المحرر موضوع: منظمة راية الشغيلة وتجربتي معها  (زيارة 2268 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل جاسم الحلوائي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 99
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
حدث هذا قبل نصف قرن - القسم الثاني
منظمة راية الشغيلة وتجربتي معها

( 5 ــ 5 )
   
جاسم الحلوائي                                                                       
              jasem8@maktoob.com                                                                                                                                                               
أعتقد إن قيادتي الطرفين كانت ترى بأن في  الإدانة الصارمة للإنشقاق ضمانة لعدم تكراره في المستقبل، وإن إلقاء قسط وافر من مسؤولية الإنشقاق على عاتق قيادة(باسم) البيروقراطية و..الخ في الإنشقاق سيخفف من الصرامة المطلوبة ونتائجها المرجوة. ولم تزك الحياة هذا المنطق. فبعد أحد عشرة عاما حصل إنقسام خطير في الحزب وكان للبيروقراطية والنزعة اليسارية المغامرة دورهما في ذلك؛ ولست بصدد التوقف عند هذا الإنقسام فهو خارج موضوعنا.

نجح سلام عادل في توحيد الشيوعيين في حزب واحد؛ وكان ما يؤخذ عليه هوإعتبار إن ما تم صفقة، وليس حلا مبدأياًً، بين سلام عادل وجمال الحيدري وعامر عبد الله (أو بدون الأخير)، وإلا فكيف أصبحا جمال الحيدري وعامرعبد الله أعضاء في  المكتب السياسي بتلك السرعة ؟ لألقاء الضوء على هذه النقطة، يمكن الرجوع الى ماكتبه سلام عادل في 26 كانون الثاني 1960 في جريدة "إتحاد الشعب" العلنية، في معرض توضيحه الظروف التي أدت الى تغيير إسم الجريدة المركزية للحزب من "القاعدة" الى "إتحاد الشعب"، حيث يذكرمايلي : "... فكان أن دخل ممثلو الحزب الشيوعي العراقي وممثلو منظمتي "راية الشغيلة" و"وحدة الشيوعيين" مفاوضات سادها جو مبدأي عملي تكللت..." [خط التشديد مني. ج]

هناك إذاً جانبان للمسالة أحدهما مبدأي والآخر عملي. المبدأي معروف، هو إدانة الإنشقاق وتحميل المنشقين كامل المسؤولية عن ذلك، بلا لبس وغموض، وحل المنظمة. واللقاءات المطولة التي جرت بين سلام عادل وكوادر من منظمة "راية الشغيلة"،  ولم تقتصر على مَن وردت أسمائهم في أعلاه، كانت لإقناعهم بذلك، وليس لإطلاعهم على "صفقة". والعملي ليس لغزًا، فهو المرونة في الشؤون التنظيمية بما في ذلك الإتفاق على وضع المكتب السياسي واللجنة المركزبة، وربما تغيير إسم الجريدة، بعد وحدة الحزب. ويذكر المؤرخ حنا بطاطو في هذا الصدد مايلي: " ولم يعد جمال الحيدري وجناحه الى الحظيرة حتى 17 حزيران (يونيو) 1956، يوم تم التوصل الى إتفاق ينص على تمثيل "وحدة الشيوعيين" و "راية الشغيلة" والحزب الشيوعي في اللجنة المركزية الموحدة الأولى بنسبة 1: 2: 8: على التوالي، وعلى أن تتم الإختيارات في المستقبل، على أعلى المستويات وعلى مستوى كل الأجهزة الحزبية، "فقط" على أساس الكفاءة والصلابة..."   

وهكذا، فإذا كان الجانب المبدأي ستالينيا، بتقديس وحدة الحزب،  بإعتبارها "أسمى مبادئه"، على حساب إدانة النهج اليساري المغامر والسلوك البيوقراطي الفردي الذي كان لهما دورا كبيرا في الإنشقاق، فقد كان الجانب العملي إختراقا للستالينية، وتقاليدها في حزبنا، في أسلوب "تصفية" المنظمات والكتل الأنشقاقية. وبالتالي يمكن إعتبار ذلك مأثرة من مآثر سلام عادل وكذلك الرفاق الذين ساهموا معه في تحقيق وحدة الحزب؛ آخذين بنظر الإعتبار في هذا التقييم،  بأن ذلك حصل قبل نشر التقريرالسري للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي الذي يدين فيه عبادة الفرد ــ عبادة ستالين.
 
في آذار 1956 ،وانا واضعا إذني لصق الراديو لسماع إذاعة موسكو (كان سماع إذاعة  موسكو ممنوعاً) وإذا بها تذيع تقريراللجنة المركزية ،الذي تحدثت وسائل الأعلام عن وجوده قبل نشره. ومما سمعته، وما معناه، هو: " لقد أصبح نقد ستالين وكأنه نقداً للإشتراكية، وبالتالي خيانة للوطن الأشتراكي. ولذلك كان هناك الكثير من الرفاق المخلصين الذين يتحسسون الأخطاء ولم ينتقدوها ...الخ، وبذلك وجدت حلا للأزمة التي كنت أعاني منها. لقد فهمت بأن ممارسة النقدغير مجدية في ظروف معينة، وبالتالي لم يكن صحيحاً ممارسة النقد الأصولي تجاه قيادة (باسم) الفتية ولو لم يحصل ذلك لما حصل الإنشقاق!
 
بعد أيام قليلة وصلنا باقر إبراهيم للمرة الثانية، فأخبرته بما توصلت اليه؛ فطلب مني أن أكتب ذلك في رسالة للحزب. وقد فعلت ذالك. لم نناقش يوما، أنا وباقر، تحفظاتي التي أشرت اليها حول طريقة حل منظمة "راية الشغيلة". في هذه السفرة سلمني باقر خلية فلاحية تتكون من خمسة أو ستة رفاق في ريف (بساتين) كربلاء. في الإجتماع معهم تطرقوا الى "راية الشغيلة" وتهجم بعضهم على المنظمة مستخدمين كل الألفاظ القبيحة الوارد ة في بيان الراية وأدبيات الحزب، متظاهرين بعدم معرفتهم بيّ. نظرت الى باقر مستاءً فتحدث باقر مخففا من غلوائهم. ولم يكرروا ذلك لاحقاً، فقد أصبحت مسؤولهم الحزبي .

بعد فترة وجيزة إنضممت الى لجنة محلية الحلة وكان معي في اللجنة حمد الله مرتضى وعنصر آخر، رحل من عندنا بعد أول إجتماع، وكان باقر سكرتير اللجنة. أما لماذا ربطت منظمة كربلاء بالحلة  وليس بالنجف، خاصة وإن النجف وكربلاء كانتا محافظة واحدة آنذاك؟ أعتقد كان ذلك لإدماج تنظيمات "راية الشغيلة" بالحزب. ومن الضروري الإشارة الى إن الحزب إحتضن رفاق المنظمة،إنطلاقاً من نهج تعزيز وحدة الحزب .

وإذا تكلمنا بعقلية اليوم نجد إن الحياة تشير الى إن الأحزاب الشيوعية كانت تفتقر للديمقراطية، وبالرغم من إن أنظمتها الداخلية تنص على إن بناء الحزب يقوم على أساس المركزية الديمقراطية، فالمركزية كانت طاغية والديمقراطية ضئيلة. وكانت الستالينية ملزمة لها نهجا وفكرا، وذلك أحد الأسباب الهامة  للإنقسامات في تلك الأحزاب،  وفي نفس الوقت سبب المعالجات الخاطئة لها. بل وأكثر من ذلك؛ إن هذه الأحزاب لم تتحول الى أحزاب ديمقراطية، حتى بعد إدانة الستالينية، لأنها حرصت أن تبقى أمينة لنظرية وطبيعة وأهداف "حزب من طراز جديد" فإنهارت الأنظمة الشمولية التي بنتها في الإتحاد السوفيتي واوربا الشرقية. لقد أجرت الكثيرمن تلك الأحزاب تغييرات جذرية في بنيتها وطبيعتها وأهدافها لتتحول الي أحزاب ديمقراطية تؤمن بالتعددية وبتداول السلطة السلمي وتنتخب هيئاتها القيادية بحرية تامة .

أما الأحزاب غير الحاكمة فدخلت في أزمة وجود(تبقى أم لاتبقى). صحيح أن االمثل والقيم والأهداف النبيلة للإشتراكية (حرية، رفاهية،عدالة إجتماعية، مساواة) تعبر عن الحاجات و الطموحات العميقة لشغيلة اليد والفكر، ألا إن تحقيق تلك الأهداف لايقع في الأفق المنظور، وبالتالي فإن دَمقرطة هذه الأحزاب لنفسها  ولبرامجها ولأساليب عملها وخطابها السياسي، بما ينسجم ومتطلبات التطور التاريخي لبلدانها، كفيل بديمومتها وعدم تهميشها، بل ويمكن أن يكون لها شأن كبير في الحياة السياسية والإجتماعية في بلدانها، كما هو الحال بالنسبة للكثير من الأحزاب الشيوعية السابقة في اوربا الشرقية.  وهذا ما سعى ويسعى اليه الحزب الشيوعي العراقي ايضا .