المحرر موضوع: ما لم يقله احد عن اضراب سد دربندخان -الجزء التاسع و الاخير  (زيارة 1476 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل دنخا البازي

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 9
    • مشاهدة الملف الشخصي
ما لم يقله احد عن اضراب سد دربندخان
إضراب بلا عنف
[/size] [/color]
دنخا البازي ( ابو باز )


للاطلاع على الاجزاء الاخرى انقر على الروابط التالية
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,447913.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,448118.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,449096.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,449765.msg4868817.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,452144.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,452434.msg4887489.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,454898.0.html
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,457308.0.html

الجزء التاسع  و الاخير


وفي رحم هذا المخاض العمالي ، كان الشيوعي الفذ احمد ملا قادر الباني خيلاني وهو المهندس الميداني لأدارة الأضراب ، يدور ويتنقل بين العمال بلا كلل أو ملل ، يقدم لهم هذه النصيحة وتلك ، والى اللجان المعنية بالأضراب بالتشجيع ورسم خارطة الأضراب لهم على أرض الواقع . كان ناحلا ولكنه بحيوية مائة رجل . كان لا يفارق على الأطلاق رئيس النقابة محمد مرزه سعيد وسكرتيرها ابراهيم كريم الملقب بأبو خليل القادم من عاصمة الثقافة والسياسة الكوردستانية ، مدينة السليمانية . هذه الحاضرة التي تضم خيرة مناضلي أبناء الشعب الكوردي ومثقفيه وسياسييه . وكان الأخيران لا يتحركان إلا بعد استشارة رفاقهم في الهيئة الأدارية للنقابة ميخائيل شعيا وبرويس أحمد وجلال كريم (ابو شوارب) وحسين عيشه خان وعلي احمد خورشيد (دعبا) . كانوا هؤلاء أشبه بخلية النحل التي لاتعرف الراحة وهم يخططون لكل شيء من أجل أن ينجحوا في الأضراب الذي اعدوا له بعناية فائقه برعاية أحمد باني خيلاني الذي يختزن خبرة غير عادية في العمل السياسي والتنظيمي .
لقد كان هذا الأحمد مشروعا للنجاح اذا ما وضع لمساته على اي نشاط تاركا بصمات المهندس المخضرم ، وهذا ما كان يتجلى في الأضراب وقبيله . كان يتابع بحرص متناه أعضاء اللجنة التي تشكلت لحماية السد والموظفين والمنشآة بكاملها ، والمكونة من تسعة عمال . فعلي عبد القادر وأسعد ملا قادر الباني خيلاني يعتبران حلقة الوصل بين لجنتهم وأحمد باني خيلاني الذي يمدهم بالتوجيهات ليقوموا بدورهم بأيصالها الى بقية أعضاء اللجنة الذين وضعوا أنفسهم في الأنذار ، حتى أن بعضهم لم ينم ليال عديده إلا دقائق لا تتجاوز الساعة في أحسن الأحوال ، فعبد الله محمد وحمه شريف وعلي حمه أمين وحمه فرج فتاح وسالار محمد نادر وعبد القادر فارس وفائق رشيد مع العديد من العمال ، لم يغادروا ، ولأيام طويلة النقاط المكلفين بحمايتها من السد ، حتى باتت وجوههم كالحة مصفرة بسبب الأرهاق والسهر وقلة النوم الذي دام طيلة أيام الأضراب القليله والتي دامت فقط ثلاث أيام .
أما لجنة المفاوضات التي كان يرتكز عليها ثقل نجاح الأضراب الذي يسير على أكتافهم بدأب وحماس منقطع النظير . فقد كان يتابع مهمة أدارتها مع إدارة الشركة والجهات الرسمية التي حضرت الأضراب ، الدكتورعز الدين مصطفى الذي كان بمثابة المستشار والموجه للوفد المفاوض ، كان يتلقى التعليمات من احمد باني خيلاني دقيقة بدقيقة ، فينقلها الدكتورعزالدين بدوره الى عبد الله حمه وعلي حمه أمين وحمدي حمه وقادر شيخ طه وعبد الله زرا أعضاء لجنة المفاوضات ، ليكونوا على أطلاع بآخر ما يجري .
كان التنظيم والضبط العالي صفة اشترك فيها جميع أعضاء اللجان المذكورة ، حتى ان ثقة العمال بهم بلغت أوجها يوم أعلان البدأ بالأضراب . وكان هؤلاء بمثابة قادة الأضراب الفعليين والذي كان يوجههم بتكليف من المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي ، الشيوعي أحمد ملا قادر الباني خيلاني . فقد كان بمثابة حلقة الوصل بين الحزب وقادة الأضراب .
أول الخطوات العملية لبدأ الأضراب كانت توزيع المذكرة التي تحوي مطالب العمال المقدمة للشركة من قبل لجنة ادارة الأضراب الى جميع العمال . كانت المذكرة بمثابة البيان الأول لهذه الجمهرة الكبيرة لعمال المشروع ، يشرحون به اسباب دعوتهم للإضراب ، وأيضا ينذرون به الشركة من غمط حقوقهم المشروعة التي أحتوتها المذكرة .
لم يختلف أي من العمال الذين اطلعوا على مذكرة الأضراب على أحقية المطالب التي أحتوتها المذكرة ، الأمر الذي جعلهم يقفون صفا واحدا من اجل إنجاح الغاية من الأضراب .
كان يوم البدأ غير عادي في مواقع المشروع . لاعمال ، ولا آلات تمزق صمت المكان كما يحدث كل يوم حتى في أيام العطل الرسمية وأيام الجمعة التي أصبحت في عهدنا الجمهوري الجديد عطلة رسمية .
كان الصمت على غير عادته في مكانات العمل بالمشروع ، فقد ساد المكان السكون والصمت ؛ وكأن الطير على رؤوس الجميع ، بشر وشجر .
أشرت البداية الناجحة والخالية من أي أشكال بأن الأضراب سوف يحقق غاياته الأولى والثانية . الأولى ؛ القاضية بحصول العمال على حقوقهم التي تتعمد الشركة بتغييبها عنهم ، والثانية تتعلق بسلامة المشروع من أي أضرار بما فيه حماية الموظفين الأجانب العاملين في الشركة . وكان المنطلق في ذلك ؛ يكمن في أن رؤية العمال الى كامل المشروع ، على أنه السد ملك للشعب العراقي ، لذا يقتضي حمايته من أية أضرار محتمله من عمليات تخريب يقوم بها أعداء الثورة ؛ لتشويه سمعة العمال الذين يقومون بالأضراب ، وأيضا تشويه سمعة من يدعم هذا النشاط العمالي المتصف بجوانب مطلبية مؤطرة بإطار سياسي .
كان الشيوعي الناحل احمد باني خيلاني في حركة دؤوبة تنسج أحداث ذلك اليوم الربيعي الذي اكتسى بدفء مميز وشمس يطل منها النورعلى كل أرجاء المكان . كان احمد يوجه بتحركاته الزئبقية غير المنظورة تلك ، سيرورة الأضراب وآفاق تقدمه .
وعلى غير العادة لم يحضر أي من عمال المشروع الذين يشتغلون في الوجبة النهارية ، والذين يجب أن يستلموا العمل من عمال الوجبة الليلية الذين غادروا مواقعهم في العمل ، بعد انتهاء فترتهم الليلية .
تلك الاستجابة المدروسة من العمال لقرار النقابة القاضي بعدم المجيء في الصباح كما يجري كل يوم ، قد شكلت ساعة صفر ناجحه للأضراب المنطلق من ساحة النقابة وسوق المدينه عند الساعة التاسعة من صباح ذلك اليوم الندي ، وهو الموعد الذي تقرر لبدأ الأضراب بعد أكتمال تجمع العمال في ذلك المكان .
كانت صبيحة يوم 25 نيسان من العام 1959 يوم البداية للحراك السلمي لعمال المشروع من اجل مطالبهم التي ضمتها مذكرة النقابة الى إدارة الشركة . والتي رفضتها بدورها جملة وتفصيلا ، مما استوجب من النقابة العمل على اتخاذ قرار الإضراب والذهاب به الى أن تتحقق المطالب ، وهو ما أتفق عليه جميع من كان يقف خلف فكرته .
أزدحمت ساحة النقابة والسوق بالآلاف من العمال وسكنة المدينة وهم يدشنون نضالا مطلبيا يمارسوه لأول مرة في هذه المدينة الصغيرة . وكانت كلمة النقابة التي القيت في هذا الجمع الحاشد ، المتضمنة بإختصار شديد أسباب توقف العمال عن العمل ، وانهم سوف لا يتوقفون عن الأستمرار به ما لم تحقق الشركة كافة مطالبهم .
كانت هذه الكلمة هي الأشارة الصريحة الى الأضراب الذي حضره من بغداد ممثل الأتحاد العام لنقابات العمال ، وأيضا ممثل عن كل من وزارتي الأعمار والشؤون الأجتماعية .
في معمعة هذا الجو المشحون بالتوتر كانت لجنة التفاوش مع الشركة قد اعلنت عدم التوصل الى شيء يرضيها ، ومن جانبها أعلنت الشركة عدم قناعتها بمطالب العمال . مما اضفى على جو الأضراب الكثير من التوتر سيما وأن ممثل وزارة الأعمار لم يكن جديا بالوقوف الى جانب مطالب العمال ، بل انه كان موقفا متذبذا وسلبيا على حد تعبير مفاوض النقابة الدكتور عز الدين .
كانت حناجر العمال لم تكف عن ترديد الهتافات التي تمجد الطبقة العاملة العراقية وثورة الرابع عشر من تموز وقائدها الزعيم عبد الكريم قاسم . كانت حماستهم تكتسح كل شيء يمكن ان يقلل من عزمهم على الأستمرار في الأضراب . لم تكن الساعات الربيعية الطويلة تستنزف من همة المضربين في إضرابهم ، بل كانت وجوه الجميع تتصافح بالإنشراح ، والأفواه بالأبتسام ، والقلوب بحب جارف لثورتهم ، والعقول تستشرق النجاح في نضالهم من اجل تحقيق مطالبهم .
الملفت في سياق ما كان يجري ، هو عدم تدخل الشرطة في شأن الأضراب ، او مضايقة المضربين ، بل كانوا مراقبين فقط . وهذا ما لم يكن معتادا من الشرطة على الأطلاق في العهد السابق ، فلا هراوات ولا تمزيق لافتات ولا إعتقالات ولا شهداء ، كما كان يجري في انشطة جماهيرية قريبة الشبه من هذا النشاط الجبار الذي أمتلك قدرة كبيرة على التحدي من خلال الأنضباط العالي والألتزام بما كانت تقوله النقابة .
ما حققه الأضراب من نجاح في يومه الأول أنعكس على عناوين الصفحات الأولى من الصحف الوطنية التي تصدر في بغداد . وكانت اخبار اليوم الثاني للأضراب شبيهة بيومها الأول ، والأضراب مستمر رغم إصرار شركة ( D.K.C) الأمريكية صاحبة المشروع . كان العمال قد إزدادوا حماستا بعد أن مر اليوم الثاني والمفاوضات على أشدها بين العمال وسالبي حقوقهم .