المحرر موضوع: أيّة شمعة انطفأت في مسرحنا العراقي  (زيارة 1044 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل david gorgius

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 5
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
أيّة شمعة انطفأت في مسرحنا العراقي


ما اصعب الكتابة عنْ إناس كانوا بالأمس بيننا واليوم غيبهم التاريخ!
ما اصعب أنْ تفارق إنسان عرِفته استاذاً وصديقاً وزميل مهنة!
ما صعب في هذه الحياة انْ نفارق انساناً ومبدعاً في آن واحد!
الكلمات تأبى الخروج من اليراع لتؤكد هذا المصاب الجلل!
الأفكار هي الأخرى تأبى التركيز، بل تراها مشتتة هائمة من حول الخبر- الصدمة!

مات عوني كرومي... يا لهذا الخبر الصاعق! الّذي للوهلة الأولى تأبى الأسماع عن تصديقه
تحاول توسيع حدقة العين مركّزاً اياها على الخبر، تهرب منك الكلمات في كل الجهات
احقيقة هذا الحدث الفاجع الّذي تناقلته وسائل الأعلام ام أنّه....!

نعم فارق الحياة، وبصمت، الفنان المبدع والأنسان الوديع ووسيط الثقافات وصديق الجميع عوني كرومي
خذله قلبه الّذي كان كبيراً "كبر الغابة" يتسع هذا العالم ويتسع كل معارفه واصدقائه وجمهوره ومسرحه، لكن هذا القلب ابى إلاّ ان يكون ضعيفاً تجاه حامله، المبدع عوني كرومي!

غادرنا عوني كرومي بصمت بعيداً عن وطنه، بعيداً عن مسرحه وجمهوره، تماماً كما غادرنا قبله مسرحيون كبار كجاسم العبودي ذو النظرة الثاقبة وجعفر علي الأنسان الرقيق وابراهيم جلال محبوب الجميع وبهنام ميخائيل القديس وزينب درة المسرح العراقي وجعفر السعدي اب الجميع دون منازع كل هؤلاء العمالقة سبقوك يا عوني الى عالم الخلود بابداعهم الذي يعيش بيننا.. !
يا لهذا الزمن العسير الّذي لم يمنحنا الفرصة لنلقي نظرة الوداع لأساتذتنا ومبدعينا بالقدر الّذي يليق يهم كما تفعل الأمم المتحضرة. يا لقساوة هذا الزمن الّذي أرغم المبدع لأنْ ينزوي في زاوية النسيان سواء في بلده او تلقفته منافي الغربة بقساوتها حيث هناك يعاني المرض والغربة والموت كما في حالة فناننا المبدع عوني كرومي.

اول معرفتي بالفنان الدكتور عوني كرومي تعود الى اكثر بقليل من ثلاثين عاماً، وبالتحديد عام 1975، وقتها كنت طالباً في السنة الأخيرة من قسم الفنون المسرحية، فرع الأخراج المسرحي  في اكاديمية الفنون الجميلة وكان المرحوم قد قَدِم تواً الى العراق من المانيا الديمقراطية حيث كان يدرس الدكتوراه وكان بمعيته استاذه المشرف البروفيسور يواكيم فيباخ ليدافع عن المرحلة الأولى من اطروحة الدكتوراه في بغداد وليقدم بحثاً نظرياً عن اقدمية المسرح في بلاد الرافدين على المسرح الأغريقي. وما اسعدني اكثر أنه حضر والبروفيسور يواكيم فيباخ اضافة الى استاذي المشرف ابراهيم جلال العرض الثاني للعمل المسرحي الّذي قدمته كأطروحة التخرّج وكانت مسرحية "عدو الشعب" للكاتب النرويجي هنريك إبسن. ولن انسى تلك الملاحظات القيمة الّتي ابداها لي الراحل عوني كرومي لا سيما وانا اضع الخطوات الأولى في عالم الأخراج المسرحي.

المرة الأخرى الّتي التقيت بالراحل كانتْ على ما اتذكر عام 1995 في مدينة غوتنبورغ السويدية حيث اقيم، إذْ استضفناه مع الفنانة انعام البطاط والفنانة المبدعة نماء الورد لكي يعرض مسرحيته الجميلة والشاعرية "ترنيمة الكرسي الهزاز".
اتذكر جيداً عندما استقبلته في محطة القطار وهو يهم الخروج من مقطورته مطلقاً تلك الأبتسامة العريضة مرسلاً في الفضاء كلماته الّتي لا زالت ترّن في مسمعي "ها اننا نلتقي ثانية بعد فراق طويل يا كوركيس" إذْ إعتاد ان يناديني مقدماً اسم الأب على اسمي الأولي. وكان لنا حديث طويل وشيق في المسرح والغربة والحياة خلال فترة اقامته القصيرة في مدينتنا، ارجعنا ذلك الحديث عقدين من الزمن، ارجعنا الى ذكريات الأكاديمية ومسرح الستين كرسي.. الى اساتذة المسرح العراقي سواء الّذين رحلوا دون انْ يتذكرهم او يكرمهم الوسط الفني والثقافي، او اؤلئك الّذين يعملون في ظروف صعبة ولم نكن نعرف حينها ان الّذين سنفارقهم هم اثنان من  مبدعي المسرح العراقي، زينب الّتي رحلت عام 1998 وهو الّذي رحل بالأمس!
حدثني في هذا اللقاء عن ورشته المسرحية في برلين وتجربته في تعميمها في بلدان الشتات، حيث يتوزع العديد من المسرحيين العراقيين.. يا لهذه الطاقة الّتي لا تكلّ عن العمل رغم الصعاب وطول المسافات. كان يريد انْ يتواصل، عبر هذه الورشة، مع زملاؤه واصدقائه المسرحيون، لذا كان دائب الأتصال بهم في فيينا واوسلو في غوتبوبرغ وستوكهولم في مالمو وكوبنهاغن..
اي قلب نابض بحب المسرح هذا الّذي يركض دائماً ليتواصل مع المسرحيين مختزلاً الزمن والمسافات!

اخر مرة تحادثنا مع بعضنا كان قبل عدة سنوات دعاني فيهل لحضور احدى اعماله الّتي قدمها في برلين، لكنّي للأسف لم استطع تلبية هذه الدعوة إذْ كان لضيق القت دوراً في ذلك.
كان عوني كرومي الوديع في مظهره، كتلة من الطاقة لا تكل عنْ العمل!
كان مبدعاً على خشبة المسرح مخرجاً وممثلاً
كان مفكراً لامعاً في حقل المسرح تحليلاً ومعالجة
كان عوني انساناً رائعاً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى
كم كنت اتمنى ان لا اكتب عنه بصيغة ال "كان" لكن هذه هي الحياة
وداعاً ايها الأنسان الجميل
وداعاً ايها المبدع الرقيق
انك تفارقنا جسدياً لكن ثق ستبقى معنا في ابداعك ابدأً

الدكتور داود كوركيس داود
  [/b]