المحرر موضوع: الدورة اللاهوتية، رقم قياسي في المطاولة بالتثقيف المسيحي، ليتها تعود يومًا!  (زيارة 1144 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل dhafar nooh

  • عضو جديد
  • *
  • مشاركة: 2
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الدورة اللاهوتية،
رقم قياسي في المطاولة بالتثقيف المسيحي،
ليتها تعود يومًا!


ظافر نوح كيخوا

أسهمت الدورة اللاهوتية في بغداد، خلال عشرين عامًا، بين عامي (1984 - 2003)، في نشر الوعي اللاهوتي والإيماني والروحي والتربوي والكتابي، وأنعشت لدى الكثير من الشباب خصوصًا الإندفاع كي يكونوا معلـّمين ومعلمات ومحاضرين في كنائس عديدة من بغداد وخارجها. فصارت الدورة اللاهوتية أشبه بنبع متنوّع العطاء، كشف عمّا كنـّا نفتقر إليه من إدراك أهمية دور الفكر الفاعل في توطيد دعائم الإيمان وبنائه على أسس سليمة. فأكدت الدورة اللاهوتيّة على أن ما لدينا من غنى روحي وفكري في تاريخ كنيستنا العراقية عظيم كنـّا نجهله. فتم لدينا تأوين وترجمة معاصرة لهذا الغنى، كي يمسي الحاضر فاعلا في مساعدتنا على استقراء أحداث زماننا وتحليلها واستخلاص كل الدروس منها. إضافةً إلى الجانب الفكري، كان ثمّة إنعاش للإيمان لدى الأهل والمربّين.
كان مسار الدورة اللاهوتيّة، التي سارت بحسب نظام دروس أكاديمية تمتدّ على ثلاث سنوات من دراسة تتطرق إلى أساليب التثقيف المسيحي كافة، فأبرزت أمامنا غنى نعمة الإيمان وخلقت استعدادًا لدينا لممارسة الأسرار المقدسة. وأعطت تعمقًا لمواجهة تقلـّبات زماننا وكيفية تطويره للوصول إلى حياة ثابتة قويّة ومليئة بالرجاء بأن الله – إله الخير والسلام سينتصر في النهاية لا محالة، كما علـّمتنا أن المنطلق الصحيح هو في العودة إلى قراءة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، فنقلت الدارسين إلى البيئة الأولى - قبل انقسام المسيحيين – فنستقي من صفاء بدايات رسالة يسوع. هكذا تسلطت الأضواء على مشاكل انقسام المسيحية وتعقيدات نخرت جسمها لاحقًا، فشلـّت الفكر وحصرته في نخب ضيقة. من هنا تعلـّمنا أنه لا يكفي أن يكون لدينا ديانة نجاهر بها، ولكننا في حاجة إلى أن يتغلغل الدين في أعماقنا ليصبح إيمانًا نعيش بموجبه ويعطي ثمار المحبة والفرح، إذ من خلال العيش بحسبه فقط، ينكشف عمل روح الله عند الإنسان.
هكذا قامت الدورة اللاهوتيّة بإيصال أهميّة مفهوم الليتورجيا، فرأيناها طقوسًا غير جامدة أو راكدة، بل إرثًا غنيًا في مختلف الجوانب اللغويّة والتقليد، وخصوصًا الإحتفال، فتجلـّت الغاية من الطقوس. فتعلـّقنا بها كأهم ما في حياتنا المسيحية.
كل ذلك كان يحدث عصر كل يوم أثنين من الساعة الخامسة وحتى السابعة والنصف مساءً، في كاتدرائية القديس يوسف (السنتر)، وتستمر الدروس طيلة السنة الدراسية، من تشرين الأول إلى أيار، يعقبها امتحانات غلب عليها الإحتفال على الخوف من الإمتحان، بل إن ما كان يحزن الجميع هو نهاية السنة ومجيء العطلة الصيفيّة، وأصبح السياق هو أن نأخذ صورًا تذكاريّة للتخرج، لكن للأسف لم تؤخذ صورة تذكاريّة إلا في السنة الثانية من الدورة.
هكذا ملأت الدورة اللاهوتيّة فراغًا كبيرًا في ساحة كنيسة العراق، فلم يعد موضوع التعليم والتعلّم مقتصرًا على شريحة واحدة معيّنة، بل ما عملته تلك السنوات كان أساسيًا لتكوين نخبة أحبّت أن تبحث وتدرس لتدفع بعجلة الكنيسة إلى الأمام، وتتعمّق في إعطاء أهمية لوسائل التعليم من أجل ولادة دعوات جديدة، لخدمة أشكال ما يحتاجه جسم هذه الكنيسة من خدمات. فكانت من الدورة دعوات كهنوتيّة ورهبانيّة وعلمانيّة، فحاجة كنيستنا كانت دائمًا إلى رسل ناشري الإيمان حاجة ملحّة وضرورية. ناهيك عن بروز دور العَلمانيين في تلك الخدمات، وهي لعمري ظاهرة جديدة لم يسبق أن عرفت كنيستنا في تاريخها له مثيلا، وبهذا العدد الهائل. فبحسب إحصائيات الإدارة الدقيقة للدورة اللاهوتية، مرّ فيها خلال عقدين من الزمن أكثر من 13 ألف شخص من الدارسين.
إن تأثير الدورة يكمن في قدرتها على الربط بين الكلمة والروح، وهذا ما أعطاها قابليّة ديمومة واستمرار ومواصلة، فضربت رقمًا قياسيًا. إذ كم عرفنا من مشاريع بشريّة لم يكتب لها مثل هذا العمر الطويل! وهنا أريدها دعوة إلى التفكير في وضع أسس لإقامة مشاريع أخرى على غرارها بالإعتماد على ما جاء في أعمال الرسل، عندما وصف حياة الكنيسة الأولى، فقال إنها قامت على ثلاثة أسس: وحدة الجماعة، المشاركة في الخبرة، والنشاط الرسولي.
هكذا يمكنني القول: لمسنا، من خلال أجواء الدورة اللاهوتيّة،وحدة الكنيسة في العراق، فلم يشعر أحد من أي طائفة هو ولا من أي مذهب، بل كانت جميع شرائح الجماعة المسيحيّة في العراق تتردّد إلى هذا المكان بروح الأخوّة والمحبّة، فيشعر كل واحد أنه في بيته بلا تفرقة ولا طائفيّة، تعلـّمنا أن المشاركة في الخبرة توقظ لدينا الشعور بضرورة أن تصبح كنيستنا لا تابعة متلقية متلقنة فقط، بل أننا أبناء كنيسة عريقة، لأنها مارست النشاط الرسولي، ونقلت الإيمان إلى عوالم أخرى في قارة آسيا كلها. لقد أصبحنا اليوم مقتنعين أننا بأمس الحاجة إلى تأكيد مرتكز على دور المسيح والكنيسة والروح القدس في إحيائنا أفرادًا وجماعات. فينطبق علينا قول المسيح: "إن ثبتم في كلامي، صرتم في الحقيقة تلاميذي، تعرفون الحق والحق يحرركم". (يو8/31 ـ35).
لا أريد من كلماتي هذه أن تكون مجرّد بكاء على الأطلال، ولا تنهدات على ماضٍ زال وانقرض، وإنما أأمل أن يتحقق من جديد الإزدهار والفاعلية في دفع عجلة التثقيف المسيحي في كنيسة العراق وجالياتنا إلى الأمام، وليبارك الرب كل من فتح أشرعة قلبه ليستقبل هبوب الروح الذي نعمنا به ونحيا منه اليوم.
لكن السؤال سيبقى: كيف السبيل إلى نقل ما نلنا نحن خريجو الدورة اللاهوتيّة إلى الجيل الصاعد من أولادنا الذين لم يعد لديهم دورة لاهوتية؟
هذا السؤال أتركه للجميع، وأنا على استعداد لتقبل آرائهم.
العنوان الإلكتروني  dhnoohk@yahoo.com[/b][/font][/size]