المحرر موضوع: حوار مع الفنان مروان ياسين الدليمي  (زيارة 868 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل شاكر سيفو

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 16
    • مشاهدة الملف الشخصي
حوار مع الفنان مروان ياسين الدليمي


                                                                                                     حاوره : شاكر مجيد سيفو

الفنان مروان ياسين الدليمي :
الفن ماهو الاّ نزوع انساني من اجل تمثل التجربة الحياتية وأعادة قراءتها وتأملها واأكتشافها من جديد . *


تتعدد اشتغالات الفنان مروان ياسين وتتنوع ثيمات الاجناس الفنية والادبية التي يعمل على انتاجها وارسالها في ومن مشغله الفني . . فمروان ياسين نراه في المسرح ممثلاً ومخرجاً . . وفي حقل الشعر ينتج الامثولة الشعرية وفي السينما ذلك الحالم الاثير بسينما راقية بكل معنى الكلمة وفي مجال الاعلام يجتهد ليرى العالم كله من خلال كامرته الاخراجية والانتاجية وهل نتحدث اكثر عن مروان . . سأكتفي الى هنا لاترك للقراء متابعة سيرته الثقافية والفنية . من هذه المحاور كان لنا هذا الحوار مع مروان ياسين الفنان والشاعر . .

*لنبدأ من العلامة الاولى في مشغلك الفني ، سنوات التكوين هي المشاعل
لتي تضيىء المستقبل ، كيف تحدثنا عن بداياتك ومن اين ؟


- الصدفة الجميلة هي التي جمعتني بالمخرج شفاء العمري عام 73 وأنا لم أزل في الصف الاول المتوسط ، عندما بدأبتشكيل فرقة مسرحية في اتحاد شباب العر اق  بعد ان وجد نفسه  محاصراً من قبل جهات وفرق فنية في المدينة . وبما أن العمري رجل يتسم بالعناد التام اي بمعنى الاصرار على تحقيق مايصبو اليه مها وضعت امامه المعرقلات . فما كان منه الاّ ان يتجه الى تشكيل فرقة من الهواة لكي يستمر فيما مشروعه المسرحي التجديدي  الذي كان قد بدأه في مدينة تتسم بالمحافظة والتزمت وتشيع فيها ثقافة مسرحية رثة وهشة انذاك حتى من قبل اولئك  الذين كانوا قد تخرجوا من معهد الفنون الجميلة . وهنا تكمن  الطامة الكبرى فأنت لاتستطيع ان تكون قاسياً في نقدك لمن لم تتوفر لديهم  فرصة الدراسة الاكاديمية ، لكن عندما تجد ان من درس وتعلم اكاديمياً في معهد الفنون الجميلة فارغ الرأس تماماً من اي مشروع فني ولايتحرك في  داخله اي قضية فنية يمكن من خلالها ان نرسم صورة  جمالية مثيرة قد يكون فيها خروج عما هو سائد ومستهللك من مفاهيم وعروض،  عندها  لن تتردد في الاندفاع بكل ماتملك من عشق  الى الوقوف مع  تجربة العمري الذي كان في حينها متسلحاً بوعي نظري واضح المعالم مستجيباً فيه لكل التحديثات التي مرت في تاريخ المسرح العالمي . اضافة الى قراءته السليمة للمشهد المسرحي العراقي انذاك وتفاعله معها . ولم يكن متخلفاً عنها بل كان  في خضم جدليتها مع اهمية الاسماء التي كانت تعمل في العاصمة بغداد  انذاك مثل ابراهيم جلال وسامي عبد الحميد وقاسم محمد وحميد محمد جواد . هذه الاسماء كانت ترسم صورة جديدة للمسرح العراقي في مطلع العقد السابع من القرن العشرين تجري فيها اهم التيارات والاساليب الفنية العالمية من المسرح الملحمي عند ابراهيم جلال الى الفضاءات التجريبية عند قاسم محمد الى التحولات الاسلوبية لدى سامي عبد الحميد في كل عمل يخرجه . لم يكن شفاء في تلك الاعوام الاّ واحداً من تلك الاسماء التي كانت تشكل تلك الصورة ،لكن من داخل مدينة الموصل وليس في بغداد . ولو كان قد اختار شفاء البقاء في بغداد والعمل هناك لكان واحداً من اهم الاسماء  في تاريخ المسرح العراقي  . لكنه وللاسف الشديد كان ولم يزل موصلياً حد العظم وليس لديه الاستعداد للخروج من اسر شرنقة الموصل التي اخذت منه ولم تعطه شيئاً ، كما ان بقاءه فيها قد حرمه من فرصة المشاركة في المهرجانات الدولية المسرحية التي كان المسرحيون في بغداد قد احتكروها لانفسهم . وحرموا منها بقية المسرحين الاذكياء الذين كانوا ضائعين في محافظاتهم كما هو الحال مع شفاء . ولذلك نجد ان  تاريخ المسرح العراقي المدوّن في الارشيف والكتب والمطبوعات تم تزويره واختصاره على  الحركة المسرحية في العاصمة بغداد وهذا الخطأ الجسيم تتحمله الدولة  اولاً انذاك لانها كانت لاتمتلك مشروعاً ثقافياً حقيقياً يهدف الى بناء اسس صحيحة لنهضة ثقافية في عموم البلاد بل  كانت كل الانشطة ارتجالية تخضع في قيامها الى الاجندة السياسية  لمن كان يدير دفة البلاد . في وسط هذه الاجواء التي كان شفاء يعمل فيها بوعي حاد انتميت الى فرقة شفاء العمري الشابة التي تأسست  عام 73 . وكنا نتلقى منه محاضرات يومية  اكاديمية في كل شؤون الفن المسرحي .وكأننا في معهد اكاديمي . وهذا ماأكتشفته بعد عشرة اعوام عندما تم قبولي في اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 79 . حينها تفاجأت ان الاكاديمية لن  تضيف لي شيئاً عما تعلمته قبل عشرة اعوام عند شفاء العمري . مع العلم ان شفاء رجل لم يتخرج من اي معهد او كلية فنية .

* اين ترى اخصب المراحل التي مر بها المسرح العراقي . ؟
- انا اختلف مع الكثيرين من الذين يبكون على  المسرح في فترة سبعينيات القرن الماضي . ولكن اجد ان ماتم تأسيسه من وعي جمالي بالعرض المسرحي في تلك الفترة من قبل الاسماء التي ذكرتها اضافة الى المتغيرات الدراماتيكية التي شهدها الواقع العراقي خلال ذاك العقد من انهيار الاحلام الوردية على اثر  تحطيم مشروع الجبهة الوطنية التي انخدع بها الكثير من المثقفين اضافة  الى المجتمع العراقي . كان له دور كبير في وضع المقدمات الاولى والاساسية لتغير المفاهيم والقناعات الفنية لدى المسرحيين والذين هرب الشطر الاكبر منهم خارج العراق  ومن بقي آثر الصمت والمراقبة من بعيد او ابتلعته الحرب العراقية الايرانية . . لذا كانت فترة الثمانينيات فترة مخاض حقيقي وصعب على المجتمع العراقي والنخبة المثقفة منه كان المشروع الثقافي العراقي مهدداً بالموت بسبب الحرب التي سحقت سرفاتها كل شيىء امامها من اجل ان يصبح عموم الشعب مجنداً تماماً بكل طاقاته واحلامه وامنياته لخدمة عجلة الحرب التي داست على كل شيىء .ولم تصل بالمجتمع الى اي شيىء مما كانت قد وعدته به بل على العكس من هذا عدنا بعد ان وقفت الحرب الى نقطة قبل الصفر . سنوات الحرب تلك اسقطت  تلك المقدمات الجمالية لصور المسرح العراقي . لكن بالمقابل كانت تلك الاعوام تحمل في داخلها جيلاً جديداً بدأت ارهاصات حركته تظهر بين فترة واخرى في هذا العرض وذاك  وكانت تعني ان جيلاً غاضباً جداً وذكياً جداً يملك مشروعاً مسرحياً معبأً باحتجاجاته ورفضه  للحرب ولكن استطاع ان يمررها  بأطر تشفيرية  . كما في عدد من الاعمال لعصام محمد وحيدر منعثر وعبد الامير شمخي وعبد الحميد الصائح وعوني كرومي وهاني هاني ،  وكانت تلك الاعمال المعدودة تعرض على النقيض في خطابها  من  اعمال كثيرة اخرى كانت تنتجها الدولة في الفرق التابعة لها . ثم لتأتي فترة اخرى تعقبها في العقد التاسع من القرن العشرين بعد أن غزا العراق الكويت ومن ثم خروجه مهزوماً منها امام الولايات المتحدة ، كان ذلك الخروج ماهو الاّ سقوط مريع لكل الشعارات والايدولوجيات الوطنية والقومية التي خدعت بها الجماهير كما كانت تسمى في ادبيات الاحزاب القومية . ومع ذاك السقوط بدأت مرحلة جديدة وخطيرة من تاريخ المسرح العراقي . ولاشك في نظري من انها اهم فترة في تاريخ المسرح العراقي بكل المقاييس الجمالية والفكرية .فبدأنا نشهد  حركية مسرحية تحتدم فيها تيارات واساليب فنية جريئة جداً في توجهاتها التجريبية التي يقف ورائها عرابها الاول صلاح القصب  مقابل صورة اخرى لمسرح  اخر غايته الاضحاك والتهريج فقط تحت اسم المسرح التجاري سواء في الفرق الاهلية او الفرق الرسمية التي دخلت هي الاخرى على هذا الخط الذي كانت تسنده وتدعمه ثقافة السلطة المنكسرة بعد هزيمتها في الكويت فكانت تسعى من وراء دعمها لهذا المسرح  امتصاص النقمة والشعور بالهزيمة من داخل المواطن وتفريغ المجتمع من احتمالات الثورة والاحتجاج مرة اخرى بعد ان استطاعت  وبتواطىء مع الاميركان ان تقمع انتفاضته عندما انسحب الجيش العراق فاراً من الكويت , لكن المسرح الاخر الذي كان يعرض في منتدى المسرح في شارع الرشيد كان يعني صورة اخرى وزمناً اخر يتشكل على خشبة المسرح العراقي يحمل في داخله وعياً بالتجربة المسرحية فيه الكثير من سمات القطيعة عما ورثه من الاجيال السابقة وعما يقدم من عروض مسرحية ابطالها لم يكونوا سوى راقصات في الملاهي احتضنهم هذا المسرح الرخيص بعد أن تم غلق الملاهي الليلية تحت شعارات زائفة اعلنتها السلطة بعنوان  الحملة الايمانية . المهم ان ماتم انتاجه من عروض مسرحية في بغداد تحديداً في تلك الاعوام  وخصوصاً في منتدى المسرح اضافة الى عدد من العروض في كلية ومعهد الفنون الجميلة .يعد في تصوري اهم مرحلة خصبة وناضجة بكل المقاييس في تاريخ المسرح العراقي بدأت فيه العناصر المسرحية الشابة بتفجير البنى المتكلسه في العرض المسرحي وامست منظومة العرض السمعية والبصرية تأخذ اهميتها السينوكرافية وصار الشغل  الجمالي على تحطيم الايقونية في الدلالات واضحاً جداً وبهذا اعاد  المخرج العراقي  تقييم دوره كثيرا في بناء منظومة العرض المسرحي .

*يقيناً هناك علاقة جدلية بين الحياة والفن ، كيف هي قراءتك لتمظهرات هذه العلاقة ومدياتها ؟
- هنالك علاقة وثيقة مابين الحياة والفن ولايمكن ان يتم فصلها تعسفياً ، وأنا اجد ان لاحياة انسانية دون تعبير فني . والفن ماهو الاّ نزوع انساني من اجل تمثل التجربة الحياتية واعادة قراءتها وتأملها ولاكتشافها من جديد . اي اننا نعيد اكتشاف حياتنا وذواتنا من جديد عبر الفن وقد يكون الفن هو الاجمل والاكثر قدرة على تحقيق هذا الهدف الانساني . الفن فيه من الحرية ونشوة اللعب مساحة واسعة تتحرك فيها وانت تعيد اكتشاف التجربة . وهذه التجربة المستعادة في الفن ماهي الاّ حصيلة جدل بين لحظة انية بكل عناصرها الجديدة ولحظة ماضية في حضورها المستعاد. دائماً كان الفن مرافقاً لمسيرة الانسان منذ المراحل البدائية الاولى . فالتجربة  الفنية كانت حاضرة  مع الانسان على طول مسيرته الشاقة في الحياة والاهم ان يكون التناول جدلياً لدى الفنان وهو يخوض تجربته الفنية اما إذا  خلت التجربة من ذلك فأن العلاقة مابين الفن والحياة تصبح ميكانيكية ولن يكون لها اي تأثير وانعكاس مابين الاثنين .

*المشغل المسرحي الحداثوي يتحرك في مسارات حريّة اللغة والرمز والتشكيل ، هل يعني هذا تخصيب للعمل المسرحي ؟ وماقيمة هذه الانساق الجمالية والمعرفية فيه ؟
- حتى بدايات القرن العشرين كانت التيارات الفلسفية التي تنظر للادب والفن بما في ذلك المسرح تتمحور في الكلاسيكية التي تتسم بنظرتها المحافظة ومحاكاتها الموضوعية للواقع والرومانسسية التي تنظر للفن باعتباره نشاط فردياً  من خلاله يعكس الفنان رؤيته الخاصة . لكن حصل تغير كبير بعد ذلك . هذ ا التغير اعاد قراءة العمل والتجربة الفنية لنصل بالنتيجة الى رفض العمل الفني باعتباره انعكاس سلبي لشيىء خارجي . بل اصبح العمل الفني عالماً بذاته له قوانينه الخاصة وبات  نشاطاً انسانياً يعكس ويؤثر في المجتمع . وكرست نظريات النقد الحديث في طروحاتها مفاهيماً عدّت العمل الفني عالم عضوي مستقل بذاته ويمنح المتلقي تجربة لها مدلولها الموضوعي والجمالي . لقد كان لجهود الشكلانيون الروس وماتبعهم دور كبير في التركيز على الشكل والاقرار بانفصاله التام  عن المضمون وأصرّوا  على انه كلما تشابه العمل الفني والتجربة  الفنية مع الانماط السائدة في المجتمع  كلما ابتعد عن كونه فناً  واصبح جزءاً واستمراراً للعادات والتقاليد السائدة في المجتمع وماعاد يكتسب صفة الفن ،  وعلى العكس من ذلك كلما اختلف  عن الانماط والتعبيرات والعلامات السائدة  كان فناً . هنا في هذه المفاهيم الفلسفية التي كان الشكلانيون الروس قد اشتغلوا عليها  اعيدت  الطاقة الابتكارية والتوليدية والاكتشافية للفن عندما كانت  تتجلى في لحظاتها الاولى مع الانسان البدائي في تعبيراته الفنية في الكهوف وفي الرقصات وغيرها من اشكال التعبير  فلم يكن امامه في تلك الفترات ارثاً فنياً ولامجتمعياً يستعير منه علاماته ولغته بل كان يشكل لغته الفنية من وفي تجربته الفنية الذاتية وليعيد طرحها الى العالم الخارجي . اي اننا نعود هنا  الى التجريب والتأكيد على نسبية القيمة والمعنى . لكن ينبغي التوقف هنا قليلاً للاشارة الى اننا  في المسرح  ونحن نتحرك في مساحات التجريب الحرة لانستطيع ان نضع العلامات التي تتواجد في العمل المسرحي ــ كما يقول  البنيويون ـــ في حالة استقلال تام عن اي شيىء خارجها ،  اي نقصي معطيات الواقع الخارجي عن العلامات داخل العمل الفني . وعموماً فأنني اتفق مع سارتر  حين اشار الى محنة الكاتب في القرن العشرين فهو لم يعد  يدري تماماً من يخاطب ، على العكس مما كان عليه وضع الكاتب في القرون السابقة عندما  كانت  تربطه علاقة واضحه مع مجتمعه ضمن اطار من المعتقدات والعقائد المشتركة. . والان بعد كل الفلسفات التي طرحها القرن العشرين وماتلاه من ماركسية  ووجودية  وبنيوية وتفكيكية الخ ،  تم فيها احتضار الرؤية الى الوجود  والتاريخ والعالم والكون  من منظور المطلق  وباتت الرؤية نسبية ومتغيرة . بتنا نطرح على انفسنا سؤالاً ملحاً ماهو الهدف من الفن والادب . ونحن هنا بهذا السؤال نحطم كل الثوابت المطلقة الارسطية  التي شكلت منظومتنا الفنية . وتجاربنا الفنية ونعيد تشكيل وعينا وقيمنا الفنية والمعرفية داخل اطار التجربة الفنية التي  لاتكرر نفسها . واصبح الشغل الشاغل للمبدع هو اللغة اذ لم تعد اللغة مجرد اداة لصياغة العمل الفني بل اصبحت هي العمل الفني . وعندما وصلنا الى الضفاف في رؤيتنا للغة في التجربة الفنية معناه وصلنا الى نقطة الافتراق عن الواقعية . وكا أشار رولان بارت في ان اللغة ليست تعبيراً عن الواقع بل صياغة فعلية لهذا الواقع . وازاء هذا الفهم للغة في بناء التجربة كان لابد ان نشهد  دائماً تجارب فردية دائمة داخل المشغل المسرحي تكتسب تفسيرها من علاماتها نفسها .

* هناك رأي يقول بتراسل كل الاجناس الادبية والفنية . المسرح يقتبس من الشعر والقصة تقتبس من المسرح والتشكيل والرواية تمتص شعرية العالم ماتعليلك ؟
- لو تحدثنا عن المسرح نجد ان كل الفنون والاشكال التعبيرية تدخل الفضاء المسرحي لتتماهى فيه وتختفي ولن تتاح لها فرصة التعبير عن شكلها وحضورها الخاص . فالمسرح يمتلك طاقة تحويلية . من خلالها تتحول الاجناس الفنية التي يتم تنصيصها فيه  الى هويته المسرحية لتفقد عذريتها التجنيسية وتختفي في جنس اخر هو المسرح . ولاشك ان الشعر كان الطور الجنيني الاول الذي تنفس فيه المسرح  قبل الاف السنين لكنه بمرور الزمن افترق عنه وأكتسب خصوصيته التحويلية وهويته وملامحه  ليعيد هو صياغة الاجناس الادبية والفنية وفق منظومته دون ان يبقي على ملامحها وهويتها .

* هل تميل الى السرد في المسرح ام الى التكثيف في بناء الصورة والصوت ؟
- المسرح الحديث في كثير من تجاربه ابتعد كثيراً عن السرد والحوار  وباتت الصورة بكل الدلالات التي تعبأ فيها هي البؤرة التي تنفتح فيها اللحظة الدرامية وتتشظى  في المنظمومة السمعية والبصرية . ماعاد الحوار يشكل الحاضنة الاساسية لمحمولات الخطاب الفني للعرض المسرحي وان يكن موجوداً فهو قد وصل الى مرحلة  بعيدة من البناء التلغرافي . ذلك لان الانشغال والاستغراق في تحقيق المعمارية السينوكرافية اخذت تشغل الحيز الاكبر في بناء اللحظة الدرامية جمالياً على الخشبة وفي الفضاء الدرامي . وتراجع الحوار بمفهومه الارسطي الى  الخلف ليكون مفردة من بين العديد من العلامات التي تحتشد في بناء التجربة المسرحية داخل العرض المسرحي . وهذا الامر ليس جديداً بل يعود الى بدايات القرن العشرين االذي شهد العديد من التجارب الثورية التي اقصت السرد الى الخلف وتقدمت بعناصر الصورة والدلالة الى الامام .

* أجمل من اشتغل مسرح الصورة هو الدكتور صلاح القصب ، كيف تنظر لهذا المسرح ؟

- صلاح القصب علامة فارقة في تاريخ المسرح العراقي ان لم يكن في المسرح العربي . وظهوره على المشهد المسرحي اول مرة في مطلع السبعينات عندما كان طالباً يحضر لاطروحته في الماجستير عندما قدم عرضاً مسرحياً صورياً لكلكامش كان اعلاناً عن مفترق طرق سيدخل به المسرح العراقي .. وهذا ماتم فعلاً بعد ان عاد الى العراق من رومانيا وهو يحمل شهادة الدكتوراة . جاء  وجاء معه زمن اخر لاصلة له بماسبقه . وكان لي شرف ان أكون احد تلامذته في كلية الفنون الجميلة  واكتشفت الكثير من ملامح تجربته وخصوصيتها عن قرب  اثناء الدروس العملية التي كنّا نحضرها معه . وكذلك اثناء حضورنا للتمارين والبروفات التي كان يجريها لاعماله المسرحية مثل مسرحية الخليقة البابلية وهاملت والخال فانيا . . ان صلاح قبل كل شي يختلف عن الجميع في زاوية الرؤية التي ينظر بها الى  دور المخرج في بناء العمل واكتشاف المسار والسياق الي يذهب به اليه . اذ يعتمد صلاح ابتدأً من اول يوم تمرين ،  وحتى اخر يوم من ايام  العرض الى منطق البناء والهدم الدائمين ويتعامل بشعرية  عالية مع موضوعة الحرية التي يتحرك فيها خيال الممثل . ولن تجد اي مخرج اخر في العراق  يمنح الممثل حرية تامة ليتحرك ويفكر ويشكل ويبني ليس دوره فحسب بل مجمل تفاصيل العرض ، ان التمرين عند صلاح  ساحة  مفتوحة للتأمل والتأويل انطلاقاً من تحريك مخيلة الممثل لكي تعمل دون توقف  وليبحر بخياله يومياً في بناء وهدم الصورة الدرامية للفكرة . لاأحد غير صلاح يعيد الاعتبار للممثل ليكون خالق العرض كما كان يفعل ثسبس  اول ممثل اغريقي  قبل كذا الف  سنة قبل الميلاد عندما كان لوحده يتولى تقديم عروضه المسرحيةوهو يتنقل  على عربة يدور بها بين المدن الاغريقية  قبل ان يتوصل الاغريق الى تقديم ممثل ثانِ  . لقد اعاد صلاح قراءة التجربة الفنية  في بناء العرض المسرحي  فلسفياً  بكل عناصرها  لتكون الصورة هي  البؤرة التي ينطوي عليها  تشكيل الفعل الدرامي ومنها تتشظى الرسالة الفنية . انا اجد أن كل الذين يعملون في مشغل التجريب المسرحي في العراق منذ مطلع الثمانينيات وحتى الان ليسوا إلاّ صدى لصلاح القصب .حتى الذين لم يعملوا معه يحاولون ان يقتفوا اثار تجربته . صلاح اصبح ايقونة التجريب  في المسرح العربي . لايمكن تجاوز تجربته دون التوقف عندها طويلاً لاستجلاء خصوصيتها وتأثيرها على مجل الاجيال التي جاءت بعده . هو شخص مغامر لايخشى الدخول في المناطق المجهولة في التجربة المسرحية لانه يملك خيال الشعراء الحداثويين ويتعامل مع اللغة على اساس هذا الفهم ليس باعتبارها اداة للتوصيل بل هو يشك دائماً في قدرة اللغة على التوصيل لذا لايعول عليها ابداً وهي تبدو امامه قاهرة للمعنى وللحرية التي دائماً ينشدها . لذا فهو يرى اللغة ماهي الاّ تحريف وتزييف للمخيلة التي تقف امامها المفردة ،  هي بمثابة هوة تسقط  في ظلمتها،  ان مسرح صلاح يستثمر العناصر المرئية والسمعية بديلاً عن اللغة القياسية والحوار لبناء شفرات العرض بعيداً  عن دائرة معارفنا واساليبنا المعيارية  التي نتداولها في فهم وتفسير العالم .

* هل المسرح الاحتفالي حقق ماكان يصبو اليه،  وكيف يتجلى هذا المسرح في تصورات النص الفلسفية والجمالية والمعرفية ؟
- كل الدعوات المسرحية  التي راجت في مطلع عقد الثمانينيات في المنطقة العربية والتي كانت تتمحور حول  استلهام اشكال وفعاليات تراثية كمسرح السامر والبساط والمسرح الاحتفالي كان الهدف منها التأكيد على مايسمى بالهوية والاصالة . وانا في تصوري جاءت تلك الدعوات بعد انهيار منظومة المشاريع الايدولوجية للاحزاب القومية الحاكمة في المنطقة العربية وبداية صعود المد الديني التكفيري المتطرف الذي بدأ يعلن عن نفسه صراحة في تلك الفترة بدعم من ابرز مراكز القوى التي تملك مفاتيح الابواب في عالم السياسة العربية . هنا كان  من الطبيعي ازاء هذا الانهيار وهذا التراجع المريع في العقلية والمنظومة الثقافية السائدة في المجتمع ان تطفو على السطح دعوات بالبحث عن الاصالة بين كتب التراث القديمة والعادات والتقاليد التي كاد المجتمع العربي ان يتجاوزها مع مطلع العقد الخامس من القرن العشرين وحتى نهاية العقد السابع منه . انا لاأجد تلك الدعوات قد توصلت الى شيىء مهم على المستوى الفني . ولم تسطتع ان تؤسس لمسرح عربي يملك شكلاً متفرداً كما هو الحال عند المسرح الياباني الكابوكي او الهندي او حتى الغربي بمعناه الارسطي . . انا افسر تلك الدعوات على انها ليست الاّ احساساً بالهزيمة والعجز كان المثقف العربي يشعر به بشكل حاد وهو يرى هزيمة مجتمعه وانكسار احلامه التي سار وراءها منذ  صعود الانظمة الوطنية وقادة العسكر بعد خروج قوى الاستعمار البريطاني والفرنسي والهولندي والبرتغالي من كل المنطقة العربية . كانت  دعوة  المسرح الاحتفالي وغيره من الدعوات الاخرى التي كانت تدعو الى العودة الى التراث  ماهي الاّ  عودة الى الوراء ليس بهدف المراجعة والنقد واعادة تقييم ماترسخ في العقول من صنمية فكرية .  ولوكانت كذلك لما وصلنا الى ماوصلنا اليه من ظلامية في التفكير والتخوين واقصاء للاخر على اساس الدين والطائفة والقومية داخل المجتمع الواحد والمدينة الواحدة بل داخل الحي الواحد . لكن لانها كانت عودة لتمجيد الماضي والتغني به بكل علاته واكاذيبه وابطاله الخارقين . لذا عدنا بتلك الدعوات الى  انتاج عوامل الهزيمة مرة اخرى داخل مجتمعاتنا . لنصل بالتالي الى فتاوى تحرم الفن المسرحي والموسيقي والنحت كما حصل ويحصل في العراق الان  وفي العديد من البلدان العربية التي اعادت محاكمة اعمالاً ادبية وفنية قديمة ،  واصدرت حكمها عليها بالحرق والمنع بعد ان كانت متداولة بين ايدي القراء طيلة عقود الخمسينات والستينيات والسبعينيات والامثلة على ذلك كثيرة . ولو كانت العودة الى التراث في المسرح الاحتفالي  حقيقية من اجل استعادة الوعي مكانته  في المجتمع ، لصدر عليه  هو الاخر حكم شبيه بالحكم الذي صدر على المفكر نصر حامد ابوزيد !

* هل تعتقد ان التجريب هو اخر حلقات الحداثوية في الفن عموماً ؟

- لاشك ان اللغة ماهي الاّ مستودع للخبرة التاريخية والاجتماعية للجماعة  والمجتمعات وتتطور هذه اللغة باتساع العمل وتطوره . والعمل الفني منظومة لغوية قائمة بذاتها تحتاج الى عمل وتفكير وانتاج مستمر لكي تتطور هذه اللغة ولكي يتمكن الفنان من صياغة العالم بلغة جديدة . هكذا بدأ الانسان في خطواته الاولى يشكل لغته من الاشارات ويطورها الى كلمات ودلالات لها مفاهيم ومدلولات وتشكلت بالتالي ذاكرته الاجتماعية . فالتجريب رافق الانسان منذ ان تحول العمل من اطاره النفعي  ليدخل في الاطار الجمالي . لذا لن يكون التجريب اخر حلقة في اطار الحداثوية قد يتخذ تسميات اخرى لكنه يبقى هاجس الفنان والمبدع الى تطوير ادواته ولغته وهو يعيد النظر في قراءة الاشياء واكتشاف ازمنة جديدة تتحرك بها لغته .

* ما الاليات المطلوبة لتأصيل المسرح العربي العربي ؟
-  لاقيمة للدراسات التي تصر على ان الاولوية لدى المسرحيين هي البحث عن جذور المسرح العربي في التراث والحضارات القديمة . ونحن نعلم ان هنالك العشرات من الدراسات والاطاريح الاكاديمية التي ذهبت في هذا الميدان ولم تستطع ان تقدم شيئاً مهماً يزحزح المفاهيم والاسس الفنية والجمالية التي وصلتنا من الاغريق . ليس عيباً ان يكون المسرح فناً اجنبياً دخل الى حياتنا الثقافية لان الثقافة الانسانية ملك مشاع لكل البشرية وليس حكراً على مجموعة بشرية . المهم هنا في هذا الموضوع كيف نستثمر هذا الفن الوافد الينا لكشف اخطائنا وعقدنا المستعصية ، هنا تكمن القضية في تأصيل المسرح العربي فكلما  تصدى المسرح للقضايا التي تشغل الفرد والمجتمع  بجرأة عبر اسئلته التي يطرحها كلما اقترب من مفهوم الاصالة . وكلما كان واعياً بنظرته الى التراث والماضي  وناقداً لهما كلما كان مسرحاً اصيلاً . وليس بالضرورة ان يلبس زيا وشكلاً محلياً مستمداً من الماضي البعيد الموغل في القدم حتى يكون اصيلاً . المهم ان يقف مع الانسان ولايقف مع السلطة بكل اشكالها . هنا تكمن اصالته .