المحرر موضوع: مسرحيات جليل القيسي : الانتظار + الحلم + اليأس = الموت او الضياع الجزء الثاني  (زيارة 1183 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صباح هرمز

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 29
    • مشاهدة الملف الشخصي
مسرحيات جليل القيسي :

الانتظار + الحلم + اليأس = الموت او الضياع


الجزء الثاني



                                                                                                          - صباح هرمز -


ومسرحية (غداً يجب ان ارحل) كمعظم مسرحيات جليل القيسي يدور الحدث فيها في مكان ما من امكنة الانتظار كالمطار في (الابناء الذين لن يعودوا) والصحراء في (زفير الصحراء) والدار في (خريف مبكر) و منطقة حافلة المصلحة في هذه المسرحية التي تبدو لي من انضج مسرحياته رغم انها من مسرحياته المبكرة حيث نشرت في مجلة الاديب المعاصر عام 1975 وذلك لانفتاح النص فيها وقابلية تأويله وتفسيره واختلاف صنعتها عن بقية مسرحياته اذ هي المسرحية الوحيدة التي تتخذ من عنصر التوتر النفسي لحالات الجو والطقس وقوعا تحت تاثيرات مسرحيات تشيكوف نهجا لتقنيتها ربطا بالثيمة وهي كمسرحيات تشيكوف يلفها الغموض ومن الصعب فهمها في القراءة الاولى لعدم وجود خيط مشترك يشد الشخصيات الخمس لبعضها، وهي تتناوب الانتظار في منطقة حافلة المصلحة اذ في النهاية يعرف المتلقي وعبر الجملة التي تطلقها المراة بان الرجل الذي كان بانتظار الباص رقم(6) هو زوجها.
المرأة: (تبكي بحرقة.... بصوت مخنوق) ! الهي واخيرا أتحت بعد هذه المدة الطويلة ان ارى زوجي ..دعني احبه مثلما احبك يا الهي حتى لحظاتي الاخيرة.
تبدا المسرحية بوقوف امرأة في حوالي الستين من عمرها في منطقة حافلة المصلحة لوحدها وهي ترتدي معطفا أسود وتحمل حقيبة سوداء وتضع نظارات سوداء وعلى رأسها منديل اسود وبعد قليل ياتي صبي يرتجف وينفخ باطن يديه بلهاث ويقول لها: هل مر الباص رقم (4) ثم يجري حوارا قصيرا بينهما ويعقبه رجل اخر يطرح عليها نفس السؤال وهكذا ايضا بالنسبة للشابة.
كما اشرت ان العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة لاتتضح الى ان تعلنها المرأة في النهاية وبهذا الاعلان تنكشف كل خيوط المسرحية ولعبتها الحاذقة فالمراة وهي تعرف مسبقا ان الرجل الواقف في منطقة حافلة المصلحة زوجها عن طريق مراقبته في هذا المكان فانها وكمن تعيش في حلم وذلك بالربط بين زوجها والطفل الذي حرمت منه تجعل من الصبي الذي ينتظر الحافلة ابنها هذا الابن الذي اخذه منها والده الواقف الان بجانبها في انتظار الحافلة وهو في الشهر العاشر من عمره.
وياتي توظيف هذا التصور ، تصور المراة للصبي في كونه ابنها عبر عنصرين وهما الصمت الذي يعتمد على الاشارة والكلام الذي يعتمد على اللغة وباستخدام مفردة (خالي).
المراة : وهل جئت الى المدينة لشراء ثلاث نوبات في هذا البرد؟
الصبي : جئت لازور خالي.
المراة : (تبتسم له بحنان) شاطر .. هل تذهب الى المدرسة.
الصبي: (يهز رأسه) في الصف الخامس الابتدائي .
المرأة : (تتأمله بحنان اكثر) ..عال .. اسمع.. ان امك يجب الا تسمح لك بالنزول الى المدينة لأشياء بسيطة.
الصبي : انها لاتوافق على النزول ابداً ... انني احب خالي ..احب ان ازوره.
المرأة: حسنا.. اعتقد من الاحسن ان تاخذ واحدة من سيارات الصاروخ من امام زق السماكة هيا اذهب البرد شديد.
الصبي: (وهو يرتجف) ساذهب.. (يتبادل نظرات طويلة وقلقة مع المرأة) ...... سأذهب ...(يذهب)...
ولو اعدنا قراءة الحوارات الدائرة بين الصبي والمراة لتبين لنا ان مفردة (خالي) ترد مرتين على لسان الصبي وتبتسم المراة له بحنان مرة واحدة وتتامله كذلك بحنان مرة واحدة وبالاضافة الى ذلك فانه اي الصبي قبل ان يغادر منطقة الحافلة يبادلها نظرات طويلة وقلقة..
ان ورود مفردة (خالي) على لسان الصبي مرتين لها اكثر من مدلول لامن وجهة نظر الصبي وانما من وجهة نظر المراة التي تنظر الى الصبي باعتباره ابنها فالخال هو اقرب الى الأم منه الى الاب وهو بذلك يحبها هي الاخرى ايضا وعندما تعرف انه في الخامس الابتدائي تتذكر ابنها الذي لاتدري بأنه الان يدرس في الاتحاد السوفيتي لنيل شهادة الدكتوراه وتتصوره بعمر هذا الصبي وقد مر بنفس المرحلة وتتعجب من ان امه قد بعثته في هذا البرد لشراء اشياء بسيطة وربما طرحت على نفسها هذا السؤال وهي تتامله بحنان لو كانت مكانها ترى. هل كانت تتصرف مثلها؟!
اما لو اعدنا قراءة الحوارات الدائرة بين المراة والرجل والشابة والرجل لاصطدمنا عشرين مرة بالتمام والكمال في مفردة (البرد).
وعلاقة الشاب والشابة بالحدث، هي نفس علاقة الصبي بالحدث من حيث وجهة نظر المرأة التي أعتبرت الصبي أبنها، فأنها ترى في الشابة نفسها هي، عندما كانت في هذا السن، وفي الشاب زوجها ومسوغي في هذا التأويل، يأتي من خلال ربط تأخر الشاب عن موعد اللقاء بالشابة، موازيا لطلاق هذه المرأة من زوجها، سيما والشابة ذهبت مع الشاب، ولم تردعه على تأخره، أو تلغي هذا اللقاء، مثلها ضحية نزواته كأبن وحيد ومدلل، لذا فأن الحوارات الدائرة بين الشاب والشابة، هي الحوارات الدائرة بين المرأة والرجل في شبابهما.
الشاب: آه جداً آسف يا عزيزتي.. ان هذا البرد يعمي الواحد من الغضب (يمسك من يدها) سعيد لأنني وجدتك.. أعتذر.. يا الهي أي برد لعين.. هل كنت تنتظرين من مدة ؟
الشابة: فكرت أن أخذ الباص واذهب.. كان يجب ان تأتي في الموعد.
الشاب: أعتذر لنذهب.
الشابة: وهل تعتقد ان الجو يساعد على
الشاب: جدا.. جدا.. تحركي
الشابة: لكن ..
الشاب: (بغضب) ماذا مرة اخرى... مادخل الجو .. لنذهب .. هيا .. تحركي ...
ليس المقصود من البرد الحالة الناجمة من التغيرات الجوية في المناخ والطقس وإنما يأتي هنا كرمز ودلالة موحية الى العلاقة الزوجية المبتورة بين الرجل والمرأة، ولكن رغم مرور ثلاثين سنة على انقطاع هذه العلاقة بينهما، فأنهما يحبان بعضهما، بدليل أنه حاول إرجاعها، ولكن محاولته هذه فشلت، لأن اهلها رفضوا مواجهته، واقسم الا يراها، أو يدعها ان ترى ابنها، أو ابنه، لا فرق، وهجر هذه المدينة مع أخته الوحيدة الى بغداد.
وها هي زوجته الان تقف الى جانبه، ملاطفة اياه، وتتأمله بأمعان، وتدعوه الى الحفاظ والحرص على صحته من البرد بتدثره بشكل جيد، ذلك لأنه ، أي ان هذا البرد، الدال الى العلاقة المبتورة بينهما، قد منعه أن يفتح فمه، ويحرك يديه، متحولاً الى انسان أخرس وشبه مشلول، ويلجأ المؤلف في حوارات الرجل والمرأة، اضافة عنصر آخر من عناصر التوتر النفسي الى جانب البرد، الا وهو المطر، بأعتباره رمزا للخير، والوسيلة الوحيدة لأذابة البرد، اي اعادة العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة، وادخال الابن، ابنهما، كعنصر ثالث، للجمع بينهما، بعد ان ترد المرأة على زوجها بلطف تعقيبا على قوله: المطر.. المطر.. وحده فقط بوسعه ان  يذيب هذا البرد الثلجي الذي يلفنا، (هل هذه من كلمات ابنك؟)
 وفحوى المسرحية موجز بهذه العبارة، ذلك ان الرجل يأبى ان يدخل ابنهما كطرف لأعادة علاقتهما على سابق عهدها، ويؤاثر عليه المطر الذي لا يهطل، او غودو الذي لا يأتي بالاجابة عليها.... لا.. لا.. البرد عندنا كما تعرفين لا يقتله سوى المطر ...
وهذه المسرحية كسابقتها، تتسم معالجتها الدرامية بالقتامة والسوداوية، مثل شخصيتها الرئيسية، وهي بمعطفها وحقيبتها ونظارتها ومنديلها.... وليس فيها من بصيص أمل، سوى السماء الداكنة السوداء التي تلقيان اليها المرأة والشابة نظرة سريعة.. علها.. تمطر..
وأدناه الحوارات المقرونة بـ مفردة (البرد):
•   المرأة: وهل جئت من التسعين الى المدينة لشراء ثلاث نوبات في هذا البرد؟
•   المرأة : حسنا .. اعتقد من الاحسن أن تأخذ واحدة من سيارات الصاروخ من أمام زق السماكة.. هيا.. اذهب.. البرد شديد.
•   الرجل (بغضب): من ساعات وهذا البرد يدق عظامي مثل الهاون
•   الرجل: برد وبش .. وبش .. وحشي..
•   الرجل: انظر ياسيدتي ماذا يعمل بنا هذا البرد السكين؟
•   الرجل: كنت من شدة البرد أحرف عليها بغضب جمل هائج
•   الشابة: أي رد هذا؟
•   الشابة: أوه ايها العم وماذا بوسع الشباب ان يعمل امام هذا البرد؟
•   الشابة: ياليت. لكنه برد لعين.
•   الرجل: يحتاج الواحد الى اثارة اعصاب، الى غضب، ليسكن وجع هذا البرد الويش..
•   الرجل:ربما .. ليث المطر يجئ.. بسرعة ليخفف من وهج هذا البرد الوحشي السيبيري..
•   الشابة: آه ايها العم. تقول نصف السيبيري، اعتقد لايوجد فرق كبير بين برد مدينتنا وبرد سيبيريا
•   الرجل: كلا أبني يدرس الجيولوجيا في الاتحاد السوفيتي ويشتكي من البرد كثيرا..
•   الشاب: ان هذا البرد يعمي الواحد من الغب
•   المرأة: آه .. شاب ويشتكي من البرد
•   الرجل: يكتب لي ما ان تمس موجة البرد الأذن حتى تطرش
•   الرجل: تأملي أي برد هناك
•   الرجل: المطر وحده فقط بوسعه ان يذيب هذا البرد الثلجي.
•   الرجل: لديه رسائلي، ثم قليلا من الفودكا الذي يقول عنه انه وحده يؤدب البرد.
•   الرجل: ... اما اذا كنت تأملين ان يخف هذا البرد فبالعكس يصبح اكثر وحشية وسعارا..
خرجت بعثة علمية مصرية للبحث عن النفط في احدى المناطق الصحراوية.. وأثر زوبعة رملية قوية، ضل الطيار طريقه، وأضطر أن يهبط بعد أن نفذ وقود الطائرة في مكان ما من الصحراء.. وعبثاً حاولت فرقة الانقاذ معرفة مكان البعثة التي مات طاقمها بعد أيام صعبة من المعاناة والعذاب والعطش والجوع.
قرأ المؤلف هذا الخبر في مجلة الف باء، ومنها استلهم مسرحيته هذه الموسومة (زفير الصحراء) المنشورة في مجلة الاقلام عام 1977، والممثلة من قبل فرقة المسرح الفني الحديث على مسرح بغداد عام 1978، وتتكون من ثلاث شخصيات هي:
1-   عماد الأمباني: مهندس جيولوجي في الخامسة والثلاثين، يصفه المؤلف، انه شاب وسيم وهادئ، ويعاني بصمت.
2-   محمد السعدني: طيار شاب في الثلاثين، يصفه هو الآخر، في كونه شابا وسيما وحيويا وجاداً ونشطا.
3-   سعيد مجدي: شاب صحفي.
بحكم وقوع الحدث في الصحراء، ينزع المؤلف الى توظيف المفردات الموجودة في الصحراء، كالزوبعة الرملية، وغير الموجودة، وما هو بحاجة اليها شخصيات المسرحية، كالماء، والطائرة، والحلم، وقد جاء توظيف الماء وما يمثله في المعنى كالعطش، بحدود خمس وعشرين مرة، والزوبعة الرملية تسع مرات، والطائرة إحدى عشرة مرة، والحلم تسع مرات، مقرونة كل مفردة بمصادرها كالماء في البركة، والطائرة بهديرها، والزوبعة بصوتها، والحلم بالزوجة والمدينة والاطفال والماء والطعام والطائرة ...
وتوظف هذه المفردات احيانا مع مصادرها فرادى، وأحيانا اخرى تتداخل مع بعضها الاخر، الا ان مفردة الحلم، تكاد أن تصبح العامل المشترك بينهما، وهي تقريبا موجودة وحاضرة في المفرات الثلاث، والمسرحية ضمن هذا الاطار، ما هي الا مجموعة أحلام وكوابيس وسط صحراء، لا منفذ للخروج منها الا عن طريق الطائرة التي تبحث عن طاقم البعثة الذي ينتظرها، ولا تأتي، شأنه شأن (جان) ابن روبرت وهيلينا في (الابناء الذين لن يعودوا) وشأن حافلة المصلحة في (غداً يجب ان ارحل).
ولعل قساوة جوع، الشخصيات الثلاث، جعل أحلامها أن لا تتوقف عند هذا الحد، وانما تمتد الى التفكير بـ (ماجلان) الذي تاه في يوم ما مثلها، وعندما جاع بحارته أكلوا جلود السفينة، بعد أن أتوا على جميع فئران السفينة، ومن ثم لتتوسع اكثر بعد شعورها بالعطش، لتصل الى السحالي، لأن وجودها قد يعني انهم على مقربة من قرية ، أو واحة، أو بادية.
ويدفع المؤلف هذه المفردات عن طريق شخصيتيه عماد وسعيد من الحوارات الاولى للمسرحية الى سطح الحدث على هذا النحو: الماء اولا، والرياح ثانيا والحلم ثالثا، والطائرة رابعا، وبنصيب ثلاثة احلام لـ عماد، وخمسة لـ سعيد، وحلما واحدا لـ محمد.
جاء الحلم الاول لعماد، بفعل قوة الرياح المسمومة التي تزيد حاجته لقطرات من الماء، وتجعله يحلم بها، وفي هذا الحلم يرى بركة فيها ماء نظيف، فيهرول نحوها، ولكنه ما ان يصل اليها، حتى يجد أسداً يعب منها: تسمرت في مكاني.. آه عندما كان الاسد يرفع رأسه كان خيط من الماء النظيف يتساقط من زاوية فمه.
وحلمه الثاني يأتي نتيجة الزوبعة ايضا، الا انه في هذه المرة يرى عشرات البدو والجمال والنساء، ثم واحة ساحرة: البدو يؤشرون لي ان أقترب منهم.. وهرول البعض منهم صوبي وحملوني الى الابار .. كنت رغم الامي، اردد خلاص ياسعيد، خلاص يا محمد أنقذنا أخيرا.. سنرجع الى البيت.
وبفعل العطش ايضا، يصرخ في الحلم الثالث بممرضة لأنها منعته من شرب الماء، وتحط طائرة في الصحراء،  ثم تأخذهم وتقلع، وتسقط بعد قليل في مكان ما، ويجرون له عملية في الفخذ، واخرى في البطن: آه والغريب ياسعيد زوجتي كانت تتحول الى ممرضة وتؤشر لي بأصبعها وتقول لالا  ماء.. مستحيل بعد العملية ماء... يارب، وأنا اصرخ (صمت) ماذا كنت تعمل؟
وبحكم عمل سعيد الصحافي الاقرب الى الادب والفن والثقافة عامة، فأن أحلامه تختلف عن احلام عماد، في كونها اكثر شاعرية من احلامه، اذ لمجرد سماعه صوت الطائرة، ينقلب الى هبوطها، وبالتالي الى تبادل العناق والقبلات مع أفراد طاقمها، وعندمايصل الى قناعة بأن هذا الحلم ما كان الا أكذوبة من أكاذيب الصحراء، يردد هذه الابيات من الشعر للشاعر الانكليزي ماكديارميد:
المرأة العاشقة ضوء
انها تشع على كل عظمة من عظامه
تتلوى كالأفعى وتتعرج كحبل الوريد
وتتوهج بسرعة ثم تختفي..
وفي سعي من المؤلف  لتعزيزوتقوية معنويات عماد المنهارة، وهو يتحدث عن عدم السيطرة على الموت، يعمد ان يضعه سعيدا، في حلم جميل، لأعرابي ملثم، يدخل مع جمله، وينزل الاعرابي خرجا فيه حليب وعسل وخبز، ثم ينطلقون على ظهر الجمل الى قرى يسمعون فيها الى خوار الابقار ونباح الكلاب.
وفي الحلم الثالث يرى الاف الناس في الحدائق يشربون ويتغازلون  ويجد نفسه في البيت يستنسخ مقالاته اليومية ويلعب مع سوسن وزوجته تتلصص بين حين وآخر لتتأكد فيما اذا انتهى من الكتابة، وهو يشم رائحة الاكل، ويرى زوجته في منامتها البيضاء، وكأنها فراشة كبيرة. وفي الحلم الرابع يكلم ابنته سوسن، ويتجول في حي الحسين، ويتمشى في الدقي، وفي الحلم الخامس، كالحلم الاول، يسمع صوت هدير الطائرة، ويحلف على انه كذلك، ويحتضن عماد، ويدور حول نفسه، ويلوح بيده، ومثل الاهبل يصيح: من كل الجهات.. من كل الجهات.. نعم اسمع بوضوح.. نعم نحن البعثة العلمية التي جاءت لتنقب عن النفط.. نعم أنا الصحفي سعيد مجدي (يسمع صوت سقوط ماء) الله لماذا ستسكبون الماء.. أقتصدوا بالماء.. نحن نأتي حالا.. حالا.. (الى عماد) يا صبر أيوب .. انهض بسرعة..
اما حلم محمد الأقرب الى الهلوسة فيأتي نتيجة تحطيمه جسديا، بعد رجوعه من بحثه الدؤوب في الصحراء عن الاتجاهات، وتخيله لسماع عواء الذئاب وصهيل الاحصنة، وثغاء الخرفان، وخوار الابقار،وطلبه من سعيد ان يسمعه كلمات حلوة، فيرى في حلمه آبارا كثيرة، واعرابيا وسيما يشبه عمر الشريف، واعرابية جميلة، وأطفالا كانوا يلوحون له بأيديهم يركضون والهواء ينفخ دشداشتهم: وأنا أتلوى من العطش، نمت يا يا سعيد، الاطفال اقتربوا وقطروا ماء في فمي، والاعرابية غسلت وجهي.
وعندما تصل الشخصيات الثلاث الى قناعة تامة، بأن لامفر لها في النجاة من قبضة الصحراء، تتحول احلامها الى هلوسة وجنون، ثم يموت الواحد تلو الآخر، متحدية الصحراء والموت، ومقترنة تحديها هذا بالوظائف التي تمارسها، فمحمد يموت كعسكري بطل، وعماد معتزا بشهادة الدكتوراه في اختصاصه، وسعيد في كونه صاحب قلم.
محمد: بوسعي ان أدير المعركة من جديد (يسقط ويعود فينهض) على قدميك حتى اللحظات الاخيرة.. مت كعسكري بطل... أتحدى هذه الصحراء الكلبة.
عماد: أنا عندي دكتوراه في اختصاصي وأعرف كيف اسمي الاشياء..
سعيد: ما فائدة الانسان الذي ليس لديه ما يخسر.. أنا قلم..
 ان اليأس يلف أعطاف المسرحية، ويعتمل دواخل الشخصيات، ذلك ان المؤلف من البداية وضعها في مواجهة الموت المحقق، على الرغم من إدعاء عماد بأن والده قدعلمه الثقة بنفسه، وترك محمد زميليه وراح يبحث ويستعمل كل ما لدى الطيار الجيد من حس ومعرفة بالاتجاهات، وسعيد الصحافي يلقي القصائد على عماد ليرفع من معنوياته، ولعل إطلاق سعيد لعبارة: هل سنموت هنا؟ هي تمهيد وتوكيد لما يعنيه، والبداية الحقيقية لموتهم، هذا الموت يأخذ طابع الموت البطيء، ويمر بمحطات عديدة  اذ تدنو أوانه كلما تقدمنا بصفحة في المسرحية، وهنا تكمن متعتها وتماسك بناء نسيجها الفني، في تكوين عناصرها، وبالتالي تجسيد الفعل الدرامي لها، هذا الفعل الغائب من معظم مسرحاته والحاضر في هذه المسرحية حصرا...