المحرر موضوع: هل من حصان طروادة في الصف الفلسطيني والعربي؟  (زيارة 606 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كاظم حبيب

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1260
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كاظم حبيب
هل من حصان طروادة في الصف الفلسطيني والعربي؟

حين نتابع إشكاليات العلاقة بين إسرائيل وقوى منظمة التحرير الفلسطينية يمكننا تشخيص جملة من الظواهر التي تستجب منا التوقف بهدف الإجابة عن السؤال الوارد في عنوان هذا المقال. ولكني سأترك الإجابة على حصافة ورؤية كل قارئة وقارئ, ولكي لا أفرض رؤيتي الشخصية على أيٍ منهم.
الظاهرة الأولى الأكثر أهمية: لأول مرة في تاريخ دولة إسرائيل, وبتأثير مباشر وغير مباشر من ربيع شباب وشعوب الدول العربية ونهوضها ضد حكامها الطغاة وضد البطالة والحرمان والفقر رغم غنى بلدانها, ينهض الشباب الإسرائيلي بإعداد غفيرة جداً ويتجمع في الساحات العامة وفي مناطق حساسة, ثم وينصب الخيام للتعبير الصارخ عن احتجاجه الشديد على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية, وضد البطالة المتسعة باستمرار والتضخم التي يتجلى في ارتفاع الأسعار وتدهور القوة الشرائية للعملة الإسرائيلية وتأثيرها السلبي على القوة الشرائية للفئات الاجتماعية, إضافة إلى اتساع الفجوة بين المخولات السنوية ومستوى المعيشة والحياة بين فئات المجتمع الإسرائيلي لصالح الفئات الأغنى. كما يمكن أن يلاحظ ذلك في تفاقم الفجوة بين حياة ومعيشة وبطالة اليهود من أصول شرقية وأولئك الذين هم من أصول أشكنازية أوروبية لصالح الجماعة الأخيرة مع وجود تمييز واضح بينهما لصالح يهود أوروبا. كما إن الدولة والمجتمع في إسرائيل يواجهان يمارسان تمييزاً كبيراً ضد العرب يبرز في تفاقم البطالة والفقر والعوز وفي التعامل اليومي المناقض لمبادئ شرعة حقوق الإنسان بكل أجزائها.   
لقد تفجرت أزمة حادة داخل المجتمع الإسرائيلي لم تعرفها إسرائيل من قبل لعدة أسباب جوهرية:
1.   السياسة العسكرية التي تمارسها الدولة الإسرائيلية منذ نشأتها وتفاقم مصروفاتها لعسكرة المجتمع والحياة السياسية وإقامة أكبر ترسانة للأسلحة في منطقة الشرق الأوسط, إضافة إلى مصانع إنتاج الأسلحة, بما في ذلك الأسلحة النووية وبقية أنواع الأسلحة المحرمة دولية, رغم كل الهبات والمساعدات التي تقدمها الولايات المتحدة الأمريكية في تسليح إسرائيل. إنها مبالغ هائلة تكلف خزينة الدولة كثيراً وضعف قدرتها على تأمين الاستهلاك الاجتماعي الضروري للمجتمع.   
2.   تراجع قدرة إسرائيل على الاستجابة لحاجات المجتمع المتزايد في مختلف المجالات الاجتماعية والتي تدفع بالكثير الفئات الاجتماعية الفقيرة إلى الهامشية الاقتصادية والاجتماعية وإلى تشديد التناقضات الاجتماعية وتحولها إلى صراعات اجتماعية والتي بدأت تتحول إلى نزاعات سياسية حادة لا يمكن أن يعرف مداها في ظل حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية التي تجمع في بنيتها كافة قوى اليمين الإسرائيلي بمختلف أجنحتها بما فيها الأكثر تطرفاً وعنصرية وعدوانية ضد العرب.
3.   إن السياسات الاقتصادية والاجتماعية اليمينية للحكومة الإسرائيلية التي تسير على نهج اللبرالية الجديدة تحقق نتائج متباينة في المجتمع الإسرائيلي, فهي من جانب تخدم كبار الرأسماليين والاحتكارات الرأسمالية الإسرائيلية وتشابكها الكبير والعضوي مع الشركات الاحتكارية الدولية المتعدية الجنسية وتزيدهم غنىً وجبروتاً, فإنها من الجانب الثاني ترهق الفئات الاجتماعية الكادحة والمنتجة والفقيرة والعاطلة عن العمل. وهي النقطة التي تزيد من تناقضات وصراعا هذا المجتمع, وخاصة خلال السنوات العشر الأخيرة.
4.   تفاقم البطالة بين الخريجين والمثقفين الأكثر وعياً في المجتمع الإسرائيلي, إضافة إلى تنامي مخاطر السياسات العسكرية التي تمارسها حكومة نتنياهو المناهضة لعملية السلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وسعيها لابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية المحتلة وجعلها جزءأ من أراضي دولة إسرائيل, إضافة إلى بناء المزيد من المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية وبالضد بالمطلق مع قرارات مجلس الأمن الدولي بهذا الخصوص, يحرك هؤلاء الشباب والفئات الاجتماعية الفقيرة ضد سياسات نتنياهو اليمنية في الداخل والخارج.     
5.   ونتيجة لهذه السياسات اليمينية المتطرفة والعدوانية إزاء الشعب الفلسطيني في الأراضي العربية المحتلة وعدم استجابتها ورفض تنفيذها لقرارات مجلس الأمن الدولي, برز اتجاه واضح في السياسة الدولية وفي الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي ضد سياسات إسرائيل في المنطقة وخاصة إصرارها على عدم استمرار احتلالها للضفة الغربية القدس الشرقية ومزارع شبعا والجولان السوري. لقد نش|أ مناخ دولي ضد إسرائيل رغم كل محاولات الإدارة الأمريكية الدفاع عن سياسات إسرائيل في مجلس الأمن الدولي, ورغم رفض نتنياهو مقترحات باراك أوباما بتجميد الاستيطان والبدء بالمفاوضات.
وفي ظل هذه الأجواء وخشية تفاقم الوضع الداخلي أُجبرت حكومة نتنياهو على اتخاذ ثلاثة إجراءات:
1. تشكيل لجنة لدراسة الوضع الراهن وتقديم المقترحات لمعالجته.
2. عقد جلسة خاصة في الكنيست الإسرائيلي لدراسة الوضع واحتمالاته واتخاذ الإجراءات لمعالجته قبل تفاقمه.
3. التفتيش عن أي منفذ يساعد حكومة نتنياهو على تصريف الأزمة الداخلية وتوجيه الأنظار بعيداً عن المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية التي تعاني منها إسرائيل منذ فترة, وخاصة سقوطها في عزلة دولية شديدة نتيجة, نحو الوضع الأمني والصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

الظاهرة الثانية المهمة: أوضاع منظمة التحرير الفلسطينية
بالرغم من كل المشكلات الداخلية التي تعاني منها منظمة التحرير الفلسطينية خلال السنوات المنصرمة نتيجة سياسات المنظمة ذاتها وما فيها من فساد سائد وقلة شعوب المسؤولية وسلوك حماس الساعي لشق هذه المنظمة والشعب الفلسطيني وفرض الوصاية الإسلامية السياسية الإيرانية عليه, والصراع بين إيران والسعودية للهيمنة على القرار الفلسطيني, تمكنت منظمة التحرير الفلسطينية أن تستفيد من الجو الإيجابي الذي نشأ على الصعيد العالمي لصالح القضية الفلسطينية أن تطرح مسألة الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية, بالرغم من معارضة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول الأخرى, على مجلس الأمن الدولي  في أيلول – سبتمبر 2011 لاستصدار قرار دولي بذلك . ولأول مرة حقاً تقرر وضعت القيادة الفلسطينية بجدية غير معهودة دولة إسرائيل في  زاوية حادة وخانقة لمشروعاتها التوسعية والعدوانية.
ورغم رفض حماس تنفيذ الاتفاق الأخير الذي تحقق بوساطة مصرية بعد سقوط مبارك من أجل المصالحة الوطنية بين منظمة التحرير الفلسطينية وحماس ورفض إجراءات الانتخاب في غزة, الذي يضعف موقف منظمة التحرير الفلسطينية أمام أنظار شعبها والعالم, فأن المنظمة ما تزال مصرة على متابعة أمر طرح مسألة إقامة الدولة الفلسطينية على مجلس الأمن الدولي ولم تنفع حتى الوساطات الدولية لتأجيل الأمر والاتفاق الذي لا يمكن يتحقق مع إسرائيل دون تدخل جاد وفعلي من مجلس الأمن الدولي والرأي العام العالمي.

من هنا يتبين لنا أن إسرائيل حوصرت من الداخل بمشكلات كبيرة سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة وتزداد يوماً بعد آخر تعقيداً. فماذا حصل خلال الفترة الأخيرة الذي استقبلته إسرائيل بكل والاستفادة منه لصالحها.

الظاهرة  الثالثة السلبية الحادة: إيران وقوى الإسلام السياسي في غزة
في فترة متقاربة طرح الدكتاتور الصغير محمود أحمدي نجاد في إحدى خطبه وتصريحاته الأخيرة مسألة إصرار إيران على إزالة الوجود الإسرائيلي كدولة في فلسطين. ورغم أنه يدرك تماماً إن ما يطرحه وهماً يحاول به أن يوهم العرب عموماً وعرب فلسطين خصوصاً, ويكسبهم إلى جانبه في فترة تزداد عزلة إيران وتخسر يوماً بعد آخر أفضل حليف لها في المنطقة, الدكتاتور السوري, وبالتالي يخسر حزب الله الأرضية التي يقف عليها والدولة الجارة التي يعتمد عليها في تسلحه وأمواله. وفي هذا الطرح يقدم تهديداً غير لإسرائيل يمكن أن تستفيد منه في مجلس الأمن الدولي وعلى صعيد رأي العام العالمي. 
وفي ذات الفترة قامت قوى الإسلام السياسي في غزة بتوجيه صواريخها صوب المناطق الحدودية لتقتل شخصاً وتجرح آخرين وتهدم بعض البيوت. ولكن ماذا كانت النتيجة؟

النتائج أو العواقب المحتملة:
** المزيد من الضربات الإسرائيلية ضد غزة والمزيد من القتلى والجرحى وخراب بيوت الناس. 
** المزيد من التوتر والتهم المتبادلة وتصعيد التهديدات الإسرائيلية.
** إضعاف القوى الداخلية المناضلة ضد سياسات حكومة نتنياهو.
** بدء التغير في الموقف الدولي في غير صالح القضية الفلسطينية التي ستعرض على مجلس الأمن الدولي في الشهر المقبل.
** توترات جديدة في الصف الفلسطيني بسبب عدم التزام قوى الإسلام السياسي بعدم التصعيد مع إسرائيل.
** تهديد إسرائيلي بقطع الموارد المالية عن الحكومة الفلسطينية.
** بدء بروز تلميحات عن احتمال تراجع منظمة التحرير الفلسطينية والرئيس محمود عباس عن طرح القضية أمام مجلس الأمن الدولي من خلال القول بأنه مستعد لعدم طرح القضية إذا أبدى الإسرائيليون الاستعداد للتفاوض, علماً بأن الإسرائيليين يرفضون أي تفاوض بوجود شرط وقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
لقد قدمت قوى الإسلام السياسي في كل من غزة وإيران وحزب الله في لبنان خدمة كبيرة وكل ما كانت تنتظره وتحتاجه حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية والمتطرفة من أجل تخفيف الضغط الداخلي والدولي عليها, والسعي لقلب العملية كلها ضد الفلسطينيين ومنظمة التحرير الفلسطينية.
هل كانت تلك الصواريخ الغزاوية البائسة ضرورية في هذه الفترة أم كانت في المحصلة النهائية خدمة مباشرة وغير مباشرة ومساعدة لإسرائيل لتجاوز محنتها وأزمتها الداخلية وتعبئة الرأي العام الإسرائيلي ضد القوى الخارجية في غزة والضفة الغربية؟ هل كانت تهديدات إيران بحذف دولة إسرائيل من خارطة الشرق الأوسط والعالم ضرورية في المرحلة الراهنة, والكل يعرف موقف إيران الكاذب والمخادع في هذا الصدد, أم كان خدمة فعلية ومساعدة مباشرة لإسرائيل من أجل تأكيد الأخيرة على المخاطر التي تواجهها في المرحلة الراهنة واحتمال إبعاد إمكانية تحقيق ما تصبو إليه منظمة التحرير الفلسطينية من فرض قيام الدولة الفلسطينية عبر قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي.
نحن نعيش نشاطاً تخريبياً منظما من قوى اليمين العربي المتطرف الإسلام السياسي والقومية الشوفينية يلتقي بتناغم كبير مع القوى اليمنية اليهودية المتطرفة والقومية الصهيونية الشوفينية على مسألة واحدة هي تعطيل المفاوضات ومنع حصولها ومنع قيام الدولة الفلسطينية على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية. كلنا يدرك تماماً بأن إسرائيل تريد منع ذلك بذريعة المفاوضات بين الطرفين وتأخيرها من أجل ابتلاع المزيد من الأراضي المتبقية في فلسطين وبناء المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية. أما قوى حماس والجهاد الإسلامي وإيران وحزب الله وبعض القوى القومية الأكثر تطرفاً فإنها تدعي برغبتها في إلقاء إسرائيل بالبحر لإقامة الدولة الفلسطينية بحدود ما قبل قرار التقسيم. وإذا كان بإمكان إسرائيل أن تحقق المزيد من الاقتطاع وإقامة المستوطنات, فأن الجماعات الإسلامية والقومية كانت وما تزال تعيش في وهم يكلف الشعب الفلسطيني المزيد من الآلام والخسائر ويخدم, شاءوا ذلك أم أبوا,  إسرائيل وسياساتها التوسعية على ما تبقى من أرض فلسطين مباشرة.

والآن على القارئات والقراء الكرام أن يقدروا محنة الشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية والعواقب الوخيمة لوجود من يدَّعون الدفاع عن دولة فلسطين بحدودها القديمة, ولكنهم يمارسون دور حصان طروادة في العالمين العربي والإسلامي لصالح إسرائيل.
3 أيلول/سبتمبر 2011                  كاظم حبيب