المنتدى الثقافي > دراسات، نقد وإصدارات

ينابيع التجربة الشعرية ومشهدية الرؤيا في (ملاذات الموت الابيض) د. بهنام عطاالله

(1/1)

د. بهنام عطااالله:
                                                           ينابيع التجربة الشعرية ومشهدية الرؤيا في
                                                                      (ملاذات الموت الأبيض)

   
                                                                                                                              د. بهنام عطاالله
                                                                                                            Behnam_poeit@yahoo.com
 
إن التوغل في تاريخ الكتابة عن الشاعر خضر زكو ، يأخذنا إلى دراسة حياة الشاعر ومحطاته وإرهاصاته ، وهذا بالذات يرجعنا إلى ينابيع تجربته الشعرية ، والتي ترجع إلى بداية الثمانينات من القرن الماضي ، والذي حاول بإزميله رسم طريق خاص به والولوج في عالم الشعر ، من خلال تحاوره مع الذات والآخر ، في صيغ متشابكة مع الحياة .فقصائده في ( ملاذات الموت الأبيض ) كتبتْ بين  قره قوش / بخديدا والبصرة ومن ثم الأهوار ، حيث عاش الشاعر تجربة الموت والحياة ، خلال الحرب العراقية الإيرانية ، كما مؤشر في نهاية القصائد.
إن تتبع بناء القصيدة ومنحنياتها عند الشاعر زكو ، يتوزع على : لغته الرمزية وإيقاع  نصوصة الداخلية ، فضلاً عن السرد القصصي ، حيث ان هذه النصوص  ربما كان يكتبها الشاعر لكي تكون على شكل (مذكرات يومية من جبهات القتال) ، يبث فيها الشاعر لوعاته وهذياناته وتطلعاته وتشبثه بالحياة ، بعد أن كان الموت قاب قوسين أو أدنى منه ..حيث القذائف من كل جانب ، فتنتفض عنده القصائد ويتعاشق الدم مع النخل الجنوبي ، الذي يطاول زرقة الفجر وشظايا الموت في الروح القلقة .
ثمة رؤيا ترسم جدل الإبحار في نصوص الشاعر ، هذه الرؤيا تفضي إلى تكثيف متواتر للأسئلة التي ما يلبث الشاعر أن يطرحها ، سواء على نفسه أو على غيره
 فهو يتناول مواضيع تهيمن عليها تجربته : الحياتية والكونية ، التي يحولها الشاعر إلى تجربة جمالية  توليفية ، يحاول فيها أن يرسم أفقاً متناماً ، كنوع من الافتراض البنائي للقصيدة ، من خلال وعيه الشعري الذي يبحث عن الثيمة ، ويحول من خلالها اللغة إلى صورة ،  تتحول بدورها إلى (لغة رمزية داخل منظومة ثقافية ، وخيال اجتماعي (2) :
) بقايا امرأة من مزمور
وخلايا وجه
من خشب الصندل
أكلته الريح
فجيعة الموت
يا نسل الأنبياء
محكمة في الأرض
لا تأكل إلا خشب التابوت
ودم الخلق )
 وتأسيساً على ذلك فان البناء المعماري للقصائد عنده ، تتعدد أشكاله البنيوية منفتحاً باتجاه تكوينات اكثر قدرة على احتواء الحدث ، باستخدام تقنية شعرية ، ترتب الأفكار وتطرحها بصيغة هندسية ،  ليحيلنا إلى الحدث بطريقة أو بأخرى ، من خلال تتبايع الرؤيا المشهدية للشعر ، والتي هي عبارة عن مشاهد بانورامية ، لذلك فإن اللون المهيمن على قصائد الشاعر ينزع نحو الأسلوب التتابعي - لسحب المتلقي نحو فكرته الأساسية  والتي استخدم فيها نوعاً من التقنية ، بتصعيد النبرة الدرامية :
(انه نجمة : فتدعوني السماء إليها
انه وردة : فيدعوني الندى أن أعطر الصباح
انه شمس : فالنهار يولد أنيقاً
انه حب :فم الحبيبة يدعوني أن اقبل السماء
انه حقل …. الأسئلة تكبر في ورق الصباح
انه الطوبى …. أرافق الشهداء في سماء الخلد )
و الشاعر  كانسان ، نلاحظ أن نصوصه تحمل نوعاً من التمرد والرفض ذلك لان : ( الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يرفض أن يكون على ما هو عليه ) ، فهو يحاول نقد الحياة ورصد الزوايا المعتمة بغية إضاءتها ، وان هذا التمرد ما هو إلا : ( حركة تصدر عن تجربة الفرد وتؤدي إلى الفكرة  (1) :
) انتفضي يا قصائد
فدمي في النخل يتطاول زرقة فجرٍ
ودمي في وجهٍ يتثاءب كابوس الليل
بارود يتشظى في الروح القلقة
يتساقط ..
بالونات بيضاء يدور .. تدور الكلمات
يبحث في الأرض
التابوت )
والشاعر ملتزم بجدية بقضايا المجتمع اليومية والحياتية ، لذلك تراه يؤثث جانب التمرد في اغلب نصوصه ، يبحث فيها عن ذاته .. عن عذابه .. عن هويته التي ضاعت في بحر متلاطم الأمواج ، انه يحاول بجدية إيجاد توكيد معنوي يعيد له هويته  وصحوته المسلوبة من خلال إقحام نصوصه بامور حياتية خاصة مفترضة ، ذلك لان الافتراض عنده يعد (مصدراً هاماً من مصادر إخصاب الخيال  (3) :
 ) نحن نصحو ..
متى نصحو ؟
الصحو لنا جثة
والجثة نعش
فمتى نصحو ..
قره قوش.. نعم متى نصحو ؟ (
وبالرغم من أن الشاعر لم يحظ إلا بالقليل من الاهتمام النقدي ، إلا أن ذلك لا يؤكد على ضعف شاعريته ، بل على العكس ، فالشاعر يمتلك حساً شعرياً رؤيوياً مرهفاً ، وحماسة نحو تأسيس قصيدة مغايرة عن مجايلية من الشعراء ،  ويظهر ذلك من خلال تناوله لعلاقات جدلية ومعقدة في خضم الحياة اليومية ، كالخير والشر والموت والولادة ، وهذه هي المداخل الرئيسة لتفسير شعريته وتفكيك نصوصه ، وبخاصة تلك التي تتصف بالرمزية المفرطة والإبهام:
 ) تأتي الكلمات ، جرح الأرصفة النازفة
غبار الطرقات
تأتي من أوردة
ممهورة بشظايا الوقت
ودماء الموتى
تأتي من نبض لا ينبض
حاملة غشاء الطلق الفاسد
والياقوت المجنون
تأتي حاملة صمت الكون وشقاوات الريح
وسكون الأخطاء (
واخيراً نستطيع أن نقول إن نصوصه  ما هي إلا إنثيالات حالمة لمدياتٍ متشابكة مع الحياة ، والشاعر في مدياته هذه يحاول أن يؤثث ويؤطر محيط الصورة الراسخة من ذهن المتلقي . ويترجم ترجمة واضحة مشاعره الإنسانية ، محاولاً الإفلات من القيود الاجتماعية نحو عوالم أخرى .
والشاعر تعايش مع ظروف مختلفة ، قد تكون بعض محطاتها قاسية نوعاً ما ، انتهت بمجملها بإصابته بمرض ما زال يعاني منه لحد الآن . فهل كان الشاعر الذي كتب مجمل قصائده في هذه المجموعة بين الأعوام 1987 - 1988يعرف المصير الذي آلى إليه ؟ . نعم الشاعر استطاع أن يتنبأ بمستقبله ويستشف ذلك . وأستطيع أن اجزم بأن خضر زكو الشاعر والإنسان ، استطاع أن يستقرئ  فواجع المستقبل ومكائده ، فجاءت قصائده وكتاباته الأخرى ضرورة ملحة فرضتها ظروف حياته ومكابداته وعذاباته اليومية .

المصادر
* الدراسة هذه مقدمة لديوان المجموعة الشعرية للشاعر خضر زكو والموسوم (ملاذات الموت الأبيض) 2004 .
1.  عبد القادر مكاوي ، البير كامو : محاولة لدراسة فكره الفلسفي ، دار المعارف ، مصر ، 1964 ص 122 - 123
2. دانييل - هنري باجو ، الأدب العام المقارن ، ترجمة د. غسان السيد ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 1977 ، ص93 .
3.  عيسى فتوح ، دراسات في الأدب والنقد ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 1991 . ص 53

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة