العلوم و التكنلوجيا > منتدى تاريخ الحضارات والشعوب

تراثك المسيحي

(1/3) > >>

رحالة:
تراثك المسيحي


قائمة المُحتويات:
 ( أ ) مقدمة
(ب) موجز تاريخي:
( 1 ) المسيحية في مصر
( 2 ) المسيحية في الشام
(ج) آباء الكنيسة
( 1 ) القديس أثناسيوس الرسولي
( 2 ) القديس كيرلس عامود الدين
( 3 ) القديس يوحنا الدمشقي
( 4 ) القديس أوغسطينوس
( 5 ) القديس أنطونيوس أبو الرهبان
( د) شهداء الكنيسة
( 1 ) القديس اغناطيوس بطريرك أنطاكية
( 2 ) القديس سبريانوس أسقف قرطاجنة (تونس)
( 3 ) القديس بقطر
( 4 ) القديسة دميانة
( 5 ) القديسة أفرونية الناسكة
( 6 ) القديس جرجس المعروف بالمزاحم
( 7 ) القديس يوحنا أبو نجاح الكبير
( 8 ) القديس سيدهم بشاي الدمياطي
( ه ) كنائس وأديرة أثرية والفن المسيحي
( و) نتيجة

رحالة:

( أ ) مقدمةتراثك المسيحي يساهم في تحديد وتعريف شخصيتك لأنه جزء من كيانك وجذورك التاريخية المسيحية . لهذا من الهام جدا أن تعلم شيئا عنه. تقدم هذه الصفحة موجزا للتراث المسيحي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا. تبدأ بمقتطفات مختصرة من تاريخ المسيحية في هذه المناطق. ثم تنتقل إلى تقديم حياة وجهاد بعض آباء الكنيسة الأولين بهذه المناطق الذين دافعوا عن الإيمان المسيحي ضد البدع المختلفة، وبعض شهداء المسيحية الذين عاشوا الإيمان المسيحي وبذلوا حياتهم في سبيله. نناقش بعد ذلك بعض الكنائس والأديرة الأثرية والفن الكنسي القديم لهذه المناطق.

ستتعرف بعد قراءة هذه الصفحة على تراثك المسيحي الثمين المجيد—تراث الإيمان المسيحي الذي أحبه وعاشه آبائك وبذلوا حياتهم في سبيله. من حقك أن تفتخر بهذا التراث البهي. 

رحالة:
ب) موجز تاريخي:
( 1 ) المسيحية في مصر

ذهبت العائلة المقدسة (الطفل يسوع مع مريم أمه وخطيبها يوسف) إلى أرض مصر هربا من اضطهاد هيرودس ملك اليهودية الذي أراد إهلاك الطفل يسوع (متى 2: 13-15). تنقلت العائلة المقدسة في مصر حتى وصلت إلى أسيوط، ومكثت في مصر بضعة سنوات. ثم عادت إلى مدينة الناصرة بفلسطين بعد موت هيرودس الملك (متى 2: 19-23).
أسس القديس مرقس، أحد تلاميذ السيد المسيح، كنيسة مصر القبطية الأرثوذكسية في القرن الأول الميلادي، ويعتبر أول بطريرك لها. بدأ الكنيسة في مدينة الإسكندرية حيث كتب الإنجيل المعروف باسمه باللغة اليونانية القديمة. بعد رحلات تبشيرية عديدة مثمرة، أستشهد في سبيل الإيمان المسيحي حيث قتله الوثنيون بطريقة وحشية في شوارع الإسكندرية في 68م.

إنتشرت المسيحية بسرعة في أرض مصر رغم اضطهادات الإمبراطورية الرومانية في عهود الأباطرة سبتميوس ساويرس (193-211)، ديسيوس (249-251)، فاليريان (252-260)، دقلديانوس (284-305)، ماكسيميانوس (305-313) الذي أمر بقتل بطرس الأول البطريرك السابع عشر للكنيسة القبطية (302-311) المعروف بخاتم الشهداء. هذه الاضطهادات البربرية الوحشية تضمنت تشويه الجسم، قطع أعضاء جسدية، إعماء، تعذيب قاسي بطيء، حرق حتى الموت، وإلقاء المسيحيين للأسود الجائعة. أخيرا، أصدر الإمبراطور قسطنطين، أول إمبراطور مسيحي، مرسوما بمنع الإضطهادت في سنة 313م. أثناء هذه الإضطهادات القاسية دافع مسيحيو مصر عن الإيمان المسيحي بدون خوف، وأقاموا شعائر العبادة المسيحية علنا وليس في الخفاء، ورحبوا بإكليل الاستشهاد.
بدأ الإضطهاد الروماني مرة أخرى بعد الانشقاق الأول الرئيسي في العالم المسيحي في سنة 451م—الإنشقاق الخلقيدوني. إذ اعتبر الأباطرة البيزنطيون المسيحيين الذين رفضوا قرارات مجمع خلقيدون خارجين عن الإيمان الصحيح. بلغ هذا الاضطهاد أوجه في عهد المقوقس، آخر حاكم وبطريرك روماني لمصر. حكم مصر لمدة عشر سنوات قام خلالها بتعذيب مسيحيي مصر بالجلد والسجن والقتل والاستيلاء على ممتلكاتهم.

على الرغم من قرون كثيرة من الاضطهاد مازالت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تحيى في مصر حتى الآن وذلك تحقيقا لنبوة إِشَعْيَاءَ النبي (القرن الثامن ق.م.): "فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخُمِهَا" (إِشَعْيَاءَ 19: 19). في الواقع استمرار المسيحية في مصر رغم هذه الأحوال المضادة الصعبة هو من أقوى معجزات السيد المسيح على الأرض. وقد شرح البطريرك القبطي بطرس الجاولي (1809-1852) سبب بقاء الكنيسة القبطية للأمير الروسي الذي عرض عليه حماية القيصر الروسي. بعد رفضه لهذا الاقتراح، سأله عما إذا كان القيصر يحيى إلى الأبد. بعدما أجابه الأمير الروسي بالنفي، قال له البطريرك: "أنتم تعيشون تحت رعاية ملك يموت وأما نحن فنعيش تحت رعاية ملك لا يموت وهو الله."

لقد أنجبت كنيسة مصر (الكنيسة القبطية الأرثوذكسية) زعماء ولاهوتيين مسيحيين ذائعي الصيت دافعوا عن الإيمان المسيحي الصحيح بلا كلل. حارب القديس أثناسيوس الرسولي، البطريرك القبطي العشرون (328-373)، البدعة الأريوسية. ولهذا قاسى من النفي من كرسيه خمس مرات. دحض القديس كيرلس الكبير، البطريرك القبطي الرابع والعشرون (412-444)، البدعة النسطورية. وتعتبر كتاباته اللاهوتية من أسس اللاهوت المسيحي الصحيح. عند وفاته، شغلت الكنيسة القبطية مركز القيادة في العالم المسيحي، وكان معظم الشعب المصري مسيحيا.

كانت الرهبنة القبطية هدية مصر للعالم المسيحي. أسس القديس أنطونيوس الكبير (251-356) الرهبنة التوحدية. مرحلتها الأولى هي رهبان يعيشون في توحد في البرية بعيدا عن أي إنسان. مرحلتها الثانية هي رهبان يعيشون في توحد في البرية قريبين من بعضهم. يلتقون معا يوم الأحد للعبادة سويا. بعد ذلك أدخل القديس باخوميوس الكبير (290-346) رهبنة الدير حيث يعيش الرهبان سويا في الدير. وقد أعد القوانين والقواعد التي تنظم الحياة اليومية للرهبان في الدير.

كانت المدرسة اللاهوتية بالإسكندرية أول وأهم معهد لتعليم اللاهوتيات المسيحية في العصر المسيحي الأول. كما أنها علمت تخصصات أخري من فروع المعرفة. كان أوريجانوس (185-254) أحد مشاهير قادتها وعلمائها. كما أنه من أكبر علماء تفسير الكتاب المقدس في العالم كله. وقد ألف ستة آلاف كتابا ومقالا في تفسير الكتاب المقدس، والدفاع عن الإيمان المسيحي، والنسك، والصلاة، والوعظ. تحت قيادته، وصلت مدرسة الإسكندرية اللاهوتية أوج مجدها وشهرتها. ولقد كان معظم قادة المسيحية في مصر على اتصال بهذه المدرسة، إما كمعلمين أو كتلاميذ.
نشر المبشرون الأقباط رسالة الإنجيل في مناطق كثيرة من العالم: جنوبا في بلاد النوبة والحبشة، شرقا في الخليج الفارسي والهند، شمالا في سوسرا وبريطانيا وأيرلندا.

رحالة:
( 2 ) المسيحية في الشام

كانت مدينة أنطاكية أهم مركز للمسيحية الأولى في الشام. كنيسة أنطاكية من أقدم الكنائس في العالم. وقد ذكرت مرات عديدة في كتاب أعمال الرسل (أَعْمَالِ الرُّسُلِ 11: 19-27؛ 13: 1؛ 14: 21، 26؛ 15: 22-23، 30-35؛ 18: 22). وكان بطرس الرسول هو أول أسقف لكنيسة أنطاكية. أصبحت بسرعة مركزا هاما للإيمان المسيحي في العصر المسيحي الأول. وقد تطلعت إليها كنائس سورية وفلسطين وقبرص وبلاد الفرس والهند للزعامة الروحية.
وقد أخرجت للعالم لاهوتيين مسيحيين مهمين مثل الأسقف ثيوفيلس (القرن الثاني)، والأسقف سرابيون (199-211)، ولوشيان اللاهوتي (ت. 312) الذي أسس مدرسة اللاهوت المشهورة بأنطاكية، والبطريرك ساويرس (465-538). ومن القديسين المشهورين لكنيسة أنطاكية القديس إغناطيوس الذي استشهد في عهد الإمبراطور تراجان (98-117)، والقديس إفرايم السوري (306-373)، والقديس كيرولس من القدس (315-386)، والقديس يوحنا ذهبي الفم (347-407).
أستشهد في الثلاثة قرون الأولى آلاف المؤمنين من كنيسة أنطاكية، واستشهد معظم آبائها البطاركة.
إنقسمت بطريركية أنطاكية إلى فرعين بعد نياحة البطريرك ساويرس (465-538) وحتى يومنا هذا: الفرع الملكي الذي قبل قرارات مجمع خلقيدون (451)، والفرع السوري اليعقوبي الذي رفض قرارات هذا المجمع. إتخذت الكنيسة السورية اسم الكنيسة اليعقوبية لأن القديس يعقوب البرادعي (500-578)، مطران مدينة الرها، قواها وثبتها برحلاته الكثيرة حيث دافع عن عقيدة الكنائس التي رفضت قرارات مجمع خلقيدون ورسم آلافا من الكهنة وعشرات من الأساقفة. كما أنه رسم بطريركين لكنيسة أنطاكية: سرجيوس الأنطاكي (542-562)، وبولس الأسود (564-581).

لقد ازدهرت رهبنة الأديرة في الكنيسة السورية منذ القرن الرابع بحسب النظام والقوانين التي رتبها القديس باخوميوس الكبير المصري (290-346). فتم بناء العديد من الأديرة. ومن المعتقد أن القديس سمعان العمودي (389-459) بدأ التقليد الرهباني حيث يعتزل الراهب من العالم على قمة عمود يبنيه لنفسه.

رحالة:
(ج) آباء الكنيسة
ساهم آباء الكنيسة الشرقيون في بناء أسس الكنيسة. إذ قاموا بشرح وتفصيل أسس الإيمان المسيحي ولاهوتياته الرئيسية. ودافعوا عنه. وحاربوا البدع المختلفة.
عاش الآباء الشرقيون في شرقي البحر الأبيض المتوسط في الإسكندرية وأنطاكية ودمشق والقسطنطينية ومدن صغيرة في آسيا الصغرى. وقد كان كثير منهم من عائلات غنية ذي نفوذ وسلطة. وكان في إمكانية معظمهم بلوغ المراكز الرفيعة في مجتمعاتهم. لكنهم اختاروا حياة التقشف والزهد والصلاة والضيقات وطاعة السيد المسيح. رأوا في الإله القدير الحقيقي لطفا وقوة لانهائية. وقد كانوا غيورين على كرامة الإنسان ومكانته في كتاباتهم كان آباء الكنيسة الشرقيون رجالا ذي معرفة غيورين على حقائق الإيمان المسيحي الصحيح. أحبوا الله في المسيح. حاربوا البدع والأكاذيب، ولم يخافوا إنسانا.

( 1 ) القديس أثناسيوس الرسولي (ت 373م)
يعتبر القديس أثناسيوس من أبطال الإيمان المسيحي. دعته الكنيسة اليونانية (الشرقية) القديمة "أب الأرثوذكسية." وتعده الكنيسة اللاتينية (الغربية) من أحد الأربعة الآباء الشرقيين الكبار في الكنيسة.
وُلد القديس أثناسيوس من أبوين مصريين حوالي سنة 293-295م عند مدينة الإسكندرية حيث تلقى تعليمه اللاهوتي. قضى بضعة سنوات في البرية مع الرهبان. رسمه البطريرك الإسكندري ألكسندروس الأول شماسا في عام 319م. ثم أصبح سكرتيره الخاص.
إصطحب أثناسيوس البطريرك ألكسندروس إلى المجمع المسكوني الأول في نيقية (مدينة صغيرة في تركيا تدعى إسنك) في 325م. دافع أثناسيوس في هذا المجمع عن الإيمان المسيحي الصحيح ودحض البدعة الأريوسية التي أنكرت لاهوت المسيح. وقد خلف البطريرك ألكسندروس الأول بعد وفاته في عام 328م وأصبح البطريرك العشرين للكنيسة القبطية الأرثوذكسية. جلس على كرسي البطريركية لمدة 45 عاما.
رغم أن مجمع نيقية استنكر وأدان بدعة آريوس وحرمه من الكنيسة، استمر تأثير هذه البدعة لمدة طويلة بعد ذلك. إذ كان لهذه البدعة تأثير قوي على البلاط الإمبراطوري. لم يسمح أثناسيوس لأي شيء بأن يعرقل جهوده في الدفاع عن الإيمان المسيحي الصحيح. كان مطرقة في يد الرب الإله ضد البدع. كان رجلا مع الله ضد العالم. ولقد انتصر في النهاية. هددوه بالاغتيال على الأقل مرتين. نفاه الأباطرة خمس مرات، فقضى أكثر من سبعة عشرة سنة في المنفى. عاصر سبعة عشر إمبراطورا رومانيا. وأخيرا انتقل إلى السماء في 2 مايو، 373م بعد أن غير اتجاه التاريخ.
على الرغم من الأزمات الكثيرة في حياة القديس أثناسيوس فقد كتب كثيرا من المؤلفات. كانت معظم مؤلفاته متعلقة بكفاحه للدفاع عن الإيمان المسيحي القويم. كتب دراسات في اللاهوتيات والمجادلات (ضد الوثنيين، مجادلات ضد الأريوسيين، عن التجسد الإلهي، دفاع عن هروبه)، وفي التاريخ (تاريخ الأريوسيين)، وفي تفسير الكتاب المقدس (تفسير المزامير، تعليقات على أسفار المزامير والجامعة ونشيد الإنشاد والتكوين). كما أن له مؤلفات في النسك (حياة القديس أنطونيوس__وهي أول سيرة مسيحية، عن البتولية، ومقالات عن النسك وعظات). كما أنه كتب خطابات كثيرة للشعب المسيحي، وللأساقفة وللرهبان.

( 2 ) القديس كيرلس عامود الدين (ت 444م)
القديس كيرلس الأول، الملقب بعامود الدين، هو ابن أخت البطريرك ثاوفيلس (البطريرك الثالث والعشرون للكنيسة القبطية). قد ولد في مدينة الإسكندرية، وأتم دراساته العلمية واللاهوتية في مدرستها اللاهوتية المشهورة. ثم أقام بدير القديس مكاريوس بوادي النطرون (بالصحراء الغربية) لمدة خمسة سنوات حيث أتم دراساته في الكتاب المقدس والعلوم الكنسية على يد الراهب سيرابيون المتضلع في هذه المواضيع. رُسم قسا بعد عودته إلى مدينة الإسكندرية. وقد أنتخب في أكتوبر 412م ليخلف البطريرك ثاوفيلس بعد وفاته، فأصبح البطريرك الرابع والعشرين للكنيسة القبطية الأرثوذكسية.
دافع بلا كلل عن مبادئ الإيمان الأرثوذكسي، وخاصة ضد البدعة النسطورية. إذ أن نسطور، أسقف مدينة القسطنطينية، جدف على السيد المسيح بادعائه أن السيد المسيح شخصين__شخص إلهي يسكن شخصا بشريا. فند ودحض كيرلس الإدعاءات النسطورية، ودافع عن العقيدة الأرثوذكسية التي تعلم أن الطبيعة الإلهية اتحدت بالطبيعة البشرية في شخص السيد المسيح بدون اختلاط وبدون امتزاج وبدون تغيير لأي من الطبيعتين.

أمر الإمبراطور ثيودوسيوس الثاني بعقد المجمع المسكوني الثالث في عام 431م في مدينة أفسس لمناقشة ادعاءات البدعة النسطورية. شارك في مداولات هذا المجمع مائتين أسقفا تحت رئاسة القديس كيرلس. رفض واستنكر المجمع تعاليم البدعة النسطورية، وحكم بحرم وعزل نسطور من الكنيسة. أدت بعض المؤامرات إلى سجن كيرلس لمدة وجيزة عاد بعدها إلى الإسكندرية. وقد انتقل إلى عالم الخلود في 27 يونيو 444م وهو يبلغ من العمر 67 سنة. يحتل القديس كيرلس الأول المرتبة الثانية بعد القديس أثناسيوس الرسولي في الدفاع عن العقيدة الصحيحة للإيمان الأرثوذكسي.
للقديس كيرلس مؤلفات كثيرة. حتى عام 428م ركز في كتاباته على دحض البدعة الأريوسية. بعد ذلك، ركز على تفنيد البدعة النسطورية. مؤلفاته معروفة بعمق الفكر والدقة ووضوح المنطق. كما أنه أصدر دراسات في تفسير بعض أسفار العهد القديم والعهد الجديد للكتاب المقدس.
من مؤلفاته التي تدحض البدعة النسطورية خمس كتب ضد نسطور، وعن الإيمان الصحيح (ثلاثة أبحاث)، وإثنى عشر حرما ضد نسطور ودفاعه عنها. كما أنه أصدر مؤلفا كبيرا (30 كتابا) يفند ادعاءات يوليانوس الوثني التي نشرها في كتابه ضد الجليليين في 363م. وقد كتب كثيرا من الرسائل والمواعظ.

( 3 ) القديس يوحنا الدمشقي (ت 750م)
وُلد في دمشق لعائلة سورية ثرية في حوالي سنة 676م. كان اسم عائلته منصور. وكان أبيه سرجيوس يحتل منصب رئيس الوزراء في الحكومة الأموية. كلف الراهب الإيطالي كوزماس بتعليم ابنه اللاهوت والبلاغة والتاريخ الطبيعي والموسيقى والفلك. بعدما انتهى كوزماس من تعليمه اعتزل إلى دير القديس صابا. يتكون هذا الدير من العديد من الكهوف المنحوتة في سفوح الجبال المرتفعة الواقعة بين القدس والبحر الميت. وقد رغب يوحنا أن يتبعه.
بعد موت أبيه المفاجئ، عينه الخليفة الأموي عبد الملك في منصب سكرتيره الأول وهو من أرفع المناصب في الإمبراطورية الأموية. في عام 726م أمر الإمبراطور البيزنطي ليو الثالث بتدمير كل صور وتماثيل السيد المسيح والقديسين، وهكذا بدأت أزمة الصور الدينية. أصدر يوحنا منصور بحثا يفند ويستنكر موقف الإمبراطور. دافع عن إكرام وتقديس الأيقونات الدينية على أساس تعاليم الكتاب المقدس وكتابات آباء الكنيسة.
أثار موقف يوحنا منصور غضب الإمبراطور البيزنطي فتآمر للنيل منه. زيف خطابات موجهة له من يوحنا تخبره عن ضعف الدفاع العسكري الأموي لمدينة دمشق وتحثه على غزوها. عندما رأى الخليفة الأموي هذه الخطابات أمر بقطع يده اليمنى. لم ينم يوحنا تلك الليلة وظل يصلي بحرارة ودموع متشفعا بالقديسة مريم العذراء وواضعا يده المقطوعة عند معصمه. عند فجر هذا اليوم التحمت يده بمعصمه وأصبحت سليمة. فأعطى كل ثروته للفقراء والتحق بدير القديس صابا. قضى بقية حياته في قلايته في أحد الكهوف. رُسم قسا في سنة 735م، وانتقل إلى السموات في سنة 750م. القديس يوحنا الدمشقي هو آخر آباء الكنيسة الشرقية القدماء.
للقديس يوحنا الدمشقي مؤلفات كثيرة. كتب ينبوع المعرفة، وهو مؤلف ضخم يتكون من بحث في المنطق، وملخص للبدع، وشرح تفصيلي للإيمان الأرثوذكسي المسيحي وعقائده المختلفة. كما كتب مجادلات ضد محطمي الأيقونات الدينية، مواعظ، تعليقات على الكتاب المقدس، مقالات عن النسك، صلوات، تراتيل كنسية، وقصة بارلام ويواساف.

( 4 ) القديس أوغسطينوس (ت 430م)
أوغسطينوس هو أحد الآباء الغربيين الأولين للكنيسة. يعتبر أب اللاهوتيات اللاتينية في الكنيسة الغربية. وُلد في 13 نوفمبر 354م في شمال أفريقيا. أكمل دراساته في قرطاجنة بتونس. قام بتدريس القواعد والبلاغة في قرطاجنة وروما وميلانو. علمته أمه المتدينة مونيكا المسيحية. لكنه ترك الإيمان المسيحي الأرثوذكسي في التاسع عشر من عمره.
تبع أوغسطينوس الديانة المانية. ثم تركها بعدما أدرك تناقضاتها. عاد إلى المسيحية تدريجيا متأثرا بوعظ القديس أمبروز ونتيجة تأملاته الشخصية. بعد ذلك ترك عمله الطموح، وفي عام 386م انفصل عن المرأة التي عاش معها منذ كان في السابعة عشرة من عمره. تعمد في 387م وأصبح راهبا وكرس حياته لخدمة السيد المسيح. في عام 391م ذهب إلى مدينة هيبو بالجزائر حيث رُسم قسا، وأسس ديرا، وبدأ يعظ. رُسم أسقف هيبو (مدينة في شمال أفريقيا بالجزائر) في عام 397م. إنتقل إلى السماء في 28 أغسطس 430م.

أحب الأسقف أوغسطينوس شعبه كثيرا واشتهى ألا يخلص ويذهب إلى السماء بدونهم. كان يعظ بضعة مرات أسبوعيا، ويحل المشاكل، ويساعد الفقراء والمرضى. كما قام بتنظيم الأديرة ورجال الكهنوت وإدارة الكنيسة. بالإضافة إلى هذا، قام بخدمة الكنيسة الأفريقية والعالمية، برحلاته الطويلة لحضور مجامع الكنيسة الأفريقية، وبشرحه للإيمان الأرثوذكسي ودفاعه عنه.

كان القديس أوغسطينوس فيلسوفا ولاهوتيا وشاعرا ومحاجا وكاتبا وراعيا لشعبه. أصدر مؤلفات كثيرة في مواضيع مختلفة: سيرته (الاعترافات والمراجعات)، الفلسفة، المجادلات (ضد المانيين، والدوناتيين، والبلاجيين، والأريوسيين)، اللاهوتيات، الأخلاقيات، الرعويات، النسك، وتفسير الكتاب المقدس (ويشمل تعليقات على إنجيل القديس يوحنا الرسول ورسائله وسفر المزامير)، ومواعظ مختلفة.

( 5 ) القديس أنطونيوس أبو الرهبان (ت 356م)
القديس أنطونيوس هو مؤسس الرهبنة التوحدية. وُلد لعائلة مسيحية غنية في حوالي سنة 251م في قرية قيمن قرب بني سويف. وقد كتب القديس أثناسيوس سيرته.
بعد موت أبويه باع كل ميراثه ووزعه على الفقراء، وبدأ يمارس حياة النسك. ولقد حثه على هذا قول السيد المسيح للرجل الغني الذي سمعه عند قراءة الإنجيل في إحدى الخدمات الكنسية: "إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبِعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي" (مَتَّى 19: 21).
عاش في قلعة مهجورة في صحراء مصر الشرقية لمدة عشرين سنة. ثم انتقل إلى جبل القلزم الذي يبعد عن البحر الأحمر بحوالي عشرين ميلا. التف حوله كثيرون واحتذوا بمثاله. كل راهب عاش حياة منفردة. ترك وحدته وذهب إلى الإسكندرية في اضطهاد الإمبراطور ماكسيميانوس ليشجع ويقوي المسيحيين المضطهدين وليحثهم على الاستشهاد لأجل المسيح. وكان معروفا بصلواته طول الليل. وقد كثرت المعجزات التي صنعها الله على يديه. بعد 85 سنة من حياته في الصحراء، انتقل القديس أنطونيوس إلى السماء في سنة 356م على جبل القلزم، وكان يبلغ من العمر 105 سنة.
كان القديس أنطونيوس معروفا بالحكمة. كان يقرأ لغة واحدة فقط وهي اللغة القبطية المصرية الوطنية. ومن المعروف أنه قال لأحد الفلاسفة: "كتابي هو الطبيعة، وبذلك أستطيع قراءة لغة الله.” ولقد أرسل خطابات إلى أباطرة ينصحهم ألا يخدعهم مجد هذا العالم الزائل، وأن يتذكروا دائما أن السيد المسيح هو وحده الملك الأبدي. وكان يحثهم أن يحكموا بالعدل ويذكروا الفقراء. كما كتب رسائل للرهبان يحثهم على المثابرة والمواظبة على الحياة الرهبانية، ويحذرهم من العودة إلى العالم ومن البدعة الأريوسية. ولقد اعتاد أن يقول: "لا يفتكر من ترك العالم أنه قد ترك شيئا عظيما. الأرض بأكملها لا شيء إذا ما قورنت بلانهائية السماء."
وللقديس أنطونيوس عظات كثيرة موجهة للرهبان كانت تزيد حماسهم لحياة التقشف، وتجتذب آخرين للرهبنة. لذلك تزايد عدد مجموعات الرهبان.
ولقد تم بناء دير الأنبا أنطونيوس في صحراء مصر الشرقية بالقرب من البحر الأحمر بالقرب من المغارة التي قضى فيها معظم حياته.

تصفح

[0] فهرس الرسائل

[#] الصفحة التالية

الذهاب الى النسخة الكاملة