المحرر موضوع: يوميات ايرانية ( 14 ) تفنن في البطش  (زيارة 1108 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Adel Habba

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 30
    • مشاهدة الملف الشخصي
يوميات ايرانية ( 14 )
عادل حبه
تفنن في البطش

ما أن إستعدت قدراً من حالي وقواي، وما أن مر وقت ليس بالقصير حتى عاد طاقم التعذيب وشرع بـممارسة "فنه" المشين من جديد. إستخدموا هذه المرة ما يطلق عليه في إيران بـ "دست قباني"، أي ذراع الميزان، وهو إسلوب من التعذيب مورس في كل عهود الاستبداد في إيران وما زال يمارس حتى الآن في ظل حكومة العدالة "الاسلامية". هذه الطريقة تتم بواسطة تقييد يدي الضحية من الخلف ثم يتم تعليقه منهما بسقف الغرفة أو بالمروحة السقفية، ثم يجري سحب البدن من الرجلين بقوة من الاسفل مما يؤدي ذلك إلى آلام مبرحة في الكتفين واليدين جراء وزن الضحية وقوة سحب الجلادين. وغالباً ما تؤدي هذه الطريقة إلى خلع في الكتفين خاصة إذا إستمر التعليق لفترة طويلة وصاحبها الضرب والسحب. وهذا ما حصل معي ومع العديد من السجناء الذين تعرضوا لهذه الطريقة الهمجية. وهكذا عادت ماكنة الرعب تدور من جديد لترمي بثقلها على فريستها.
في أحدى هذه الليالي، وأن أتلوى من الألم، طرق سمعي صوت صياح مرير إستمر لفترة ليست بالقصيرة، وسرعان ما تحول إلى أنين أخذ يخفت تدريجياً حتى إنقطع فجأة بعد أن سمعت حشرجة واضحة للموت. وترامى إلى سمعي ضجيج وأصوات أقدام وجزم الحرس والشرطة وأصوات همس مرتبكة. ثم أطبق صمت مرعب كصمت الموت على المبنى. شعرت بالرهبة وبقدر من الفضول لمعرفة ما حدث لهذا الإنسان ومصيره. وما أن بدأت تباشير الصباح وبدأ تناوب الحرس حتى لمحت صاحبي الشرطي الأهوازي وهو يفتح الباب ويطمئن علي وعلى شفتيه إبتسامة محببة. وبعد لحظات جلب لي الفطور المتواضع وكأس الشاي، ولكني أوقفته وسألته بهمس عن ما حدث ليلة أمس؟. أجابني على عجل أنه سوف يتحدث لي عن ذلك بعدئذ. وبالفعل إنتهز فرصة إنشغال مرؤوسيه ليسرد لي قصة غريبة جداً علي. إن الشخص الذي كان يخضع للتعذيب هو مخبر في المخابرات الإيرانية المعروف بالساواك. وقد أعتقل هذا الشخص وعذب ثم لفظ أنفاسه تحت التعذيب بالخطأ، حيث كان يظن أنه يترأس مجموعة معارضة تخطط لإغتيال الشاه، في حين كان الهدف هو الإيقاع بالمعارضين. وغالباً ما تحدث مثل هذه "الأخطاء" في ظل الأنظمة الديكتاتورية. فهذه الأنظمة جميعها، ومنها الأنظمة الإستبدادية في العراق، لا تكتفي بجهاز أو مؤسسة واحدة للأمن والقمع، بل هي مولعة بتعدد الأجهزة لكي يراقب كل جهاز الطرف الآخر لئلا يقوم بعمل ضد النظام. ولربما ومن باب التزلف للمستبد، تتنافس هذه الأجهزة فيما بينها إلى حد الخصومة على تقديم خدماتها "وإختلاق" المعارضين لتبرر وجودها وتحلل "خبزتها". وهكذا تقدم هذه الأجهزة بعض عملائها ضحية لهذا التنافس. إن الذي وافته المنية كان من عملاء الساواك كما أشرت وكلف بتنظيم خلية للإيقاع بالمعارضين تحت واجهة إفتعال خطة مزعومة لإغتيال الشاه من أجل الظهور بمظهر الجهاز الفعال والمؤسسة الأمنية الساهرة على أمن النظام. ويبدو أن أحد عناصر إستخبارات الشرطة إتصل بالصدفة بهذه الخلية المزعومة بتوجيه من مرؤوسيه، ظناً منه أن أفرادها من المعارضين، وتم إعتقال "زعيم" المجموعة الذي ما كان إلا هذا العميل للساواك. وهكذا تم الإجهاز عليه ولم يتم التعرف على هويته إلا بعد أن فعل التعذيب فعلته وذهب إلى دار الفناء. ويبدو أن مثل هذه "الخبطات" كررتها الأجهزة الأمنية عدة مرات، كما سمعت عن قصص مماثلة من سجناء سياسيين صادفتهم لاحقاً في السجن.
سيطر وجوم ورعب داخل المعتقل. ولربما فاجأ هذا الحادث المأساوي الجميع، وراحوا يلجأون إلى الصمت بما فيهم أفراد الشرطة ليتفادوا مثل هذا المصير. وطال هذا الأمر حتى الجلادين الذين غمرهم الإرتباك جراء هذا الفعل بحيث مكثت بضعة أيام دون أن يسأل عني أحد ولا يستجوبني المحققين، وتحررت مؤقتاً من عبثهم الشرير. كان هذا الحدث المروع بمثابة فرصة لي لكي أسترد أنفاسي وجزء من عافيتي بعد التعذيب الذي تعرضت له. فالورم الذي أصاب رجلي قد خف نسبياً، والأوجاع قلت، وبدأت الشهية للأكل تأخذ مجراها.
ولكن هذه "الهدنة" لم تدم إلا بضعة أيام. وجاء الجلاوزة في بداية أحدى الليالي ليعيدوا كرتهم ويعكروا صفو راحتي.
بادرني محمد خطائي بالسؤال قائلاً:"هل تعرف كيف يعذب رفاقكم الصينيون معتقليهم؟".
كنا في ذلك الوقت نظن وعلى يقين بأن الأجهزة الأمنية في هذه الدول لا تمارس التعذيب إنطلاقاٌ من المثل الإنسانية التي تعلنها وتتبناها. ولهذا أجبته بصورة قاطعة أن لا وجود للتعذيب في الصين آنذاك. بالطبع كان ذلك خلاف الواقع كما تحققنا من ذلك بعد مدة، حيث لم تكن الممارسة في تلك الدول لتختلف عن التعذيب في أي مكان آخر. هددني خطائي مرة أخرى وبشكل هستيري بالتعذيب على الطريقة "الصينية" او ما يطلق عليه "كلاه أبولو"، أو "قبعة ابولو"، وإجباري على تقديم المعلومات التي يريدها مهما كان الثمن. وجاء بعض أعضاء الفريق وكبلوني بالقيود وساقوني إلى غرفة أخرى أصغر من سابقتها وذات نور قليل. أجلسوني على كرسي ثابت في الأرض وشدوا وثاقي على غرار شد المحكوم بالإعدام بالكرسي الكهربائي في الولايات المتحدة. حسبت الأمر وكأنهم يريدون التهديد والتلويح بالكرسي الكهربائي، أو لربما الإجهاز علي بواسطة الكرسي الكهربائي بالفعل. لاحظت أن هناك صنبور للمياه يتدلى فوق رأسي. خمنت أنه لربما يحتاجون إليه لغسل رأسي أو بدني إذا ما حصل نزيف خلال فعلتهم الهمجية.
ولكن سرعان ما إنتبهت حيث إنني شاهدت مثل هذا الهيكل الحديدي في أحد معتقلات النازيين في جيكوسلوفاكيا، وبالذات في مدينة بلزن المشهورة بصناعة الجعة. فقد نظمت لنا زيارة عندما كنا نتهيأ للسفر إلى أيران لهذا المعتقل من باب الإستعداد النفسي للإحتمالات الصعبة التي قد نواجهها. وشرح لنا الدليل آنذاك إن هذا الأسلوب في التعذيب أقتبس فعلاً من الصين حيث مارسها المستبدون الصينيون في العهود الغابرة ضد المعتقلين. إن هذه الطريقة تعتمد على خريطة لبدن الإنسان يستخدمها الطب الصيني الآن للمعالجة الدارجة بالإبر. وتقضي هذه الطريقة بغرز الإبر في عقد الشبكة العصبية مما يؤدي إلى تفعيل الكتلة العصبية وتنشيطها لكي تتجاوز الأمراض والأوجاع وحتى العلاج. وقد حكى لي المرحوم صالح دكله أنه عندما ذهب إلى الصين بعد ثورة تموز عام 1958 مباشرة، أصيب هناك بإلتهاب الزائدة الدودية. وهذا كان يتطلب في ذلك الوقت القيام بعملية جراحية جدية لإزالتها مما يعني بقائه في الصين ولا يشارك بالرحلة مع الوفد إلى الإتحاد السوفييتي. هنا إقترح عليه الطبيب الصيني إستخدام الوخز بالأبر الصينية التي لا تحتاج إلا إلى سويعات من الراحة ثم الإلتحاق بالوفد. وبالفعل أجريت له عملية الوخز وقام من فراشه وهو أشد نشاطاً من السابق، وتم معالجة الزائدة الدودية. إلا إن هناك بؤرة في قمة الرأس مؤشر عليها باللون الأحمر في هذه الخارطة الصينية، يحذر منها عند إستخدام الإبرة لانه قد يؤدي إلى احتمال الموت. ويتم التعذيب بالتنقيط تباعاً بإنزال قطرات الماء على هذه العقدة مما يسبب الأذى الشديد.
تقدم أحد الجلادين وشد رأسي إلى قضيب حديدي مثبت في خلف الرأس بحيث أصبح من الصعب علي تحريك الرأس. وبدأ الماء ينزل على شكل قطرات من الصنبور وعلى قمة الرأس وبشكل متناوب. في البداية لم أكن أشعر بشئ جدي، ولكن ما أن مرت بضع دقائق حتى بدأت أحس وكأن حفرة قد حفرت في قمة الرأس، وإن أثقال تتهاوى على رأسي. وشعرت بدوار وأوجاع رهيبة. وصلت الأوجاع إلى درجة بدأت أفقد عندها الإحساس، ولا أتذكر المدة التي أستغرقتها العملية. كنت أحاول أن أزيغ عن القطرات المتساقطة كالقنابل، ولكن الرأس قد شد بإحكام بحيث لامجال هناك للإبتعاد عن هذه القطرات المائية السحرية. وصلت الأمور إلى حد بحيث إنني لم أعد أشعر وهم يفكون وثاقي ويعودوا بي إلى زنزانتي مرة أخرى. تكررت العملية في الليلة التالية مع ملاحظة أن الجلادين أضحوا أكثر همجية وتوتراً من السابق. كانوا يريدون إنهاء مهمتهم ليحصلوا على "إمتيازاتهم" و"علاواتهم النقدية"، ويتخلصون من العبأ الذي يحملونه.
في نهار أحد الأيام سمعت صوت عزيز عليّ. صوت أبح معروف لدي، إنه صوت الخال الحاج مصطفى الصفار. يبدو أن المحققين قد قلبوا في أوراق تقديم الطلب للفيزا الإيرانية ووجدوا إسم الخال وعنوانه وراحوا يراقبونه ثم إستدعوه للإستجواب. وعرفت أنه لم يبقى إلا فترة قصيرة وغادر المكان بعد أن تأكد المحققون أن الرجل لا يعرف شيئاً عن نشاطي.
وفي الليل عاد الطاقم مرة أخرى مجدداً مطالبته بأن أعترف بما عندي من معلومات. هذه المرة قالوا إنهم سيستخدمون إسلوباً جديداً في التعذيب لم تسمع به من قبل، فأما أن تلقي حتفك أو أن تعترف بما عندك. وجلبوا كرسياً متيناً حفرت قاعدة الجلوس فيه بدائرة قطرها يتجاوز الثلاثين سنتيمتراً. نزعوا عني الملابس الداخلية وأجلسوني على الكرسي وشدوا وثاقي بإحكام. وبعد فترة قصيرة دخل شخص آخر وهو يحمل ما نسميه بـ "البريمز", ويسميه الإيرانيون "جراغ زنبوري". إنه طباخ نفطي صغير يستعمل عندنا في العراق أيضاً ويترك صوتاً مدوياً عند إشتعاله لأنه يعمل على أساس ضغط النفط إلى فوهة الجهاز. وضعوا البريمز تحت الكرسي، وبدأ البريمز منذ الوهلة الأولى يفعل فعله حيث شعرت بإحتراق شعر بدني وتصاعدت رائحة إحتراقه. وبدأت أتصبب عرقاً وأنا أحس أيضاً برائحة شواء وإحتراق الجلد والشعر أيضاً. هذا النمط من التعذيب البشع لم يمهلني طويلاً حيث تحركت لا شعورياً بعد حين وإنقلب الكرسي وفقدت الوعي كلياً.
لم أدري كم إستغرقت الغيبوبة أو النوم الذي تلاها. ولكنني إستيقظت وقد خيم الظلام على الغرفة بإستثناء بصيص المصباح الكهربائي المتدلي من سقف الغرفة. شعرت بأن المنطقة بين الفخذين وأسفل الفخذين تؤلمني بشدة جراء حروق الجلد. كانت هناك ثمة فقاعات مائية منتشرة على الجلد جراء هذه الحروقات ويسيل منها الدم والسوائل المترشحة. حاولت مناشدة الحرس بجلب ممرض لمداواة هذه الجروح ولكن دون طائل. وقضيت ليلة ليلاء مثقلة بالآلام والكوابيس وكان كل أملي أن ألمح ضياء الصباح لعلني أجد من يقدم لي العون للتخفيف من الآلام. بدت تباشير الصباح وبانت طلعة أحد الحراس من المناوبين الجدد، وكان دمثاً ووعد بالمساعدة، وقادني إلى دورة المياه وأنا في حالة يرثى لها. بعد حين جلب لي قليل من الخبز وقطعة جبن وكأس شاي، وان ذلك كل ما أتمناه بعد تلك الليلة الصعبة. وما أن إنتهى هذا الفطور "الملوكي" حتى إنفتحت باب الغرفة على مصراعيها ليدخل شخصان بلباس أبيض أدركت أنهما ممرضان، وشرعا بمداواة الندب والحروق والجروح مستخدمين الضمادات والمراهم والمسكنات وهما يلعنان بهمس كل من تسبب بهذه الفعلة. وبقي أحدهما يأتي لأيام عديدة لإسعاف الجروح والحروق، وبقيت هذه الجروح لفترة طويلة ومازالت آثارها على الجلد. رحت أفكر، وأنا أستعرض كل هذا "المزاح" الهمجي معي، علام كل هذا البطش المنفلت؟ وإذا كان هذا سلوكهم مع أناس أجانب لاعلاقة لهم بإيران وشؤونها، فكيف هو الامر مع المواطنين الايرانيين المعارضين لهذه السلطة الاستبدادية؟
بعد تلك الليلة، خفت أرجل الجلادين ضعاف النفوس، ولم أعد أراهم. ولكن إستمر التحقيق والسؤال عن هويتي وتاريخ حياتي وأماكن ذهابي، وأجبتهم بأجوبة متناقضة. ولكنهم كانوا يكتبون كل شئ. في أثناء ذلك كان المحققون يأتون بالآخرين و جرت مقابلات مع كل شخص على حدة من المعتقلين الآخرين الذين تعرفوا علي بالطبع بإستثناء واحداً منهم وهو محمد علي سيادت، الذي لم ألتق به بالفعل قبل ذلك. وفي آخر لقاء أخبرني خطائي بأننا سنقدم إلى المحكمة العسكرية الإيرانية بإتهام التجسس والنشاط الشيوعي وتزوير الوثائق. توقف كل شئ من التحقيق إلى التعذيب. وبدأ حالي بالتحسن بعد تلك الكبسة.
بقيت مع الآخرين في معتقل إستخبارات الشرطة الإيرانية لمدة خمسة أو ستة أسابيع، لم نشاهد خلالها الأهوال فحسب، بل كنا نسمع كل يوم آهات وأنات العديد من المعتقلين الذين كانوا يتعرضون إيضاً لإنتهاكات مريعة في بلد يفترض أنه قد وقع الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان. إن توقيع هذه الدول لا تعني إلا مجرد حبر على ورق لا يمنعها من إرتكاب أفضع الجرائم ضد شعوبها. ومازالت هذه الممارسات البربرية قائمة حتى يومنا هذا.

يتبع[/b][/size][/font]