المنتدى الثقافي > من ارشيف الادب - إخترنا لكم

مبدعون عراقيون في المنافي الدكتور صلاح نيازي

(1/1)

J kurawi:
 
مبدعون عراقيون في المنافي
الدكتور صلاح نيازي[/b][/size]

 
د. جمانة القروي

من نسل حضارات غابرة، وبالذات من رحم الحضارة السومرية التي كُتبت فيها "كلكامش"، أول ملحمة شعرية في التاريخ. من خلاصة تلك السلالات البشرية التي عاشت على ارض وادي الرافدين وُلد مبدعون في الشعر والقصة والفنون الأخرى .. هؤلاء الذين هم فخر العراق .. اضطروا إلى هجر مدنهم وأهليهم من اجل الحفاظ على كرامتهم، فاحتضنتهم المنافي، وكفكفت  دموعهم ، واحتوت أحزانهم ، وأخذت بأيدهم إلى شاطئ الأمان والاستقرار.

الدكتور صلاح نيازي أحد أبرز مبدعينا الذين ينتشرون في طول الكرة الأرضية وعرضها .. ولد عام1935  بمدينة الناصرية جنوبيّ العراق. إنّها تجاور "مدينة أور"  وهي من أقدم وأعرق المدن في التاريخ والتي ما تزال أثارها باقية لحد الآن، شاهدة على تاريخها  التليد.
 هنا في هذه المدينة، اكمل المرحلتين الدراسيتين الابتدائية والمتوسطة.. وفي هذه المدينة بدأت مرحلة التكوين الأدبي بالنسبة له، حيث كان شغوفا إلى أبعد الحدود بالشعر العربي الكلاسيكي. عن هذه المرحلة يقول الشاعر صلاح نيازي:" كنت تحت طائلة مفهوم غريب كان سائداً آنذاك في المدينة، وربما في عموم العراق. هو أن الشاعر  إذا أراد أن يكون شاعراً ذا بال فلا بدّ  له أن يحفظ عن ظهر قلب أكبر كميّة من الشعر. نما إلى علمي في تلك الفترة المبكرة أن " الشاعر عبد المحسن الكاظمي"  كان يحفظ 13 ألف بيت شعر وعمره أثنا عشر عاما ، ثم قرأت أن أبا نواس كانت له حافظة غربية جدا في الشعر ، حيث كان يحفظ 20 ألف بيت من شعر النساء فقط، فمل بالك بشعر الرجال، كما سمعت أن الجواهري حفظ مرّة في يوم واحد 400 بيت. هذه الروايات وغيرها دفعتني إلى حفظ أبيات لا حصر لها من الشعر حتى دون فهم معانيها ، ولم يخطر ببالي آنذاك أن للنثر قيمة أدبية أيضا .."

تنوع حفظه للشعر بين الجاهلي والشعر الأموي إي الشعر البدوي بشكل خاص، أما الشعر العباسي فلم يكن أحد ليهتمّ به، لأنه شعر مدني وفيه نوع من الترف الذي لم يكن يوجد له شبيه بمدينة الناصرية، تلك المدينة المعدمة.  في تلك الفترة  لم يطلع إلا على قصيدة واحدة من الشعر الحديث أو ما يسمى " بشعر التفعيلة ". كانت تلك القصيدة لعبد الوهاب البياتي .." غليونه القذر المدمّى والذباب". عن هذا يقول "أحببت القصيدة إلا أني كنت أميل إلى فخامة الشعر الجاهلي والأموي ، فيه أرى المستقبل ، و أنّه هو الذي سيدر علىَ بالشهرة الواسعة كما كنت اعتقد " وبتواضع جم  يكمل قوله " إلا أني كنت مخطئاً طبعا في ذلك "... في ذلك الوقت تعرف الدكتور صلاح نيازي على الشعر اللبناني ولا سيّما إلياس أبو شبكة، والشعر السوري ولا سيّما عمر أبو ريشة عن طريق شاعر رقيق ومرهف، من مدينة العمارة، أسمه " حامد العز بي " انتدب لتدريس اللغة العربية في ثانوية الناصرية". وتعرف كذلك على الشعر المصري .. وبين هذا وذاك كان شعر الجواهري يعلو فوق كل شعر فحفظ معظم شعره..

في بداية مرحلة الدراسة الثانوية انتقل الدكتور صلاح نيازي إلى بغداد حيث اكمل دراسته الثانوية هناك، والتحق بدار المعلمين العالية، التي تخرج منها قبله كلّ من نازك الملائكة وبدر شاكر السيّاب وعبد الوهاب البياتي. استمر في كتابة الشعر الكلاسيكي إلا انه في أوائل الخمسينات قرأ لبدر شاكر السياب ونازك الملائكة قصائد من شعر التفعيلة. عن هذه الفترة يقول الدكتور صلاح " بدأت بتقليد السياب مبنىً ومعنى، وبتأثيره دشّنتُ كتابة شعر التفعيلة.  كانت عاداتي الثقافية ببغداد هي هي كما كانت بالناصرية مقتصرة على الشعر.كان طموحي أن أقرأ كلّ ما يتيسر لي من دواوين" .. هنا توقف قليلا ليستجمع أفكاره ويكمل حديثه " في أوائل الخمسينات بدأت قيمة النثر الحقيقة تظهر في المجتمع العراقي، وعلى الأخص الرواية والقصّة القصيرة.معها وفدت علينا الترجمات العالمية. قرأت أسوة بغيري روايات مترجمة وشعرت أن الرواية الروسية أقرب إلى النفس.أمّا قصص مكسيم غوركي أو تشيخوف، فتصورتها معجزات أدبية. بذلك تطورت وتوسعت ثقافتنا النثرية سيما بعد ظهور كتّاب قصة في العراق من أمثال عبد الملك نوري ". بعد تخرجه من دار المعلمين العالية عمل الشاعر صلاح  في الإذاعة العراقية كمقدم ومعدّ لبرامج ثقافية عديدة ، ثم لاحقا في التلفزيون عام 1954 حيث كان من المذيعين الأوائل فيه، إلا انه فُصل من وظيفته عام  1956غبّ العدوان الثلاثي على مصر. بعد ثورة تموز 1958 عاد مرة أخرى إلى مبنى الإذاعة ليس كمذيع إنما كنائب لرئيس قسم  الأحاديث. تولى لاحقاً رئاسة القسم نفسه، ثم التحق بدورة ضبّاط الاحتياط. عند انتهائه  من الدورة كان المفروض أن يعود إلى وظيفته في الإذاعة إلاّ أنه منع حتى من الدخول إلى مبنى الإذاعة.  تعرض للاعتقال في انقلاب شباط الأسود عام 1963 ولولا عناية القدر وحدوث معجزة لما نجا من موت محقق ..

في نفس العام رحل إلى لندن .. تاركا وراءه زوجته وابنته الصغيرة .. في كتابه غصن مطعم بشجرة غريبة ، يصور بلغة عميقة ، وأسلوب مشوق، حجم المأساة والمعاناة التي عاشها في غربته، وتجربته الغنية، وكيف تغلب على كل المعوقات التي جابهته هناك. عن رحلته إلى لندن يقول " كانت أمنيتي الوحيدة لا الوصول إلى لندن، لا العيش فيها، ولكن الموت في مكان آخر ، الموت بإرادتي، أردت أن أحس اللذة السوداء في الوفاة .. أردت أن اختار نوع موتي، كما اختار السهر وردي موته.. كان أشق شئ علي أن يشفي قاتلي غليله، أن أموت تحت قدميه وآلات تعذيبه مهاناً مذلاً، أمنيتي أن أحرمه من إشباع حقده.. غمرتني النشوة ثانيةً حينما تفتحت أمامي أوربا خضراء شاسعة. إذن – قلت لنفسي- هذه أوربا وكلها قبر لي، ومرة واحدة شعرت بلذة الانتصار، كمن يخاف المشنقة فيتلذذ بقرص للموت.. الآن أستطيع أن اقرر مصيري في أي لحظة. أصبحت إرادة موتي بيدي، وهو ما لا أريد لأحد أن يفرضه عليّ بالتجويع والتعذيب والإذلال. قررت أن لا ألتفت إلى الوراء بعد اليوم "... وهذا ما تمّ فعلاً حيث انه اكمل دراسته الجامعية العليا وحاز على درجة الدكتوراه ثم اصدر مجلة الاغتراب الأدبي في لندن وكان يرأس تحريرها لمدة  سبعة عشر عاما.

عن لندن وحياته فيها يتحدث ووجهه يكتسي بتعابير مختلفة. حتى الابتسامة التي كانت ترتسم على محياه كانت تختلف بين لحظة وأخرى، فمرة ابتسامة حزن .. ومرة ابتسامة فرح .. وثالثة لإخفاء ما لا يريد الإفصاح عنه ..!! "لقد انتقلت من حضارة إلى أخرى ، ومن بيئة إلى بيئة وبالتالي من ثقافة إلى ثقافة، كان يتوجب علي َأن أتعلم اللغة الإنكليزية، لذلك لجأت إلى قراءة النثر باللغة الإنكليزية ، فالنثر يعلم اللغة اليومية في التعامل  أما الشعر فانه يهندس اللغة أو أنه جانبها التجريدي.لكن لعجبي وربما لأوّل مرة في حياتي بدأت أحب النثر، تركيبه الدقيقة وإيقاعه الجميل .شعرت بتلذذ غريب. النثر الإنكليزي متطور جدّا حتى على حساب الشعر. عن طريق حبّي العميق للنثر الإنكليزي، عدت إلى قراءة النثر العربي، وسرعان ما تكشفت لي روائع كنت غافلاً عنها. 

يمكن القول إن ثقافتي الأولى ابتدأت شعرية أي صحراوية، بينما الآن أصبحت نثرية أي عباسية.باتت صلتي بالثقافة العباسية صلة بالنثر  أيْ صلة بأبي حيان التوحيدي، بالجاحظ .. وابن المقفع . لذلك يعتبر الانتقال من بغداد إلى لندن بمثابة الانتقال من الشعر إلى النثر ".. ويستمر الدكتور صلاح نيازي بالحديث عن مرحلة لندن ، وهو يفرك صدغه بين حين وأخر .. " كانت سبل العودة إلى العراق مقطوعة تماما، كنت حينها أعيش مأساة شخصية رهيبة. أصبح معها الرجوع إلى الوطن أشبه بالمستحيل. إذن لا بدّ مما ليس منه بدّ. قلت لأطور نفسي، لأكنْ أنسانا آخر، أو إنساناً يتعايش مع البيئة الجديدة، ما أمكن. حتى إذا كتبت لي العودة فلن أعود إلى بلدي بنفس المواصفات السابقة ، لذلك رميت نفسي بكل ما أملك من طاقة في حضن الثقافة  إياً كانت سواء موسيقية أم مسرحية أم فنوناً تشكيلية ، وبذلك تنوعت اهتماماتي، وازداد فضولي.كنت كرمل الصحراء أتشرب كل الماء وأشعر بجفاف. ، كلما قرأت كتاباً ازداد علمي بجهلي. كانت ثقافتي التي لقّنتها بالعراق خاطئة في صميمها. هي أشبه ما تكون بثقافة عكاظية  منها  إلى الثقافة التحليلية المختبرية. قد لا تصدّقين أنني إلى الآن كلما قرأت أكثر شعرت بفراغ اكبر...

 في السنوات الأولى من وجوده بلندن عانى من شظف العيش ،إلا انه تغلب على  الصعاب بإرادته القوية فتعلم اللغة التي أهلته لكي يستقر اقتصاديا، ولكي يكمل دراسته الجامعية، خلال تلك السنوات لم يتوقفْ لحظة عن المقارنة بين بيئته السابقة والبيئة الحالية. السؤال الذي ألحَ عليه كثيراً، لماذا تقدموا  وتأخرنا؟ دفعه هذا التساؤل البسيط إلى العودة إلى التمعن بتاريخ أوربا عموماً، وتاريخ بريطانيا بشكل خاص بحكم وجوده بلندن.  عكف على دراسة التاريخ،  ومقارنته مع التاريخ العربي .. يقول الدكتور صلاح نيازي عن هذه المرحلة " لقد انتميت إلى الجامعة لأدرس الدكتوراه وكان موضوع الأطروحة عن شاعر من البحرين أو "الاحساء" عاش في زمن صلاح الدين الأيوبي والناصر لدين الله في القرن الثاني عشر الميلادي السادس الهجري أثناء ظهور الخوارزم بإيران، والتتار بروسيا، والحروب الصليبية ، إي في فترة تاريخية كبيرة جدا. كان عليَ دراسة ذلك بشكل مستفيض، فاكتشفت أن أوربا ومنذ العصور الوسطى دخلت عصر التدوين والفكر التدوييني بعكس العالم العربي الذي بقي يعاني من العقلية الشفاهية"، ولحدّ الآن." كان لابد من قطع حديثه لأسأله ماذا يقصد بالعقلية الشفهية والعقلية التدوينية؟؟ ، فأطرق مفكراً، ثم أجاب بعد صمت ذي دلالة " يطول شرح هذه المسألة كثيراً ولكني سأختصرها،  وبمثال بسيط جدا لكي تكون واضحة للقارئ.. نشتري قميص صناعة عربية ، مكتوب عليه من القطن .. ولكن لا نعرف نسبة القطن فيه ، لا كيفية غسله أو كيه .. أما القميص المصنوع في أوربا .. فنجد كل شئ مكتوب عليه وبالتفصيل ، لان إي شئ مهما كان صغيرا يعتبر بمثابة عقد .. الأطباء في أوربا يسجلون كل شئ عن أي مريض يرد إليهم ، بينما في البلاد العربية يمكن أن يذهب الشخص لنفس الطبيب مرات عديدة  دون أن يعرف الطبيب تاريخ المريض.. "يتوقف ليأخذ نفسا عميقا ثم ليكمل كلامه " أن العرب القدماء كانوا يكرهون التدوين وكانوا  يسمونه التصحيف، لدرجة أنهم فضلوا الأحاديث النبوية الشفوية على المدوّنة "..مثل آخر اقرب، إلى وقتنا الحاضر. سأل أحد الصحفيين الأجانب،  صدام حسين وكان هذا يشرّق ويغرّب في مؤتمر صحفيّ بلا دراية  وبجهل بالقوانين: هل هذا مكتوب في القوانين ، أجابه بسخرية: ما يخرج من فمي هو القانون ... هذه عقلية شفاهية لم يحدث مثيلها في بريطانيا إلا في عصر الملك "لير" عندما بلغ به الجنون مبلغا كبيرا.. وهناك العشرات من الأمثلة يمكن أن نضربها حول العقلية الشفاهية في العالم العربي "... ثم اخذ نفسا عميقا وواصل حديثه بكل روية "الشيء المهم الآخر الذي اكتشفته أثناء قراءاتي، أن معظم الأدب الذي يدرس في مدارسنا أدب بدوي، أدب ينتمي إلى العضلة والشجاعة العضلية لا ينتمي إلى الفكر، حتى أناشيدنا الوطنية فيها مفاهيم عضلية: لاحت رؤوس الحرابِ تلمع بين الروابي .. أطفال صغار ينشدون هيا بنا هيا،نطوي الفلا طيا.. أو فتيات يغنين :خذوني للوغى معكم خذوني..إلخ ولأن الأساس في ثقافتنا العضلة النابعة من البداوة وما تقتضيه الصحراء من خشونة وقسوة وغزو، أصبحنا يقينيين. اليقينية تدفع الإنسان إلى الامتلاء بالذات والابتعاد عن التواضع الذي هو أساس كل تقدّم .حتى الحب في بلادنا لم ينجُ من الأدب الصحراوي ، مثلا يقولون: غزا قلبها ... أو يقولون في الأعراس ، جبناها وجت هطيرة " وكأنها صيد أو فريسة. فلا عجب إن ذبحوا على أقدامها ذبيحة.التمثيليات كلها سرقة وقتل وصراخ، ولا يوجد تفاهم سوى بالأيدي أو المسدسات، لم أشاهد لحد الآن تمثيلة فيها مائدة طعام وتجلس العائلة حولها، وهم يتناقشون بهدوء .. المعروف أن الأطفال الذين يشاهدون أفلام "رعاة البقر "  لن يشمئزوا بعد إدمانهم عليها من رؤية الدم مسفوحاً. ألا يتأثر الطفل العراقي على نفس الشاكلة وهو يدمن على رؤية المسدسات والضرب والسرقة والزعيق المصمّ.   متى ندخل  أدب المدينة!".

أخذتنا دفة الحديث بعيدا عن شواطئ الشعر، إلا أننا عدنا أدراجنا أليه مرة أخرى لأساله، كيف أحببت الشعر ، ما هو الهاجس الذي لفت انتباهك إليه ؟ كعادته قبل أن يجيب على أي سؤال يحاول أن يتذكر فيفرك جبهته بإصبعي الوسطى والسبابة، قبل أن يواصل حديثه" في أربعينيات القرن الماضي كانت الناصرية خالية من كل شئ ، حتى المذياع لم تكن إلا القلة القليلة من الناس تملكه، لذلك كنا نعتمد على الغناء ولذلك نجد أن معظم المغنيين هم من الناصرية، كذلك بالنسبة للشعر كان أحد منافذ التسلية واللهو ، حيث كنا نحفظ الشعر ونتبارى فيه. كانت أشهر المناسبات الشعرية بمدينة الناصرية هي المجالس الحسينية وفيها تدربت على مخاطبة ومواجهة الجمهور.

 الشعر مسحور. تأخذني رعدة من بكاء صامت كلما سمعته، شئ غريب يجتاحني. اشعر بالدموع تتفجر في خلايا جسدي. انتشي لدى سماعي إيّاه وكأنني في غيبوبة.وما همّ بأية لغة حتى لو كنت لا أعرفها. كرست نفسي وأعددتها سهراً وجهداً  لما يتطلبه الشعر مني. شئ لا يصدق ولكني حقّاً قرأت وأنا في الصف السادس الابتدائي كتابا  عن عروض الشعر " لعبد المجيد الملا " فتعلمت أوزان الشعر وأنا في تلك السنّ المبكرة.." هنا قاطعته بسؤال ‘هل الشعر موهبة أم أنه يمكن أن يكتسب نتيجة القراءات، أو الحفظ الكثير..؟؟
" لا يخفى هناك نوعان من الشعر، الفطري أو الغريزي، وهذا النوع من الشعر موهبة، أما الشعر الذهني أو الشعر الثقافي فلا بدّ له من أرضية واسعة في مختلف الفنون. ولكن ما هي الموهبة؟ ألمْ يكنْ أبو العلاء المعري موهوباً؟ ولكن لماذا نجده يعترف في قصائده الأخيرة من ديوانه "لزوم ما لا يلزم"، بأنه ليس بشاعر.. صعب على الإنسان أن يقول عن نفسه  انه موهوب ، ولكن يقال وأنا مؤمن بهذا القول بان الموهبة الشعرية لا تشكل اكثر من 2% أما 98% هو نتيجة القراءة ، لقد قال الشاعر عزرا باوند* بودي لو احمل 3 ملايين كتاب في المتحف البريطاني وامشي .. إذن لابد من القراءة ، المتنبي كان مثقفا ثقافة هائلة حتى في الفلسفة ، وكان يحفظ معظم الشعر العربي .. القراءة مهمة بل مهمة جدا..

لقد لعبت الصدفة دورا كبيرا في حياتك... فهل أخبرتنا عن ذلك ؟؟ وكما يحلو له أن يبدأ جملته دائما بكلمة " عيني "، هذه المرة أيضا كانت تتصدر حديثه عندما قال: "عيني .. مصادفات غريبة حقا مرت في حياتي ، سأتجاوز صدفة إنقاذ حياتي من موت محقق عام 1963 .. ولكني أتوقف عند مصادفات أخرى ..الصدفة المهمة في حياتي التي جعلتني اكتب وانشر.. هي أنه بعد غياب أحد أخوالي طلبت مني جدتي كتابة رسائل إليه. كنت في الصف الخامس الابتدائي.كانت تملي علي بالعامية وأنا أفصحن ما تقول، وأضيف من عندي طيوراً تنوح وأغصانا تذوي وشمسا تغرب.. كانت تسألني أن أقرأها عليها مرّة بعد مرّة وعلى مدى أيّام وفي كلّ مرة تبكي أشدّ بكاء. طربت للفكرة، شعرت أنها تبكي بسبب أسلوب كتابتي. ما تزال هذه الفكرة في الكتابة تلازمني حتى الآن. لا أكتب إلاّ  حين أتخيّل بأنّ شخصاً ما أمامي لإقناعه. الصدفة الجميلة الأخرى، وقعت حين وصلت لندن. كنت وقتها فقيرا، ليس لديَ نقود لأطعم فيها  موقد  التدفئة الكهربائية في الغرفة. لذلك كنت أخرج من الصباح الباكر ولا أعود إلاّ في ساعة متأخرة من الليل. قادتني قدماي مرة إلى أحد المتاحف، فاكتشفت أنها  مدفّأة.صار هذا ديدني... كنت أول من يدخل إلى المتحف وآخر من يخرج منه.  منذ ذلك الحين تعودت  على طلب الدفء في المتاحف. ويوماً بعد يوم  بدأت أتعرف على التاريخ وعلى لوحات لفنانين عالميين واستمعت لمحاضرات غاية في الأهمية، ثم تبين لي " وبمحض الصدفة أيضا " بان الكنائس  تعزف موسيقى كلاسيكية أو أجزاء من الأوبرا العالمية مجانا فكنت اذهب لأستمع لها، وهكذا بتنوّع الصدف تنوّعت مصادر ثقافتي".

عندها بدأت غيوم من القتامة والتجهم تنتشر في افقه .. وجهت الحديث إلى مسار آخر لأساله : كيف اتجهت إلى الترجمة وما هي نواة فكرتها ؟ ابتسم بتحفظ قبل أن يقول " الصدفة  البحتة مرة أخرى، فأنا لست مترجماً محترفاً قطّ، ولحد الآن لا أعتبر نفسي مترجماً، ولكن ما حدث هو أني انتدبت لتدريس الترجمة في اسكتلندا لطلبة عراقيين من حملة شهادات الماجستير، فأخذت  معي بعض النصوص المترجمة لغرض الاستعانة بها في التدريس. أثناء التطبيق اكتشفت أن البعض منها فيه أخطاء فادحة حقيقة. لم يخطر ببالي يوماً أن هناك مترجمين بهذا السوء في اللغة الإنكليزية، رغم أنهم يتمتعون بشهرة عريضة.كيف نفهم العالم الغربي إذا ترجمناه بصورة مغلوطة؟ أتصور أن المجال الوحيد لتقدمنا هو الترجمة ، فإذا لم نُصلحْ أمرها بحرص ودقّة لا تنصلح أمورنا."

 في كتابه " الاغتراب والبطل القومي "يقول  الدكتور صلاح نيازي" الديمقراطية، ليست شعارا سياسيا، وأن بدت كذلك، ما هي إلا طريقة في التعايش الاجتماعي، يبدأ من داخل الأسرة ، طريقة في التعايش الفكري ، بتعبير آخر، لا يمكن للمرء أن يكون ديمقراطيا في المحافل العامة ما لم يكتسبها تقليداً من أبويه، وتعلماً من المدرسة، وترسماً من التاريخ والكتب..الديمقراطية عادات سلوكية، تكون أكثر جدوى، إذا اقتنع الفرد اقتناعا حقيقياً بلا معصوميته، وبضعفه البشري المعرض للخطأ، والأوهام، فهو متردد دائما في صياغة أفكاره صياغة حاسمة خشية الزلل. لابد من خطوط رجعة. وأدق هذه الخطوط أسلمها، القانون والتجربة .."

لقد قام الدكتور صلاح نيازي بترجمة العديد من الروائع الأدبية مثل مكبث لشكسبير، وابن المستر ونزلو لترنس راتيكان..ويوليسيس بالإضافة للعاصمة القديمة لكواباتا، التي حازت على جائزة نوبل في الآداب عام 1968، لماذا اخترت بالذات هذه الكتب دون غيرها ؟
"لا يخفى على أحد الدلتا الدموية التي تغمر العراق منذ اقدم العصور، وإلى الآن. خطر ببالي ترجمة مكبث بالذات لان شكسبير يقول فيها وببساطة شديدة " الدم يورث الدم ". بمعنى إنها دائرة مفرغة ! إنها مسرحية فريدة من نوعها في تبشيع سفح الدماء. أعتقد أنها لو قُرئت  ومُثلت، لو أدرجت في المناهج الدراسية فسيكون لها مفعول شديد في التقليل على الأقل من توحّش الإنسان.   لقد تأثّر بها الأدب الفرنسي كما تأثر بها دستويفسكي عن هذا الطريق، فأصبح الناس بأوروبا يكرهون القتل بشتى أنواعه فحُرّم الإعدام.سعيت من خلال هذه الترجمة المتواضعة إلى أن أكون أمينا لتقنية شكسبير في التأليف، عسى ولعل أن أساهم في تشجيع اخوتنا العراقيين على الاشمئزاز من الدم ..أما بالنسبة إلى مسرحية ابن المستر ونزلو، فقد استقاها مؤلفها "ترنس راتيغان" من واقعة حدثت فعلاً، وهي معنية بالدرجة الأولى بالقانون. قصدت من ترجمتها إلى حقيقة بسيطة ولكنها مع ذلك خطيرة وهي أنّه لا يمكن أن يقوم بلد ما إلا على عماد القانون. أما عن العاصمة القديمة، فمن يقرأها يكتشف شيئين في آن واحد ..فالعقلية اليابانية ، كما هو معروف، عقلية نباتية لأنهم متأثرون بالبوذية،  نجد كاتبهم يتميز بالبطء الشديد حينما يصوّر الأشياء كما لو انه يضع كاميرا على زهرة، أو نبتة  ما فيتابع تفاصيل نموها الدقيقة بجلد.. وهذا خلاف ما تعوّدنا عليه في الكتابة. أدبنا العربي معني بالحصاد والسنبلة ، لا بالبذرة ..  البطء في التأليف شئ مهم. السبب الآخر الذي حداني على ترجمتها هو أنها رواية نباتية، على الرغم من أنّ أبطالها بشر عاديون. إلا أن العناصر الرئيسية والمهمة فيها الأشجار والنباتات. أما بالنسبة إلى يوليسيس، فلأقلْ إنني لم أقم بترجمتها كلها وإنما أجزاء منها.. هنا المؤلف يتحدث عن العقل الباطن، الزمن فيه معدوم، الحوادث الماضية أو الحاضرة أو المستقبلية كلها منصهرة في بودقة واحدة، والإنسان يفكر في اتجاهات مختلفة .. لقد اخترت هذا الكتاب ليرى الناشئة ما الفرق بين ما نكتب وما يكتبون ، سيما ان الرواية الأوربية وصلت إلى قمة النضج منذ القرن التاسع عشر تقريبا، و أوضح مثال الأدب الروسي .. ويوليسيس قمة شاهقة فعلاً " 

لم تقتصر مؤلفات الدكتور صلاح نيازي  على الترجمة والشعر فحسب إنما تعداها إلى الخوض في تجربة النقد الأدبي.. عن هذا الموضوع يحدثنا قائلا " همي الوحيد من عملية النقد هو الابتعاد عن النظريات والتنظير والتركيز بشكل أساسي على النص. دراسة النص تعتمد بالدرجة الأولى على فهم  تقنياته، ومن خلال ذلك اكتشفت أن هناك شيئين مفقودين في النقد العربي وهما الحواس وكيفية استعمالها في نص ما، بالإضافة إلى المنظورية .. بمعنى من أي زاوية ينظر للنص..عندها يسهل أو هكذا أتصوّر، فهم أسراره ويصبح اكثر وضوحا..

لقد عكف على تأليف كتاب نقدي عن ملحمة كلكامش ، فقرأ ما تيسر له من كتب حول هذا الموضوع باللغة الإنكليزية، وهاله ما يوليه الكتّاب الغربيون من اهتمام لهذه الملحمة الفريدة، مع ذلك لم تصدر دراسة نقدية خاصة لهذه الملحمة.أما بالنسبة للدكتور صلاح فكان الأمر مختلفا ،عن هذه التجربة يقول " كنت ابغي من وراء ذلك معرفة  سبب أهمية هذه الملحمة. تبين لي أن الشعر فيها ذو تقنيات عالية لدرجة مذهلة، وكأنها لشاعر معاصر. تقنيات الشعر السومري لا تكاد تختلف عن أية تقنيات شعرية في الوقت الحاضر،  وهذا شئ لا يمكنني تفسيره .من ذلك  أن الشعرية   السومرية ذات بناء محكم يشبه في بعض حالاته التركيبة الاوبرالية .. يبدأ بحوار  أوّلاً. يصعد هذا الحوار إلى أن يصل إلى جيشان نفسيّ عالٍ تبدأ عندئذ ما يعرف بال "آريا" أو التصويتة.
 الميزة الثانية في ملحمة كلكامش إنها لا تفاجئك بالحدث وإنّما تمهّد له. بكلمات أخرى إن الحدث ينمو، وما على الشاعر في هذه الحالة سوى تصوير المراحل التي تمرّ بها العملية. 

كان التعب قد دب إلى الدكتور صلاح وبان على سيماه ، لكن الاستمتاع بمثل هذه الرفقة الحميمة والعميقة معه، لم أرد لها أن تنتهي ..  لذلك سألته:ماذا أضافت لك الدراسة الأكاديمية ؟
" العديد من الفوائد التي يمكن تلخيصها كالتالي ،أولا.. كان عليّ ترجمة بعض المقاطع الشعرية ، أو النثرية العربية إلى الإنكليزية، وبهذه الطريقة اكتشفت عملياً، الاختلاف الكبير بينهما، خاصة من ناحية  الألفاظ الفائضة عن الحاجة. فلأنّ أدبنا غير مختبريّ لذا يكثر فيه  الحشو واللغو، لان أوزان الشعر لا تستوعب مثل هذا .. وبذلك تسنى لي دراسة العقليتين من حيث اللغة . الفائدة الثانية : هي أنني حينما كنت اكتب  معلومة أية معلومة مهما كانت بديهية فإنّ المشرف على الأطروحة يطالبني بالمصدر الذي استقيت منه تلك المعلومة.  هذا بالضبط ما كنت قد حدّثتك عنه  في بداية اللقاء أعني: "العقلية التدوينية .."  أما الفائدة الثالثة والمهمة جدا.. فهي محاولة  التخلص من كلمة " أنا ". كان المشرف يحذف كلمة  "أنا، ويطالبني باستبدالها. علمني استعمال الفعل المبني للمجهول. هكذا تعودت الآن على القول مثلاً : " عند دراسة الموضوع تبيّن أنّ" بدلاً من" عند دراستي للموضوع تبين لي" وهكذا..   بالإضافة إلى ذلك فقد اضطرتني الأطروحة إلى دراسة بعض كتب التاريخ باللغة الإنكليزية.ما حببني إليها هو أسلوبها العلميّ. 

صدر للدكتور صلاح نيازي عام 1962 في بغداد أول ديوان شعر باسم " كابوس في فضة الشمس" وهو عبارة عن قصيدة طويلة واحدة ، ذكرها الناقد " عبد الجبار عباس" في مجلة الكلمة، فقال:" إنّ هناك عملين شعريين كبيرين .. هما قصيدة المومس العمياء لبدر شاكر السياب .. وقصيدة كابوس في فضّة الشمس لصلاح نيازي " .. ثم توالت الدواوين الشعرية .. فصدر له " الهجرة إلى الداخل " بغداد عام 1977 .. " نحن" بغداد عام 1979.." المفكر (ط3)" القاهرة .. "الصهيل المعلب" لندن عام 1988.. "وهم الأسماء " لندن عام 1996 .. ثم " أربع قصائد" لندن عام 2003..أما ديوانه الأخير والذي يتكون من قصيدة واحدة فهو" أبن زريق وما شابه" عام 2004 ..
كما صدر له كتاب "  المختار من أدب العراقيين المغتربين الجزء الأول- المقالة وضمّ واحدا وعشرين أديباً مغترباً.
لديه الآن مخطوطتان جاهزتان للطبع، هما: 1- ترجمة مسرحية هاملت
                                                        2- ملحمة كلكامش دراسة نقدية. 

ولازال عطائه مستمرا وزاخرا بين شعر وترجمة ونقد.. فهل سيفتح العراق ذراعه يوما لأبنائه الذين يرفعون من شانه في كل العالم وبين مختلف الأجناس .؟؟.وهل ستكون مؤلفاتهم ونتاجا تهم في متناول اليد في مكتبات العراق للاستفادة من تجربتهم؟
أمل ربما يتحقق ..


________________________________________

هوامش :
*عزرا باوند 1885- 1972 ، شاعر وناقد أمريكي تميز شعره بالغموض وبالنزعة إلى الاتكاء على الأساطير القديمة ويعتبر من ابرز ممثلي الشعر الحر والمدرسة الصورية ..
*توماس بين .. 1737- 1809 ، زعيم سياسي من زعماء الثورة الأمريكية بريطاني المولد .. من اشهر أثاره( حقوق الإنسان) عام 1794-1797 منع هذا الكتاب في بريطانيا واضطهد الكاتب فأضطر إلى الهرب إلى فرنسا ومن هناك ذهب إلى أمريكا لمحاربة الإنكليز..    


تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة