المحرر موضوع: عنكاوا و إن جار الزمان  (زيارة 891 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صباح پلندر

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 74
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
عنكاوا و إن جار الزمان
« في: 11:38 24/03/2012 »
عنكاوا و إن جار الزمان

صباح بلندر
لقد فاض بيِّ الزمن و أخذني ( تسونامي ) إلى المهجر .
لقد كانت الشمس تشرق على حديقتنا الصغيرة كل صباح , و نتأمل منها أن تحي أزهار حديقتنا و تزيل ظلام الليل الداكن الذي غطى بجناحيه السوداء جمالها . كل صباح أترقب الوقت بصبر لنخرج أنا وأصدقائي الى المزارع و شوارع قريتنا الصغيرة لنملئها بضحكاتنا و لهونا و نخفف بذلك عما تحمله من الهموم قلوبنا و التي ورثناها من غدر الزمن . نسير .. ونسير نحوى بيادرنا و هناك تقع أبصارنا على الفلاحين منهم من يحمل المحراث و الاخر يفتح كيس الذي يحمل وجبة طعام بسيطة و يفرشها امامه , و الثالث يقلع بيديه القوية ( الزيوان ) النباتات البرية و التي قد تفسد أرضه , و هم فرحين و ضحكاتهم تزيدنا فرحا ً و تملئ قلوبنا بالسعادة . هكذا لحين غروب الشمس و نعود الى بيوتنا و في طريق العودة نتفق على جولة أخرى لليوم التالي . وعندما نعود الى البيت نجد أمهاتنا قد أحضرن لنا قدح من الشاي و اللبن و نلف قطعة من الخبز ونغمزها باللبن و بعدها جرعة من الشاي و بعدها نخلد الى النوم . يمضي الليل و يأخذ معه أحلامنا الجميلة و التي عشناها في مخيلتنا و يأتي صوت امنا الحنون ليعيدنا الى صباح اخر وهي تقول - الفطور جاهز . هكذا كانت الحياة . كبرنا و الفرحة أخذت تتلاشى يوما بعد اخر .. و الى أن أتى يوم الذي فقدنا فيه ما كنا نهواه و مارسناه في صغرنا , حيث أصبحنا نتحرك بظلمة الليل نسير في الدرابين متخفين و أحيننا نستخدم لغة الأشارات لتحاور فيما بيننا و أحيننا كان الظلام الدامس يمنعنا عن التحاور و بتلك اللغة أيضا .  أصبح الخوف  يسطر على جزء كبير من حياتنا و لكننا لم نكف يوما عن كتابة الشعارات و على الجدران  ( يسقط البعث و الموت للفاشية )  وكانت تغطي معظم جدران البيوت في بلدتنا , و عند الصباح كان عساكر البعث يرفسون أبواب البيوت و يقتحمونها من دون إذنٍ و يوجهون أسلحتهم الغادرة نحو صدور أمهاتنا و أخوتنا , و لم نملك سوى أن نتذرع الى السماء طالبين الرحمة و النجاة . وكلما نظرنا الى السماء كانت الطيور المهاجرة .. بأسراب و أسراب تشد نظرنا و هي تودعنا برفرة أجنحتها تاركة صغارها و عشها خوفا ً من ذلك الصياد البعثي و الذي لا يرحم .لقد خلطت الدماء و كل الدماء ببعضها دم المسيحي و الكردي و الإيزيدي و كاكي بنهر واحد دفاعا عن شرف أرضنا . فلم يبقة سجنا ً و من الفاو و الى زاخوا من دون أن يحمل ذكرى من مآسي شبابنا , حيطان تلك السجون لا تزال تشهد على ما خطته أنامل الأبطال عليها . نعم لا تزال كل الأشياء الصغيرة والكبيرة و التي مرت بنا تعشعش في مخيلتي و أنا أعيش في الغرب , أيام الصبى و أهلي و أصدقائي الطيبين في عنكاوا الحبيبة .. كلما أغمضت عيني أردد إنشودة بلدي .. بلدي ... . تحاصرني ذكريات التي مضت .. لا .. لم تبقى تلك الشمس و رائحة البساتين و قهقهة الفلاحين ..و إعتقدت بعودة الربيع سوف تعود الطيور التي هاجرت الى أعشاشها و يزول الغبن و نعوض ما فات , و جدت نفسي أسد أذاني فلا أود أن أسمع عما يجري اليوم في بلدتي .. فمن الصعب العودة بجواز لا يحمل صور كردستان و لا ختم أور و ظل عشتار ... الطيور لا تود العودة الى ديارها لتصبح تحتى مرمى الحجار , وصوت ينادي و يقول -: لا .. لا تعود لقد تلاشى بيتكم القديم و تحول الى ( كراج ) للعربات .. و لم يبقى منه أي أثر و لن تستطيع أن ترطبه كما كنت تفعل من القبل و بقليل من الماء . هكذا طارت أحلامي و دفن الفلاح الطيب حيا ً , والذئاب تنهش بلحوم الخرفان و الراعي يتفرج بلا مبالات .