المحرر موضوع: كلمة سيادة المطران جورج خضر عن لوحة الفنان اللبناني شوقي دلال من وحي "أبجدية إنانا" لشوقي دلال -  (زيارة 3777 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عنكاوا دوت كوم

  • مشرف
  • عضو مميز متقدم
  • ***
  • مشاركة: 37169
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كلمة سيادة المطران جورج خضر عن لوحة الفنان اللبناني شوقي دلال
 
من وحي "أبجدية إنانا" لشوقي دلال - ألمقدّس عبر الأسطوريّ




عنكاوا كوم – خاص

عندما تحيد عن رسم النهضة الإيطالية والاوروبية بعامة وتكسر الطبيعوية تكون قد أتيت من رؤية ، إذا خرجت على الإنطباعيين لا تخرج إلا بفلسفة ، ما فلسفة شوقي دلال؟ سؤال طرحته على نفسي لمّا رأيت لوحة مسيح معلقة على جدار في بيته في راشيا الوادي . هل هذا مجرد فن تشكيلي أم نحن أمام قراءة جديدة ؟ هل نحن مع المسيح رمزاً أم حقيقة كما تنزل على الفنان . أعترف بأني كنت كثير التعاطف واللوحة ربما لأني لمستها حانّة على النسق البيزنطي . هل شوقي دلال أيقونوغرافي ؟ من أين يطلع؟.                   
لا يكفي أن تكسر الطبيعة ، هذه الملموسة. ولكن بعد ذلك يجب أن تلملم الكسر . ولكنت من قال أن عصر النهضة مقياس الجمال ؟ لماذا سلمنا أن قانون الجمال وضع في أثينا في القرن الرابع قبل الميلاد ؟ القضية في حسباني قضية إختيار . تختار أيضاً إذا شئت مصر أو سومر لأنك تريد أن تقول شيئاً آخر لا يستطيع اليونان أن يقولوه . لأنك على قراءة أُخرى للإنسان ، المقاييس ليست إذن واحدة وليس عندنا قاموس أستيتكي واحد .             
لماذا هذه العيون المفتحة ، المُغالية في إنفتاحها وهذه الوجوه المبسوطة والمواجهة ولا تراها جانبية ؟ هذا ليس فن أطفال .. فشوقي دلال تعلم الفن واخترق مدارسه واعتمد ما سماه الأوروبيون الفن الساذج NAIVE ART بحيث يبدو لك العمل،آتياً على سجيته. قد يُقال أن الأطفال هكذا يرسمون، ولكن إذا إعتمدت الطفولة إعتماداً واعتنقتها من بعد زهد تكون مررت بعملية هي غاية في التعقيد. هذه هداية .                               
شوقي دلال طريّ وطراوته تدق على أبواب القلب . يتمتع بمواهب تصويرية لا ريب فيها ، ينطلق من رؤية فطرية ولكن ما من فنان يولد على الفطرة ، هذه فِطرة مختارة .                                                               
بعد هذا يُدخلنا في نسق أيقوني، طبعاً علاقته بالأيقونة فلسفية، هو لا يتأسلب على طريقتها ، هو لا يمارس فناً إلهياً ، لا يُباشر النورانية ولا علاقة له بأشخاص سماويين . الخلفية الحمراء والصفراء وعلى شيء من الأخضر مُذهلة في حرارتها ، ولكنها حرارة من هذا العالم ، غير أنه عالم يرنو دائماً إلى آخر . أي آخر ؟ لا يبدو لي أنه يُصرّح ، مع ذلك عنده شيء من المنظور ، عنده لوحة غير مرسومة .                                                     
خذوا مثلاً رسمه لمار جرجس. الموضوع هو إياه الشهيد الفارس يقتل التِنّين ، يمتطي الفرس الصفراء بما يُشبه ساقا ، يتجاوز الأبعاد التشريحية وواقعية الجسم ، هذا منه صدر وجه ، الرمح أبرز ، يستطيل وجه الفرس لتُذهل بالقديس في إنتصاره على الوحش ، أنت في عالم البداية والنهاية معاً وفي فتح الله حيثُ القوي يُقتَل شهادة ، الأشياء مبسوطة هكذا على ما يُشبه العفوية ، عفوية مُصطنعة بِلا شك من أجل العودة إلى الينابيع .                       
الريشة في خِدمة صور عن عالم علوي يراه شوقي دلال في خبرته وعلى طريقته ، ولكنها خبرة تمرُ ليس فقط إلى حِسّنا الفني ولكن إلى شيء آخر أيضاً يمكن ..إذا استعرنا مُصطلحاً صوفياً.. أن نُسميه الذوق كأنك تحتاج إلى نوع من التلاقي بين الروح العميقة الرائية والاستيتيكي . أنت مع تعبير كامل ينقل قراءة لرسالة من باطن الكيان . كان يمكن نقل الرسالة بأدوات أُخرى ، بالشِعر وشوقي دلال على طريقته شاعر ، ولكنه آثر الصورة ، هذا شأنه وهذا سره وكأنك تحتاج إلى هيبة لتنبش هذا الرجل وتنزل إلى شروشه . وعندما تمتد الشروش لتصير أغصاناً وثمراً تطلع عليك نكهة ولا أطيب .     
خطوط مختزلة وألوان سخية تقول الكائنات والقديسين وعناصر الطبيعة وكُلها ساكنة أحلام هذا الفنان وتتحرك في مدى تصويري وجهي خارج الزمان ليقول المباشر .                                                           
هُناك زُخرُف ، ما في ذلك ريب ، ولكن إحساسي أنك لن تفهم شوقي دلال إن رددته إلى الزُخرف ، ذلك أن رسالة المُقدس في هذا النص الميتولوجي واضحة ، هو يسبح في عالم ال MYTHOS يجب إبقاء الكلمة اليونانية ولا يُمكن نقلها إلى اسطورة ، فأن ما سماه القرآن "أساطير الأولين" في غير آية إنما يُرادف الخرافات ، في حين أنك مع ال MYTHOS أو ال MYTHE أو ال MYTH تعامل الحقيقة .                                                           
شوقي يتعامل والقصص القديم حراً من كل شيء وحراً كلياً من النحت السومري ، أظن أن فناننا له علاقة بكل الشرق ، بفيوم ، بتدمر ، له جذور بكامد اللوز الفينيقية ، بمصر القديمة ، يستعير فقط إلهة سومرية هي "إينانا" إستعارة تسمية لعنوان معرض "أبجدية إينانا" .                                 
إينانا هي عشتار ، نجمة الصبح ونجم المساء ، تسوس الحرب والحب ، لماذا إختار شوقي دلال إينانا ؟ أظن أنه آثر الحب على الحرب من هذا الفن السومري الذي يبقى واحداً من أعظم فنون العالم القديم . يزين لي أن إينانا تسمية رمزية لكل مصادر هذا الشرق ، أظن أن رسامنا أراد أن يقول الميثولوجيا والمعيش معاً ، فعشتار وعشتروت وافروديتس و VENUS واحدة ، ما من مصدر أقوى إلهاماً . يجيء صاحبنا من رمز عمره الألف الثالث قبل الميلاد .                                                                             
غير أن الرمز أراد صاحبنا ترجمته في عبارة فقال أبجدية إينانا ، هل يريد بذلك أن الحب فيه كل الحروف وأنك إذا بدأتَ بألِفِه تصل إلى يائه ، يهجىء الطفل تهجئة ، هل يحتاج الفنان الطفولي أن يسير بخفر لئلا يظهر كالأذكياء ، أن يتمتم هو أيضاً ، لا ، إعتقادي أن لشوقي دلال لُغة كاملة ، ولكنها لغة الذين يولدون اليوم من الفجر ، الذين أصلهم في الحلم وأدواتهم أدوات الطراوة . لشوقي دلال أن يقرأ سومر هذا والقارىء يضع نصاً جديداً .       
بهذا كان صاحبنا مثيل البيزنطيين . فهم لا يتحدثون عن راسم أيقونة ولكن عن كاتب أيقونة ، هي لغة لأنها تنقل اللوح المحفوظ في اسلوبها . وتقول أيضاً بيزنطية عن الرسام أنه يكتب الحياة . هذا النازل من أم الكتاب هو الحياة . شوقي دلال يكتب المحبة بمعناها الواسع فإذا أنت تمثلتها تكون لك نفس غير منثلمة ، بِكر كالفجر الأول في الفردوس .                           
                                                   

 المطران جورج خضر


أي نشر، أو إعادة تحرير لهذه المادة، دون الإشارة الى " عنكاوا كوم " يترتب عليه أجراءات قانونية
أي نشر، أو إعادة تحرير لهذه المادة، دون الإشارة الى " عنكاوا كوم " يترتب عليه أجراءات قانونية