المحرر موضوع: "دولة يوك" لماذا تزداد الهجمات على مسيحيي العراق؟  (زيارة 1032 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل الرابطة السريانية

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 765
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
"دولة يوك"
لماذا تزداد الهجمات على مسيحيي العراق؟
                                                                                                             * حبيب أفرام

حين وصلني عنوان هذه المحاضرة من الصديقة الدكتورة ايدن نابي "بالميل" كنت في أربيل في شمال العراق متكلماً في ندوتين واحدة بعنوان حقوق الانسان في العراق وكانت مداخلتي ان اول حق للانسان ان يحيا. والثانية في المؤتمر ال 27 للإتحاد الآشوري العالمي الذي انعقد لاول مرة على أرض الوطن وكان جوهر رسالتي إذا بقيت الحال على ما هي عليه خاصة في طريقة عمل القيادات الروحية والسياسية المسيحية المشرقية فسيصبحون "مطارنة على مكة".
لكن ما أدهشني ان أغلب من التقيت كان يسألني السؤال نفسه. لماذا يستهدفوننا، لماذا يكرهوننا ( هل يذكركم هذا بسؤال أميركي). لماذا الآن رغم أننا كمسيحيين استطعنا البقاء على أرضنا لألفي سنة رغم ما تعرضنا له من مخاطر وحروب ومشاكل واحتلالات.
سئل قائد عسكري عثماني عن أسباب خسارة معركة في الحرب العالمية الأولى فأجاب لدي عشرة أسباب أولها       " سلاح يوك " أي لا ذخيرة. أجابه المسؤول هذه وحدها تكفي. لا ضرورة لتعداد الاسباب الاخرى.

أولا: "دولة يوك" في العراق. ليس هناك مركز سلطة واحد في العراق. الدولة غائبة أمنياً ولا سلطة لها على كامل أراضيها في ظل انقسامات حتى داخل  الاجهزة الامنية والعسكرية التي هي عرضة  لمحاصصة مذهبية وقومية. لا ثقة بينها. لا مبادرات. إذن فلتان يسمح  لمن يريد ان يعمل ما يريد دون خوف.

ثانياً: عدم شفافية الدولة قضاء وحكماً في الكشف الصريح عمن يقوم بأعمال العنف. لم يوقف ارهابيي الذبح. وإذا أعلن عن توقيف أحد، لا يعلن عن تحقيق.  من قتل المطران الكلداني رحو. ادعى القضاء انه أوقف شخصين وأعدما. من هما من ارسلهما  لمن ينتميان؟ لا أحد يعرف. الآن تقول الحكومة انها أوقفت منفذي الهجوم على كنيسة سيدة النجاة في بغداد هل ستعلن عنهم؟

ثالثاً: هناك تنظيم عسكري أمني متطور لديه فكر إلغائي تكفيري لديه أجندة عالمية، هو مثل جيش عالمي للإسلام المتطرف، عابر للأوطان، لديه إمكانات مالية وخبرات قتالية، هو أعلن انه يستهدف المسيحيين. أصلا هو ضد كل آخر. يقتل الشيعة والأكراد والمسيحيين والاقليات الأخرى مثل الصابئة والشبك واليزيديين. لقد نفذ 50 تفجيراً ضد الكنائس، يغتال. يهدد. يفجر. يروع.
إنه فكر يدعي احتكار الحقيقة ويخوض غمار معركة كونية.

رابعاً: تدخل كل جيران العراق وكل العالم في أحواله. انه بلد وقع تحت احتلال أجنبي وألغي جيشه وليس فقط نظامه، وتفتت في ظل أجندات كثيرة منها محلي، تصاعد الحقوق الكردية وإقامة إقليم له رئاسته وحكومته ومجلسه وجيشه، ومنها تصاعد الحرب السنية الشيعية، الشيعة الأكثرية يحكمون بغداد لاول مرة في التاريخ والسنة الذين خسروا الحكم يرفضون الواقع الجديد ويشعرون انهم همشوا. ومنها إقليمي تصاعد الدور الإيراني، والسوري، محاولة السعودية التأثير عبر المكون السني. التدخل التركي دعماً للتركمان وخوفاً من تكرار التجربة الكردية في أراضيه، كل هذا والمسيحيون الحلقة الضعيفة عدداً ودعماً. كل هذا يجعل الساحة مفتوحة على تصفية حسابات.

خامساً: العامل الذاتي للمسيحيين. فهم منقسمون مذاهب وطوائف، ومنقسمون في أجندتهم السياسية منهم أقرب الى الأكراد ومنهم الى العروبة ومنهم في الاغتراب من لا يقدر الواقع، ومنهم من عقله في الهجرة، وهم بأغلبيتهم أحزاباً وتنظيمات دون حنكة سياسية وتجربة، ويتوهمون ان المبادىء تكفي في العمل السياسي او ان الاحلام القومية تتحقق بالشعر. ليس لديهم اي سند خارجي وأي حليف اقتصادي او استراتيجي. لا جيش لا سلاح لا حتى ارادة مقاومة ولا مشروعاً سياسياً واضحاً، أصلاً عددهم وانتشارهم لم يعد يسمح لهم بأن يكونوا قوة استراتيجية. يبقى ان شكلاً ما من تكوين محافظة لهم او اقليم او حكم اداري او حكم ذاتي او ما شابه في سهل نينوى حيث آخر معقل معقول لمئات من الضيع والقرى هو الحد الادنى الممكن لما يجمع عليه كل المسيحيون لكن الواقع السياسي يجعل تحقيق حتى هذا الحلم الصغير صعب المنال.

سادساً: ان من يدعي انه عالم حرّ غائب عن السمع كلياً حتى ان البعض يتهمه بالتواطؤ المباشر. فهل غريب ان تكون ردة الفعل الغربية على كل تعد ضد المسيحيين استقبال لاجئين جدد. من الولايات المتحدة الى فرنسا والمانيا وبريطانيا يبدو ان أفضل طريقة للتخلص من وخز الضمير ان نجلب مسيحيي الشرق الى الغرب. والغرب يغمض عينيه عن مأساة الشرق. مهتم بالنفط أكثر وطبعاً بإسرائيل أكثر. ان كل نهضة سهل نينوى مثلاً اقتصادياً بحاجة الى دعم مالي ربما بسعر بضعة طائرات، ان كل الضغط السياسي المطلوب على الاطراف لتكون حقوق المسيحيين في الدستور بحاجة الى اجتماع رسمي صريح وحاسم.

سابعاً: دور الإعلام في الترويج لهذا الفكر بطريقة مباشرة او غير مباشرة. تصوير مباشر، يوتيوب- تفجيرات مصورة- إثارة- فكر يروج لنفسه في الاعلام. انه في معنى المفردات المستعملة LEXIQUE كمثل الاقليات الدينية.

ثامناً: ارتباط ما يجري ببعض أحداث العالم: حوادث عنفية في مصر حول سيدة أسلمت  أولا، فكرة حرق القرآن في ميامي، سينودس روما غير مفهوم في الفكر الإسلامي، الاسلاموفوبيا في الغرب.
ان سطحية الفكر الارهابي كمثل نحن وهم، من ليس معنا فهو كافر يستحق الموت.

تاسعاً: صمت الانظمة والاحزاب والتيارات الدينية وعدم تصديها بكل الوسائل الممكنة لهذا الخطر ولهذا الاجرام. لا أمنياً ولا عسكرياً ولا فكرياً ولا اقتصادياً.
انه صراع في قلب الاسلام. اي إسلام سينتصر. الاسلام المتعايش ISLAM LIGHT أو إسلام الاصوليات. الانظمة التي لا تعطي حقوقاً كاملة. أليس أيضاً من تصاعد العنف المؤسساتي ضد المسيحيين، انهم في العراق لديهم كوتا من 5 نواب رغم ان عددهم يعطيهم 14 الى 15 نائباً. لماذا لا يكون نائب رئيس الجمهورية أو الحكومة مسيحياً. لماذا لا يكلفون بأجهزة أمنية. أليسوا الأكثر وطنية. الاقل ارتباطاً بالخارج. انه العقل الذي لا يقبل المساواة.

عاشراً: عقل المسيحي. هل العنف وحده ما يجعله يغادر. هل يحقق هو أجندة الأصوليين. هل صار في عقله ان الوطن فندق إذا ساءت الخدمة فيه يتركه. هل يفضل شيكاغو وديترويت على قراه في نينوى؟ هل في باله انه انهزم وخسر؟ هل في عقله انه ينتمي الى الغرب وليس له مكان في الشرق؟ هل تعب؟ هل ملَ؟ هل صار آخر الآراميين. آخر الهنود الحمر. كما جاء في كتب صدرت أخيراً؟

القضية ليس سؤالا لماذا يزداد العنف؟
القضية إبادة. اقتلاع شعب أصيل من أرضه التاريخية.
اقتلاع المسيحيين من الشرق من حيث شعت المسيحية، لمن نسي ان المسيحية مشرقية من القدس وبيت لحم بدأت وليس من روما ولا من باريس!
إنها قضية. فهل يصبح المسيحيون ضحية الصراع الكبير. وإذا كان إسلام الشرق غير قادر على العيش مع مسيحييه فكيف سيعيش في الغرب الوافد اليه؟
انها أسئلة صعبة. انها مسؤولية إسلامية عربية بالدرجة الاولى، ولكن الاهم إنها مأساة انسانية حضارية لكن العالم لاه ولا مبال وفي ضجيج كل ما يحصل من يسأل عن بضعة ملايين مسيحي في الشرق؟


_________________________________________________________________

محاضرة الملفونو حبيب أفرام رئيس الرابطة السريانية، أمين عام اتحاد الرابطات اللبنانية المسيحية، في مركز دراسات الاديان العالمية في جامعة هارفرد - بوسطن- الولايات المتحدة الاميركية، الاربعاء 8/12/2010