المحرر موضوع: جيرة آخر زمان  (زيارة 844 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صباح پلندر

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 74
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
جيرة آخر زمان
« في: 11:05 14/11/2011 »
جيرة آخر زمان

أتذكر بيتنا الطيني الذي ترعرعت به..حياةفي غاية البساطة, حيث كانت لنا مواشينا التي نرعى بها و مثلنا كانوا جيراننا أيضا , و أتذكر أمي رحمها الله..حينما كانت تذهب لحلب الأغنام و كانت مجبرة على أن تقطع مسافات طويلة لهذا الغرض في بعض الاحيان .و كنت أحيانا أنتظر رجوعها قلقا على تأخرها في الرجوع الى بيتنا. أنذاك كنت طفلا صغيرا يكلف بمهمة المكوث في البيت وحيدا و كحارس له و انا لم أبلغ السادسة من العمر فقط لا غير .لم أكن أجيد مهمة طبخ الطعام أو أعداده بعد, فكانت جارتنا الطيبة تتكفل بمهمة تقديم الطعام لي و بكل كرم وعطف و حتى كانت تقدمني على أبنائها و أفراد عائلتها, ولطالما كانت تواسيني و تهدء من روعي بحكاياتها الممتعة و التي كانت تساهم و بشكل مؤثر من تخفيف وطئة الوحدة و الانتظار الذي كانت تصاحبني في غياب والدتي عن البيت . و الى حين عودة أمي من المراعي وهي تحمل سطل الحليب..حيث تقوم بتصفيته عن طريق قطعة قماش الشاش و أنا جالس أمامها أتابع كل تحركاتها و ما تفعله. و في أكثر الاحيان كانت تبادر في أسألتها المعهودة...هل أنت جائع؟ و ماذا فعلت في وحدتك؟ هل أطعمك الجيران؟ وكانت أجوبتي بالأيجاب دائما ..لأن الجيران ما كانوا ليقصروا في كرمهم المعهود , و كنت أن سألتها في أحدى المرات..أن كانت هي الاخرى تفعل نفس الشيء مع أبناء الجيران في حالة غيابهم ؟ فكان جوابها نعم بالتأكيد , لأن هذا واجب الجيرة الحقيقية و لا بد من القيام به, وكانت تقول أنه لافرق مابينك ومابين أطفال الجيران لأنكم بمثابة الأخوة و لافرق بينكم أبدا. و سألتها مره ..هل الخالة (مسي) جارتنا الحنينه هي أختك عن حق؟ فأجابت نعم , طبعا. و ذكرتها بأني قد رأيت والدها وسألته أن كان هو أب لأمي أيضا؟؟ فرد الشيخ الطيب بالنفي وقال أنه بمثابة العم لأمي و أستفاض بأنه لا فرق ما بين أمي والاخريات من بناته قطعا . بينما كان جواب أمي ..بأنهم خوات في الجيرة و عمل الخير وخدمةالناس . وأثناء الحديث بهذا الشأن و في عين اللحظة..مر بنا رجل يحمل على ظهره شدة من الحطب و يبدو عليه الارهاق و التعب..فقال لأمي بأنه جائع..فبادرت أمي فورا بتقديم الخبز واللبن له..فأكل وشبع وشكرنا وحمدالله وغادرنا الى طريقه, وأذكر أنه كان يتكلم اللغة الكردية..فسألت أمي من يكون هذا الرجل ؟ فقالت لي بأنه مامه قادر  من منطقة شقلاوة و أن الرجل كان يمتهن مهنة جمع الحطب وبيعه لغرض الارتزاق و العيش.هكذا كان التعاون و علاقات الجوار في أيامنا أنذاك !!
أما ما يتكلمون عنه اليوم من علاقات جوار ما بين الدول!! فهو شيء مغاير لا علاقة له بمفاهيمنا وتقاليدنا و ما عرفناه من معاني . وعل الخصوص بما يخص علاقات الجوار ما بين العراق والدول المحيطة به !!فهي مخالفة لكل القيم و المفاهيم و الاخلاق الانسانية المتعارف عليها !!أنظروا الى دول تجاورنا مثل تركيا و أيران و السعودية و الخ !! كيف كيف يتصرفون و العراق غارق بمحنته ينتظر العون و المساعدة من الجميع؟؟؟ تركيا وأيران تقصفان و بأحدث طائراتهما ومدافعهما قرى العراق وسكانها المدنيين الابرياءو يقومون بقطع الماء عن العراقيين و بدون رحمة...ويحرمون المواطنيين الابرياء والذين هم أساسا ينتقصون لجميع الخدمات الانسانية الضرورية ويعانون من غيابها في معيشتهم اليومية .
جيرة آخر الزمان....أستبدلت بمفاهيم وتقاليد نشر الموت و العنف و تصدير المصائب لدول الجوار وسكانها المسالمين !! سكانها و الذين هم أساسا يعانون من أشد الظروف صعوبة وقساوة في تأريخ بلدهم..العراق .يصرون على الأستمرار في تجريب و أستخدام أحدث وسائل القتل البشري في عملية تدمير شاملة لقری کردستانیه‌ العراق وطرقه وجسوره ومزارعة وقتل سكانه العزل من شيوخ ونساء و أطفال .
جيرة آخر زمان....أفقدتهم بصيرتهم الانسانية و زرعت فيهم مزايا القتل و الحقد الانساني بدلا عن التعاون و التفاهم وعمل الخير . و لم يعد يعرفوا لغة للحوار و التفاهم و أستعاضوا عنها بلغة الحرب  الدمار و الخراب ...سمات تتطابق مع أنظمتهم البالية ..العفنة .
 
صباح بلندر