبها الجواهري بكل ما فيها من جنون وعبقرية، وكان قد قال مع نفسه ذات يوم: وهل لي أن أكتب مذكرات بعدها، وهو ما أوردته في حواراتي المنشورة معه.
في حانة بودغيتا دل ميديو وأنا أحتسي كأس الموهيبا اللذيذ، استعدت حواري مع الجواهري (الموهيبا هو نوع من الروم Rum، مضافا إليه الثلج والليمون والنعناع) عن كوبا وهمنغواي الذي كانت شخصيته محيرة للجواهري، لاسيما وهو الذي اكتسب شهرة كبيرة ومالا عظيما (ويذكر الجواهري أنه كان يطلب من الناشرين 750 ألف دولار للاتفاق على طبع رواياته) وعاش مرفها في جزيرة حالمة وبأوضاع متميزة (بعد حرمان)، وهو الأميركي الذي كان صديقا لفيديل كاسترو، رغم العداوة التي تصاعدت بين الولايات المتحدة وكوبا بعد انتصار الثورة في مطلع العام 1959.
لقد ظلت ظروف مقتل همنغواي غامضة وملتبسة، وهي التي جعلت الجواهري يتساءل: «كيف يستطيع من هو في هذه البحبوحة أن يقدم على الانتحار؟ فقد قيل إنه توفي على نحو غامض بانطلاقة رصاصة من بندقيته أردته قتيلا في ظروف غامضة في 2 يوليو 1961، وهو الذي ولد لأب طبيب في أواخر العام 1899 في مدينة صغيرة اسمها أوك بارك Oak Park، غير بعيدة عن شيكاغو، ونشأ في أسرة محافظة، لكنه أبدى ميلا إلى التمرد منذ نعومة أظافره، ورغم أنه كان تلميذا نابهاً فإنه كان كثير الفرار من المدرسة، ومنذ وقت مبكر دخل عالم الصحافة والكتابة، ولم يكمل دراسته، لاسيما عندما دخلت الولايات المتحدة الحرب العالمية الأولى، حيث توجه همنغواي إلى ساحات القتال.
لعل الكتاب الممتع والذي يحظى بامتياز آخر أن صاحبه الفنان صباح المندلاوي هو صهر الجواهري، زوج ابنته الدكتورة خيال، وكان قد عاش معه ورافقه في السنوات الأخيرة من حياته، وتمثل انضمامته التي نحن بصددها صبرا وجهدا غير عادي، لتدوين ما يصدر عن الجواهري من ملاحظات وتعليقات، لاسيما بخصوص كتب ومبدعين في فترة لم يسلط عليها الضوء بما فيه الكفاية، حيث كان المؤلف أقرب إلى حامل كاميرا لتصوير حياة الجواهري، وما كان يختلج في ذهنه من آراء وأفكار يعبر عنها بطريقته الخاصة، وهو يدلف بأيامه الأخيرة نحو تلك الحقيقة المطلقة، التي ظل يزوغ عنها ويراوغها ويتحايل عليها، حيث كان بينه وبين الموت -ذلك الذئب اللعين الذي ظل يترصده منذ عقود من الزمان وبأنيابه دم الأخوة والأحبة والصحاب- صراع مرير وهدنات طويلة، وكر وفر وإصابات لم يسلم منها الجواهري، لاسيما عندما رحلت رفيقة عمره أمونة «أم نجاح» وهو القائل: «يظل المرء مهما أدركته يد الأيام طوع يد المصيب».
فقد كان مصابه بوفاة الحبيبة نائبة كبيرة ألمت به وتركت فيه جرحا لم يندمل، ولكن الجواهري العنيد لم يستسلم بسهولة، إلى أن اقتنع أن الصراع العبثي لا بد أن يتوقف، فعقد صداقة مع الموت، بحيث يكفان كل منهما عن مطاردة الآخر، ليرحل بعدها الجواهري بهدوء كامل وهو الذي عاش في وسط العاصفة.
ذاكرة الجواهري كما يحدثنا المندلاوي، تروي قصة ذلك الصحافي الهاوي، الذي تقدم للعمل في إحدى الصحف فاشترط عليه رئيس التحرير أن يجري لقاء مع الكاتب الشهير همنغواي ليكون شرطا لاستمراره في العمل، وبعد سلسلة اتصالات وتنقلات، يحط الصحافي في كوبا حيث يقيم همنغواي، ويخبره برغبته في اللقاء وشروط وحيثيات عمله، ويلتقي همنغواي والصحافي في حانة بودغيتا دل ميديو، وبعد احتساء كاسين من الموهيبا يشعر همنغواي بالتعاطف مع الصحافي ويقترح عليه العمل معه كسكرتير بظروف أفضل. يستبد الفرح والسرور -فضلا عن المفاجأة- بالصحافي هوتشز، ويبدأ على الفور عمله سكرتيرا لهمنغواي، بدلا من إجراء مقابلة معه، وبعد رفقة ومعايشة لسنوات يطالعنا هوتشز بكتاب قيم ومثير عن تفاصيل شيقة ومثيرة لحياة همنغواي بعنوان «بابا همنغواي».
وخلال زيارتي لهافانا بحثت عن أثر همنغواي وسبب اختياره كوبا ومكوثه فيها، فزرت فيلته لافيهيا «مزرعة همنغواي» في منطقة سان فرانسيسكو دي باولا، وهي ضاحية قريبة من العاصمة. المزرعة مدهشة إلى حد كبير، وفيها أنواع الزهور والأشجار التي جلبها من جميع أنحاء العالم، وهو ما كان يشغل الجواهري كثيرا، لاسيما «المركب الصغير» الذي كان يصطاد فيه السمك في عرض البحر، وكانت تلك إحدى هواياته، وما زال هذا المركب الأنيق موجودا في مزرعته، وتحتوي المزرعة على صالات وغرفة ضيوف وغرفة طعام ومناظير وأنواع من البنادق وصفارات، إضافة إلى سينما صغيرة وأفلام وصور ولوحات وخمور وكؤوس متنوعة.
ذكرتني الفيلا بالمنزل الجميل على الساحل الذي يبعد نحو 100 كيلومتر عن سنتياغو في تشيلي لبابلو نيرودا، الذي كان يحتوي هو الآخر على أنواع الخمور والقناني والكؤوس، إضافة إلى إسطبل للخيول، وفيه حصان بكل متطلباته، مصنوع بمهارة ودقة كعمل نحتي وفني جميل، مع أن نيرودا لا يجيد ركوب الخيل، مثلما لا يجيد السباحة، رغم أن منزله مطل على البحر مباشرة، ولعل أجمل ما فيه هو غرفة الحبيبة ماتيلدا التي تجلس فوق البحر وكأنه أراد أن يستمع إلى موسيقاه المختلطة بأمواج البحر، وذلك حين يداعب النوم عيونه، وللبحر وهمنغواي والجواهري قصة أخرى.