المحرر موضوع: الفلسفة السياسية لإقليم كوردستان و كسر لغة الحتميات المقفلة  (زيارة 753 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سامان سوراني

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 293
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الفلسفة السياسية لإقليم كوردستان و كسر لغة الحتميات المقفلة

في الفكر الليبرالي الكوردستاني من المطلوب أن تكون حکومة إقليم كوردستان قوية بما يکفي لجعل إرادتها تطغی علی جميع الإطراف الاجتماعية الأخری. ومن الواضح بأن إدراج الحقوق الأساسية للمواطن في الدستور شرط أساسي لكي تبقی الحرية الفردية غير مهددة من قبل السلطة السياسية، التي تحتكر الحق في إستخدام القوة والقدرة في التصرف علی نحو حاسم. أما منهج الفصل بين السلطات ومتابعة نظام من التدقيقات والموازنات وكذلك القضاء المستقل وحكم القانون و الاستعمال المنظم بإنضباط للاجتهاد التنفيذي و نزع صفة القداسة عن السلطة ومحاولة التصدع لحصرها، فهي من الأمور الجوهرية التي تنعکس في هذا الفكر.
أما رضا الشعب الكوردستاني، فهو الأساس لشرعية السلطة، وهو الضمان الوحيد للوحدة والاستقرار وفاعلية الإدارة الرسمية، وصون البلاد من التدخلات الإقليمية والأجنبية. وهذا يتطلب بناء علاقة إيجابية و متينة بين المجتمع الكوردستاني وحکومة الإقليم، بحيث يشعر الشعب أنه مصدر مهم للسلطة، وشريك كامل في تقرير السياسات العامة عبر ممثليه المنتخبين في برلماني الإقليم والحکومة الإتحادية. وغرض الإقليم من هذا هو خدمة المجتمع الكوردستاني وصيانة مصالحه والارتقاء بمستوى معيشته ، وضمان كرامة أفراده وعزتهم ومستقبل أبنائهم، الذين نالوا في عهود "الطغيان الشرقي" جور الحكومات القسرية المستبدة  . 
ما نلاحظه اليوم في كوردستان العراق، بأن رئيس الإقليم يدعم سياسة اللامرکزية الإدارية بشكل ملحوظ. من جانبنا نعتبرهذه الخطوة إيجابية الی درجة و ضرورية لتفعيل ممارسة الديمقراطية الجذرية في كوردستان، فهي مدرسة حقيقية للديموقراطية، يؤكد المبادئ الديمقراطية في الإدارة، لأنه يهدف إلى اشتراك الشعب في اتخاذ القرارات وإدارة المرافق العامة المحلية و يتيح في الوقت نفسه للإدارة الرئاسية والحکومية التفرغ لأداء المهام الأكثر أهمية في رسم السياسة العامة وإدارة المرافق الوطنية ولها في نفس الوقت الحق في ممارسة الوصاية الإدارية علی الهیئات اللامرکزية.
أبان الحكومات العراقية السابقة كانت الإدارات، التي هي الآن ضمن مشروع اللامرکزية في الإقليم الكوردستاني، تعيش حالة الترهيب و القتل الجماعي والتهجير القسري و الإقصاء والتهميش والحرمان الواسع على الرغم من إحتواءها على الكثير من الثروات التي لم تنتفع بها.
بحسب منطق التوليد والتحويل لايبقی شيء علی ما هو عليه، و شعب كوردستان رهنّ لإمكاناته علی أن يحوّل الواقع، وأن يتغير عما هو عليه، فكراً أو فعلاً وممارسة، من خلال مايخلقه من العوالم المختلفة بقواها وعلاقاتها، أو المتميزة بلغاتها ورموزها، أو الفعالة بأدواتها ووسائطها. وهذه ليست دعوة للطوباوية أوالمثالية كما يعتقد البعض، وإنما هو الممكن لمجابهة تحديات العولمة ومغادرة مواقع الهامشية، فالعولمة هي واقعة العصر، شِئنا أم أبينا، إذ يمكن إعتبار نظام المعلومة بعد هذا الإنقلاب الكوني الخطير بمثابة نظام الأنظمة في التفكير والعمل والبناء، في إدارة الكلمات والأشياء، يغير قواعد اللعبة الوجودية ويبدل وجه الحياة ويخلق أنماطاً جديدة من الروابط بين البشر ويعيد ترتيب الأدوار والأولويات، فالمعلومة هي اليوم ذات طابع كوني ومتاحة أمام الجميع للمساهمة في إنتاجها وإستثمارها، أو نقلها وتداولها.
إن إقليم كوردستان تغيّر عما كان عليه، ولم يعد يشبه نفسه لا في مجال العمارة ولا في مجال الفكر والسياسة، وهذه واقعة يجب أخذها في الحسبان، ومعنی ذلك أنه لم يعد بوسع السياسي التقليدي بعُدة قديمة أو صدئة أن يمارس مهمته كما اعتاد أن يمارسها. ثمة إمكان جديد لابتكار مهمة جديدة، في عصر الحقل الوسائطي والفعل التواصلي، أو في زمن الـمعلومات الكونية والسوق المعولمة، سواء سوق الأفكار أو سوق السلع والأدوات. فالفكر لايجدي من غير مواده و أدواته أو من غير وسائطه وأسواقه.
الفلسفة السياسية في كوردستان تسعی لکسر لغة الحتميات المقفلة و تستمر في مكافحة الكسل الثقافي وعقلية الثبات والمحافظة التي لا تُنتج سوی التراجع والتبعية و هدر الثروات. و تتعمق في إدارة هويتها و أفكارها وثرواتها وعلاقاتها بالعالم الخارجي بإستخدام نهج جديد من أجل بناء عقلية الشراكة والمداولة والإحساس بالمسؤولية المتبادلة عن المصائر. هذا النهج الجديد لايمکن أن يصل الی أهدافه من غير إستعمال عقل تواصلي وفكر ترکيبي ومنهج تعددي ومعيار تبادلي ومنظور مستقبلي وأفق كوکبي و لغة وسيطة وهوية مفتوحة وهجينة.
أما الإصلاح فهو لا يتحقق بعمل نخبة سياسية أو قلة مثقفة، فهو ليس تطبيق للنظريات أو لخطط كلية أو شاملة مفروضة أو مرسومة أو إحتذاء للنماذج، بل هو حصيلة لمجمل جهود المنخرطين فيه دون إستثناء. فكل فاعل يؤثر في مجتمعه علی نحو ما يؤثر سلوك النملة الواحدة مسيرة النمال اباحثة عن الغذاء. علينا أن لا ننظر الی من يسعی الی الإصلاح والتحديث والبناء بوصفه الملاك والقابض أو المحتكر للمعنی والحقيقة والمشروعية أو للمفاتيح والحلول المتعلقة بالقضايا والمشكلات، بل بوصفه خالق رهانات وممكنات ومغيّر معادلات أو مبتكر صيّغ ومرمّم معالجات.
إقليم كوردستان لا تنتظر تغيير الجينات العلمية لتغيير الميمات الثقافية، من النماذج والمبادیء والقواعد التي ننسج بها علاقاتنا ونقود مصائرنا المشتركة. أمامنا أوروبا کمثال حي، فهي في اليوم الكتلة الوحيدة في العالم، الأقل ممارسة للعنف، فهي تعقّلت وتدبّرت، بعد حروبها الطاحنة وعادت الی صوابها، لأنها تعرف حق اليقين بأن الحروب ماعادت تنتج سوی الدمار المتبادل وتواطؤ الضد مع الضد وحررت نفسها من الفكر الأحادي والنظام الشمولي أو الفاشي وخفت فيها المنزع الأصولي والطلب علی المعنی الديني. 
وختاماً: "من يفكر بصورة حديثة ليس هو الذي ينقطع عن تراثه، بل هو الذي يتحرر من أوهامه الحداثية عن التراث، لكي يحسن صرفه وإستثماره."
د. سامان سوراني