المحرر موضوع: بن لادن: الشخص والظاهرة..!  (زيارة 1080 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل باقر الفضلي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 495
    • مشاهدة الملف الشخصي
بن لادن: الشخص والظاهرة..!
« في: 19:15 07/05/2011 »

بن لادن: الشخص والظاهرة..!

باقر الفضلي

وأخيراً مات أو قتل الرجل الذي كان يكنى "بن لادن" كما يموت أو يقتل غيره من الناس، ولكن دفن لا كغيره من الناس؛ فهو قد مات كشخص قد نفذ فيه "حكم القتل"، وبالمعنى "القانوني" "حكم الإعدام"، والى هنا يمكن أن تنتهي الحكاية، كما أرادتها أمريكا وكما صورها الرئيس الأمريكي باراك أوباما..!!!؟


فالولايات المتحدة الأمريكية، وهي من الدول التي لا يزال تشريعها الجنائي ينص على "عقوبة  الإعدام"، رغم دعوة المفوضة العليا لحقوق الانسان في الأمم المتحدة (نافي بيلاي) الى إلغاء عقوبة الإعدام عالميا، مشيرة الى أن 140 دولة ما عادت تنفذ عقوبة الأعدام، في وقت يوجد فيه 72 دولة ممن صدقت على بروتوكول "عقوبة الإعدام" الإختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في العام 1989 ، أصبحت ملزمة بعدم إعدام أي شخص كان وباتخاذ كل الخطوات لإلغاء العقوبة وعدم ترحيل أي شخص إلى بلد يمكنه أن يواجه فيه الإعدام.، ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر نفسها من الدول الراعية لحقوق الإنسان، وهي عضو في مجلس حقوق الإنسان، فالذي يبدو ويا للغرابة، وكأن المقتول بن لادن قد "حالفه الحظ" في أن ينفذ به "حكم الإدارة الأمريكية بالقتل"، وهو أعزل من السلاح، طريح فراش المرض وأمام عائلته، على يد فرقة عسكرية من الكوماندو المدربة في الولايات المتحدة الأمريكية، وطبقاً لإجراءات إتسمت بموافاتها "الشروط القانونية والشرعية"، على حد وصف السيد وزير العدل الأمريكي أمام مجلس الكونغرس الأمريكي..!!!؟؟


الى هنا يمكن أن تختتم القصة، وأن يسدل الستار على سيناريو " قتل بن لادن"، ولكن الأمر قد خرج عن المألوف في مثل تلك الأحوال، بل جر وراؤه من أذيال الحدث مالا يمكن التكهن بنهايته، أو تخيل معرفة فصل الختام..!؟


فقتل "بن لادن"، أو كما إصطلح عليه البعض تسمية "الإغتيال"، قد فتح أمام المجتمع الدولي والإنسانية، سيلاً من الأسئلة التي تتشعب بإتجاهات كثيرة ومختلفة، ترقى في بعضها حد الإحتجاج على الطريقة التي نفذت بها الولايات المتحدة الأمريكية عملية القتل، واقلها إفتراضاً وعلى المستوى القانوني، ما يتعلق بتكييف الواقعة نفسها من ناحية الشرعية الدولية والعلاقة بين الدول والقانون الدولي العام، ومفهوم السيادة طبقاً لميثاق الأمم المتحدة، ومدى شرعية التصرف الأمريكي من وجهة نظر القانون الجنائي الأمريكي، والقانون الجنائي الباكستاني، والقانون الدولي، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وأخيراً الرأي العام الدولي، إذ ليس من المعقول أومن منطق العدالة، تجريد عملية "قتل بن لادن" من كل هذه الإعتبارات، وفي مقدمتها إعتبارات ما تقرره لائحة حقوق الإنسان، حيث وبعكسه لا يمكن توصيف ما جرى في باكستان حيث المكان الذي تمت فيه عملية القتل، أو في واشنطن حيث البهجة والإنشراح ومراسم الإحتفالات أمام البيت الأبيض،  بعيداً عن نزعة أو حالة نفسية غلب عليها طابع من الإنتقام..!!!؟


 فالحدث من الشائكية والتعقيد، ما لايمكن تمريره شرعياً وقانونياً، على الصعيدين الإقليمي والدولي، لمجرد كونه قد إقترن من الناحية التنفيذية بمقتل الشخص المدعو "بن لادن"، المطلوب من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، إرتباطاً بأحداث التاسع من سبتمبر/ 2001  في أمريكا، ومن غير المعروف فيما إذا كان قد صدر حكم غيابي ما بتجريمه من قبل المحاكم الأمريكية من عدمه، وفيما إذا كانت الحكومة الباكستانية على علم مسبق بالعملية العسكرية الأمريكية أو شاركت فيها، أو أن منظمة الأنتروبول الدولية لديها إشعار مسبق بالنوايا الأمريكية أو قد ساهمت أو شاركت بجزء من العملية..الخ من الأسئلة ذات العلاقة، ومنها على سبيل المثال، الأسئلة التي وجهها محققان تابعان للأمم المتحدة،  ومعنيان بحقوق الأنسان...!؟(*)


أما إرتباطاً بالمستوى السياسي للحدث، فإن مقتل "بن لادن"، وبالطريقة التي تم بها، فقد أخرج الحدث، في الحقيقة، من أبعاده الشخصية والقانونية، ليضعه في رحاب الفضاء السياسي والإعلامي العالمي، ويخضعه الى مختلف التكهنات والتعليقات والتأويلات والتصورات المتباينة، لإرتباطه من حيث الأصل بأحداث التاسع من أيلول/2001 من جهة، وما إستتبع ذلك من إعلان ما يسمى بحالة "الحرب على الإرهاب" التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية على منظمة "القاعدة" بعد تلك الأحداث في كل أرجاء العالم، والتي تلخصت ترجمتها الفعلية بشن الحرب على أفغانستان عام/2001 ، والتي إستتبعتها فيما بعد، بحربها على العراق في آذار عام/2003 ، تحت نفس الذريعة أو  ما شابهها من الجهة الثانية..!!؟


 ومن هنا تحولت منظمة "القاعدة" وشخصية "بن لادن" الى الطرف الثاني من معادلة ما يسمى، ["الحرب العالمية الثالثة ضد "الإرهاب"]، ليتحول "بن لادن" نفسه الى حالة جديدة في المعترك السياسي العالمي، حيث إرتبط إسمه وإسم منظمة القاعدة بشكل محدد الى ما يسمى ب "الإرهاب" ، مما جعل من إسميهما "ظاهرة " عالمية لها وجودوها المنتشر في مختلف إرجاء العالم، واليهما بات ينسب أي عمل يشم منه رائحة لمعارضة ضد أي نظام إستبدادي في العالم..!؟ (**)


ولسنا هنا بصدد البحث في تفاصيل الحدث وآثاره على مجمل الحياة السياسية في العالم، وعلى الخصوص في منطقة الشرق الأوسط، أو عن شخصية "بن لادن" ومن تكون، فهذا خارج نطاق المقال، كما وقد كُتب الكثير من التعليقات حول الأمر، ولكل إجتهاده الخاص في النظر الى أبعاد مقتل ( بن لادن ) ومن الزاوية التي يعتقدها، ولكن ومن بدهيات القول هنا، الإشارة بهذه المناسبة الى أمرين ذي دلالة بالنسبة لتداعيات عملية القتل نفسها مستقبلاً؛


 فمن جانب، يطرح نفسه التساؤل عن المقدمات والجذور والعوامل والظروف التي إقترن بها خلق شخصية "بن لادن"،  ليتبؤ مثل هذا المركز السلبي المثير للإهتمام على الصعيد العالمي، ومدى علاقة ذلك بطبيعة دور الولايات المتحدة الأمريكية في تعاملها ونشاطها السياسي والبراغماتي على الصعيد الدولي مع الشعوب المستضعفة وحركات التحرر الوطنية وإنعكاساته على تلك الشعوب، وطبيعة مواقفها من قضاياها المشروعة، أمام الهيئات الدولية كمجلس الأمن والأمم المتحدة، ومدى تعلق كل ذلك بخلق شخصية (بن لادن) ومنظمة (القاعدة)،  ومدى وحدود مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية والقانونية كدولة عظمى، في خلق ما يسمى بمقولة (الحرب ضد الإرهاب)، التي لم تجد لها تعريفاً محدداً في حدود القانون الدولي والشرعية الدولية حتى اليوم، والتي تجد فيها الإدارة الأمريكية، القاعدة والأساس القانوني والفقهي لكل ما أقدمت عليه من شنها للحروب أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وإنتهاك حرمة أراضيها وإحتلالها..الخ، وليس في هذا ما ينفي عن الأفعال وأحداث التاسع من ايلول/ 2001 وسقوط آلاف الضحايا من المدنيين الأبرياء، طبيعتها الإرهابية الإجرامية..!؟


ومن الجانب الآخر، يطرح نفسه، السؤال الأكثر وجاهة وموضوعية، وبعيداً عن التدقيق والتحقيق في تفاصيل عملية قتل بن لادن، وحدود مشروعيتها القانونية على المستويين الدولي والخاص؛ السؤال الذي سيفرض نفسه لوقت طويل، وهو: هل حقاً إن ما أقدمت عليه الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أحدى الدول العظمى في العالم، من قتلها لإبن لادن بهذه الطريقة المشوبة بغموضها والمطعون بشرعيتها، سوف ينهي ما يسمى ب"الإرهاب"..؟، وهل حقاً يمكننا القول بعد الآن، بنهاية ما تسميه إدارة الولايات المتحدة الأمريكية ب "الحرب على الإرهاب" وإختفاء ظاهرة بن لادن كرمز مطلوب في هذه الحرب، التي قادتها وحشدت لها تلك الإدارة منذ أكثر من تسع سنوات..؟؟!


 إنها أسئلة تظل شاخصة أمام المراقب طالما ظلت أسبابها قائمة وبعيدة عن مجال البحث عن حلول إنسانية وعادلة لمشاكل الشعوب؛ ف"الإرهاب" وطبقاً للمفهوم المتداول على الصعيد الأمريكي الرسمي والأوروبي، ليس عالَماً قائماً بذاته، بل هو في الواقع، نتاج عوامل وظروف متداخلة، وأسبابها تغور بعيداً في عمق التناقضات والصراعات الدولية حول مصادر الثروة وأسواق العالم، والتفاوت الشديد بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وما تعانيه جموع الفقراء والكادحين الغفيرة في العالم من إستغلال وإنتهاك لحقوقها الإنسانية وإضطهادها المتواصل، ناهيك عن إزدواجية مواقف الدول الكبرى الغنية نفسها، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، في طريقة تعاملها  مع  شؤون العالم، ولعل الموقف المراوغ لها من القضية الفلسطينية، أحد أبرز الأمثلة على إزدواجية تلك المواقف..!!؟


 أما ظاهرة بن لادن والقاعدة وما شاكلهما،  فهما ليس سوى  نتاج كل ذلك، وإن إعادة إنتاجهما وتكرارهما أمر قائم، وإن كان بأشكال مختلفة وأسماء أخرى، طالما ظلت عوامل وأسباب إنتاجهما قائمة دون حلول إنسانية عادلة، فمثلاً أين من كل هذا أعمال القرصنة البحرية في جنوب البحر الأحمر..؟!


إنه وليس هناك مما يدفع للقول أو الحدس،  بأن ما أقدمت عليه الإدارة الأمريكية في زمن الرئيس دبليو بوش الأبن، من حربها على إفغانستان عام/2001 وغزوها للعراق عام/2003، وما أقدمت عليه الإدارة الجديدة في زمن الرئيس الحالي باراك أوباما، في طريقة تصفيتها "بن لادن" يوم الأحد الماضي، بأنهما مختلفتان من حيث الجوهر؛ فهما في الحقيقة، وعطفاً على ما تقدم ، وجهان لعملة واحدة..!!؟
6/5/2011
________________________________________________________
(*)   http://ara.reuters.com/article/worldNews/idARACAE7450NH20110506
(**)http://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8_%D8%B9%D9%84%D9%89_%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8