المحرر موضوع: دروب الهجرة من الوطن .  (زيارة 2582 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صباح پلندر

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 74
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
دروب الهجرة من الوطن .
« في: 10:45 12/12/2011 »
دروب الهجرة من الوطن .

قدر لنا أن نولد في وطن أسمه العراق,و أن نهرب منه لاحقا باحثين عن مآوى أكثر أمنا لنا ولأطفالنا. في طريقنا الى هذا الهدف و بحملنا الثقيل الكثير وفي أثناء مسيرتنا عبر الطرق الجبلية الوعرة الخطرة عبر الحدود العراقية _ التركية , تذكرت لسعات الريح الباردة وهي تجلد وجوهنا المغبرة في ظلام الليل الدامس, سائرين الى المجهول لا نرتدي ألا  البسيط من الملابس و نعاني من العطش و الجوع المؤلم ,ولأظطراري لتخلي عن بعض من ملابسي ولغرض تغطية أطفالي الأربع , حيث كان بعضهم يرتجف ويبكي من شدة البرد , فكنت من أبرز ضحايا هذا البرد القارس الجبلي ,ذكريات كما هي كوابيس الليل المزعجة تذكرني بمعاناتنا القاسية ونحن نقطع هذه الدروب الوعرة المليئة بالصخور القاطعة الحادة كالسكاكين الجارحة وهي تصطدم بأقدامنا المتعثرة بها ليلا و نتيجة لظلام الدامس  و أقدامنا التي كانت تضيع فيه مصطدمة بهذه الصخور اللعينة التي كانت تفتح الجروح في أرجلنا وأقدامنا , خالقتا مزيدا من الألم المتولد نتيجة لتقرحات الناتجة عن المسيرة الطويلة الصعبة عبر هذه الممرات الجبلية المرعبة ونحن نقطعها ليلا و لأظطررتنا لذلك .أثناء المسير الليلي كان يتردد على مسمعي صوت بكاء الأطفال من البرد والخوف والعطش و الجوع , فكان الألم يعتصر القلب و الروح و ليس بالأمكان عمل ما يوقف هذا الألم !!توقفت للحظة كي أروي عطش أصغر أولادي, ففتحت مطارة الماء الصغيرة الوحيدة التي أحملها وسكبت بعض القطرات من الماء في غطاء المطارة وقدمتها بأتجاهه فهجم عليها مطالبا المزيد وهو يبكي ولم أستطع تلبية رغبته لحاجتنا للبقية من الماء وكان الطريق مازال طويلا .أذكر أن دموعي بدأت تنهال على وجهي و بسب أحاسيسي المتهيجة في تلك اللحظة فمسحت وجهى فأختلط الدمع و الغبار الذي كان يغطي وجهي ناشرا مزيجا غريبا على بقية وجهي .كنت أخشى أن يلحظ الأطفال ذلك المنظر ,أتذكر تلك المسيرة التي أستمرت لعدة ليالي مابين الطرق الوعرة مابين الجبال الشاهقة والوديان الممتدة بينها , كنا نتمنى وقت الراحة أثنائها كي نفترش الارض والصخور وسائد نتكأ اليها للقليل من الراحة المستحيلة مع الألم الذي كان يجتاح أجسادنا واقدامنا المتقرحة . لم نكن نأبى الحشرات السامة المنتشرة في العراء لأننا كنا نعتقد بأن جلودنا دبغت من الأوساخ خالقتا نوع من الدروع الواقية التي ستمنع الحشرات من أختراقها . وان الحشرات ستهرب من رائحة أوساخنا المقرفة !! عبرنا الحدود العراقية - التركية في ليلة ظلماء مليئة بأصوات وعواء الحيوانات الوحشية البرية التي كانت توزع الرعب و الخوف مابين مجموعتنا وخصوصا الأطفال منهم . أتذكر أن عيني قد وقعت أخيرا على بصيص من الضوء , صرخت عند رؤيته , بأنها أضواء قرية ما على الحدود , مما زرع نوع من الأمل في نفوسنا . فسألت الدليل عنها , فأكد لي أنها أحدى القرى الكردية عبر الحدود التركية, فسألته عن السبيل الى دخولها و بأسرع وقت ممكن .أشار لنا الدليل أن نتحرك بحذر وصمت وأن لا نصدر أية ضوضاء حوفا من تواجد الجندرمة التركية و التي كنا نخشاها أكثر من أي شيء .طلب الدليل منا أن نتقسم الى مجمعات صغيرة لا تتشكل بأكثر من شخصين فقط , أجتاحتني الحيرة حينها عن أمكانية ذلك و برفقتي عائلتي المتكونة من 6 أشخاص , أنا وزوجتي و أطفالي الأربع , فكيف لي أن أوزعهم ؟ أصطحبت أبني الأصغر وكان عمره 5 سنوات وقمت بتوزيع البقية منهم على بقية المجموعة , أن أكبرهم كانت بنتي البلغة من العمر 12 عاما . حملت ولدي وركضت بأتجاه القرية و كان أسمها ( قرية كه وه ري) كما أتذكر , دخلت القرية ولم يكن هناك أي من الجندرمة التركية في الطريق اليها ,ولحسن حظنا ,ثم لحق بي شاب من المجموعة كان يصطحب أبنتي البلغة من العمر 6 سنوات وهو شاب من مدينة السليمانية كان يرافقنا في هذه المسيرة , وكان يحمل أبنتي على ظهره وهي مشدودة الى ظهره خوفا من سقوطها أناء الجري . بينما كانت هي تغط بالنوم من التعب . فطلبت له له أن يحتفظ بولدي معه أيضا وأن لا يتحرك من موقعه كي أذهب لأبلغ المجموعة الباقية بأن الطريق سالكة وآمنة . فذهبت مسرعا جالبا بقية المجموعة معي وعند رجوعي لم أجد الشاب الكردي وأطفالي في الموقع , فأعتراني الخوف وصارت زوجتي تبكي متسألتا , أينهم؟ وهي تصرخ مرعوبتا, فقلت لها أصبري و لا تجزعي , وتقدمت الى الأمام مسافة آخرى في الظلام كي أجدهم , فسألت الشاب عن سبب تغيير موقعهم ؟ فقال أنه تقدم بأتجاه أحد البيوت كي يطرق بابه طالبا منهم القليل من الماء والطعام لصغاري الجائعين العطشى , وعملت أنهم لم يبخلوا بقليل من اللبن والخبز فأعطوهم منه .رجعت الى المجموعة و أتكئنا جميعا الى جدار أحد بيوت القرية و من ثم أنتلقنا الى احد بيوت القرية الكردية ( في تركيا) ولفت أنتباهي حالة الفقر و البؤس الشديد الذي كانوا يعيشونه , لقد شاهدت طفل رضيعا يتقمط بالرماد وحوله الأوساخ والحشرات والذباب , فسألتهم لماذا الرماد في القماط ؟ فقالوا أنهم لا يملكون المال من أجل الحافظات و أنهم مظطرين لهذه الطريقة!!فسألت الرب أن يرفق بهؤلاء الفقراء المنسيون !!قضينا ليلتنا تلك هناك , كان علينا أن نستمر بالمسيرة قاطعين الطرق الوعرة الصخرية ما بين الجبال و الوديان و صوب هدفنا ؛ مدينة ( وان ) الكردية في تركيا , المدينة المنكوبة في يومنا هذا نتيجة للزلزلال الذي ضربها مؤخرا . دخلنا مدينة ( وان ) بعد مسيرة متعبة أستمرت ليومين , في تلك المدينة أستقبلتنا أمرأة في وضع بائس كانت تجر خلفها طفل صغير نحيل في غاية البؤس و علامات الفقر على كلاهما واضحة جدا ,فسألت نفسي ؛ ماذا يمكن أن تقدم هذه المرأة الفقيرة لي و لأطفالي وهي بهذا العوز و الفقر ؟ ياألهي ما الذي كتبته في سجلك من مصير لهولاء الفقراء ؟؟ هكذا سألت ربي !! أشارت لي أن الحقها وفعلت , وصلنا دارها و كان عبارة عن كوخ بسيط ليس الا. دخلنا الكوخ الضيق فسألتنا الجلوس و ذهبت لتحضر لنا بعد قليل ( صينية) تحوي رقائق الخبز وقطع الطماطم , فأكلنا بشهية ما قدم لنا .لم ننتظر الظلام ..فصعدنا الباص المتوجه الى مدينة ( مرسين) التركية . وصلنا المدينة و أستقبلنا في كنيسة مرسين ( بيوس هرمز) و عدد من أخواننا العنکاوین الملتجئيين قبلنا الى هذه الكنيسه . و باشروا فورا بحملة تنظيفنا حيث كان القمل منتشرا في أجسادنا و روؤسنا و ملابسنا .هذه كانت أحدى محطاتنا في مسيرة الهجرة من الوطن . أيام لن أنساها أبدا .
صباح بلندر