المحرر موضوع: عيشُ حياةٍ أخرى وهمية في شبكة الانترنت  (زيارة 1356 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل الأب ألبير هشام

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 38
    • مشاهدة الملف الشخصي
عيشُ حياةٍ أخرى وهمية في شبكة الانترنت

سأذكرُ في البداية حدثًا واقعيًا سيساعدُ على توضيح ما أبغي توصيلُهُ من خلال مقالتي هذه...
عام 1999، قامَ أحدُ روّاد شبكة الانترنت بتصميم موقعٍ فيها، يهدفُ إلى تقديم خدمةٍ جديدة لزائريه، وهي تقديمُ أراضٍ في عالمٍ وهمي – لا وجودَ له في الواقع سوى على شبكة الانترنت – وتشجيعُ كلّ من يقتني واحدةً منها على بناءِ منزله الخاص عليها، وتصميمه على مزاجه وذوقه، فيستمتع به ولكن، في شبكة الانترنت فقط! بعد مرور أربعة سنواتٍ فقط، أي عام 2003، تطوّرت فكرةُ هذا المشروع في موقعٍ آخر، يمكّن صاحبَه هذه المرة من أن يعيش "حياةً أخرى، ثانية"؛ إذ يسمحُ له باختيارِ شخصيةٍ أخرى "افتراضية" أو "وهمية"، وبأن يضعَ بنفسه ملامحَ هذه الشخصية، الجسدية منها: كلون الشعر والعينين، الطول والوزن... والنفسية: كالمزاج والحياة الاجتماعية... كما يمكنُ أن يعطي لنفسه إسمًا جديدًا، وأن يختارَ البلدَ الذي يعيشُ فيه، والعمل والدراسة التي يرغبُ فيهما، والأشخاص الذين تربطهم به علاقة حب أو صداقة... الخ. فهذه التقنيّة باختصار تعطي المرءَ حريّة وإمكانية عيش حياةٍ ثانية، عادةً ما تكون مختلفة عن تلك الواقعية، يبدأ بممارسة نشاطاتها وعيشها حصريًا على الانترنت، ولها من الخصائص الأخرى ما لا يمكن حصرُهُ هنا في أسطرَ قليلة.
نعلمُ أن الانترنت مبنيٌ في الأساس على مبدأ "الافتراضية" (Virtual) وهي مرحلةٌ من التطور وصلتْ إليها التقنيةُ الحديثة لإيصال المعلومات ونقلها، وهي تقنيةٌ رائعة جدًا يمكنُ الاستفادة منها اليوم لأغراض البحث والدراسة أو التسلية وتبادل المعلومات بكلّ سهولة وفي كلّ مكان، والتي توفّرها لنا اليوم شبكة الانترنت الضخمة في حجمها وتنوعها. حتّى أن الكنيسة في وثائقها تشجّعُ على استخدام هذه الشبكة ليس من أجل نقل بشرى الخلاص فحسب، بل من أجل استغلالها في جميع المجالات التي تعمل على نموّ الإنسان وتقدّمه... إلا أن هذا المثل المذكور أعلاه، يعكسُ لنا وجودَ خطرٍ كبير، يكمنُ في سوء فهم هذه الوسيلة الافتراضية، ويتمثّلُ بالعيش في هذه الافتراضية ذاتها، أي باستخدام الانترنت كوسيلةٍ للهروب من عالمنا، والدخول في عالمٍ آخر أهمُّ ما يميّزُه هو الوهمية وعدم الواقعية.
حتّى أهمُ مقومّات الإنسان وهي علاقاته الإنسانيّة مع إخوتِه البشر، يحاولُ البعضُ الهروبَ منها في الواقع ليلجأ لخلقِ علاقاتٍ جديدة محصورةٍ بشبكة الانترنت لا تمسّ أرضَ الواقع، تساعده في ذلك برامجُ "التواصل الاجتماعي" المتعددة على الشبكة. إذ يتمُّ استخدامها من قِبلِ البعض لعيش علاقاتٍ وهمية، غير حقيقية، مبنيةٍ على فراغٍ عاطفي وإنساني واجتماعي، بينما وُضعِت هذه البرامج في الأساس  لتحافظ على "تواصل" العلاقات التي بدأت وترعرعت في الواقع، وتعملُ على تعزيزها وتقويتها بالرغم من بعد المسافات بين البشر. فهي إذًا تقدّم خدمةً لا غنى عنها لكل مستخدميها اليوم، ولكن البعض أساء فهمها واستخدامها، وهنا يكمنُ الخطر.
يبقى السؤال الذي لابدّ ان يُطرَح: لماذا يهربُ المرءُ من العالم؟ يجدُ الكثيرونَ منّا رغبةً في ذلك، ربما بسبب أعباء الحياة الثقيلة ومشاكلها وتعقيداتها، أو لفشلٍ في عيشِ حياةٍ يحلمُ بها المرء في داخله ويتعثّر في تحقيقها في الواقع، ... وتتعددُ الأسباب لتبقى الرغبةُ واحدة: الهروبُ من هذا العالم والبحث عن عالمٍ آخر يضمن فيه الراحة والأمان والاستقرار، وذلك من خلال البحث عن وسائل معاصرة تساعدُ في هذا الهدف. وهنا تصبحُ شبكة الانترنت المكان الذي يستطيع المرءُ من خلاله تحقيق جميعَ احلامه غير المحققة في الواقع، سواء في الماضي أو في الحاضر، وسواء كانت هذه الاحلامُ شهرةً اجتماعية أو علاقاتٍ شخصيّة أو الحصولَ على منصبٍ ما... الخ. وأعتقدُ أننا كلنا معرّضين لهذه التجربة...!
من يقرأ قصة لقاء يسوع بنيقوديموس في إنجيل يوحنا (3: 1-13)، يجدُ ربّنا يتكلّمُ عن "ولادةٍ ثانية"، كما تترجمها بعضُ طبعات الإنجيل. ولكنه يجدُ ايضًا أن نيقوديموس لم يفهم هذه الولادة بمعناها الصحيح الذي أراده ربّنا، بل يفهمها بمعنى "بدءِ حياةٍ أخرى" إذ يتسائل قائلاً: "كيفَ يمكنُ للإنسانِ أن يولَدَ وهو شيخٌ كبير؟ أيستطيعُ أن يعودَ إلى بطنِ أمِّه ثانيةً ويولَد؟!". يُلتَمسُ من خلال هذا القول رغبة في البحث عن حياةٍ أخرى ثانية بعدما أثقلت الشيخوخة كاهل حياته الأولى، رغبةٌ دفعته ليتسلل ليلاً من دون أن يراه أحد، ليلتقي بيسوع المعلّم. ولكن يسوع الربّ يوجهه نحو حياةٍ "روحيّة" من شأنها أن تجدد حياته الأرضية "نفسها"، ولا يدعوه بتاتًا، مثلما لا يدعونا نحنُ أيضًا، إلى نبذ هذه الحياة وعيش حياةٍ أخرى مختلفة عنها. فالأبدية هي إكمالُ مسيرة الحياة التي بدأت في الأرض، وربّنا نفسه عاش حياتنا الأرضية هذه، تلك التي غالبًا ما نحاولُ التهرّب منها، وجرّب فيها أقسى ظروفها وحالاتها، وصليبه شاهدٌ على ذلك.
لابدّ إذًا من قراءةٍ مزدوجة: قراءةٌ معمقّة للـ"واقع" المعاصر الذي يحاولُ البعضُ التهرّبَ منه باستخدام وسائل عدّة كالانترنت، وقراءةُ معمقةٌ أيضًا للإنجيل واكتشاف "الحقيقة" من خلاله، لنصلَ بهاتين القراءتين إلى عيشِ "الحقيقة" في "الواقع"، وعدم البقاء أو العيش في "أوهام" لا جدوى منها سوى أنها تعبثُ بحياتنا وتوصلها إلى نهايةٍ مسدودة.
إيمانُنا يدعونا لنحبّ عالمنا هذا، لأن الله يحبّه لا بل ضحّى بذاته من أجله، فهو الذي خلقه ووضع فيه الحياة. أما العالمُ "الافتراضي" فلم يصنعهُ الإنسان ليعيشَ فيه ويجعل منه مسكنًا، بل ليستخدمه فقط للخير الخاص والعام. فمن الخطر الالتجاء إليه ظنًّا أنه يحققُ السعادةَ ويخلّصُ من هموم الحياة التي نشتكي منها دومًا، لأنه في الحقيقة يقودُ في النهاية إلى حياةٍ فارغة، لا معنى لها بتاتًا، لأنها بكلّ بساطة: "غيرُ واقعيّة". والواقعُ وحدُه هو الموجود، وهو ما يجبُ أن نعيشهُ ونقبله، ونقبل وجودَنا فيه لا بل أن رسالتنا هي أن نشارك مع ربّنا في بناء هذا الواقع إنسانيًا وروحيًا متخطّين جميع الصعوبات والنقوصات والاخفاقات التي غالبًا ما تطبعه.
الأب ألبير هشام
روما