الاخبار و الاحداث > أخبار العراق

تقرير : مفردات غزت الشارع العراقي مؤخرا

(1/1)

Sabah Yalda:
تقرير : مفردات غزت الشارع العراقي مؤخرا    [/color][/size][/b]

 
المصدر: القبس     
12 / 11 / 06 
حقا لا تكفي 'زلزلة الحياة' في بغداد ومحافظات عراقية عديدة، لا تكفي لهذه الدموية المرئية ان تطغى على ملامح النهارات والاماسي، فالدم، لون العنف بدا يتسلل إلى اقوال العراقيين واحاديثهم. وانتج على ما يبدو الكثير من الصور والتشبيهات الغريبة والشديدة المحلية لتلائم وعي الشارع ومقتضيات تفاعله اليومي في احيان عديدة. حتى ان بعض العراقيين تمنى لو ان المشرف على مؤسسة غينيس للارقام القياسية قد تخلى يوما من كسله وفكر بزيارة العراق لعثر على شتى الارقام القياسية في هذا البلد الذي بات موطن 'الاوائل' في كل شيء عدا اعتناق وسيادة القيم الحضارية!.
ولكن كيف؟. يقول احمد السعداوي ـ كاتب عراقي ـ 'ليس سعيا وراء كتاب غينيس، ولكن العراق بالفعل هو بلد الارقام القياسية. وهو بلد الفنتازيات والتحولات السريالية الذي يحتاج إلى غينيس عراقي يولد على ارضه ليحصي سلسلة الاعاجيب والغرائب اليومية'.
وليس غريبا ـ يضيف سعداوي ـ ان تشيع مفردات العنف الدموي في الشارع العراقي بعد ذلك الكم 'القياسي' من النكبات والانتكاسات المتلاحقة التي انتجت حاضنة لانتشارها في السنوات الاخيرة التي اعقبت احداث ابريل 2003. فالعراق، على ما نظن هو البلد الاول الذي تشتبك على ارضه مفارقات التاريخ والجغرافيا والافكار والعقائد، وهو اقدم بلد في العالم حضاريا، في حين اخرج احد اهم آثاره، وهي آثار بابل من لائحة الاماكن الاثرية في العالم من قبل منظمة اليونسكو، حين سعى 'صدام' إلى حشر نفسه في طابق الجنائن المعلقة مقلدا حمورابي!.. والعراق مازال البلد الوحيد في العالم الذي تتوافر فيه جميع عناصر النهوض الحضاري، في حين لم يدمج حتى الآن عناصر ذلك النهوض في معادلة حضارية معاصرة. وهو البلد الذي انتج اعتى الدكتاتوريات وجرت في زنازين سجونه ابشع الجرائم لتصنع اعلى معدل في المقابر الجماعية. و احتل بامتياز المرتبة الاولى في تقارير منظمة حماية الصحافيين، بكونه البقعة الاخطر عالميا للعمل الصحفي. وهو البلد الاول الذي طرد جميع الخبراء الاجانب ولم يبق على ارضه سوى القوات المتعددة الجنسيات.. إنه البلد رقم واحد في غنى فرص الاستثمار للشركات العالمية كما قال بول بريمر في مؤتمر الدول المانحة الذي عقد في منتصف ولايته للعراق، ولكنه يبقى البلد الوحيد الذي لم يستفد، تاريخيا من ثرواته.
والحق، ان العراق الذي انجز اول كتاب في التاريخ، واعني به (ملحمة جلجامش) لا يبدو الآن معنيا بالتفكير بجدوى الكتاب، بل ان المواطن العراقي مشغول بالحفاظ على حياته وابتكار مفردات العنف ليس غير.
احمد يرى ان العراقيين هم من اكثر شعوب العالم حاجة للامل، واكثرهم قدرة على صياغته، وهم القادرون، دون ان يعوا احيانا، على مزج اليأس مع الرغبة والتعايش معها بانتظار افق لحلم صعب المنال..
مصطلحات الباب الشرقي
في منطقة الباب الشرقي وسط العاصمة بغداد، تبدو عيون المارة اكثر حذرا. فكثيرا ما انفجرت عبوات ناسفة وسيارات مفخخة، وكثيرا مافجر انتحاري نفسه في ذلك المكان المكتظ بعمال 'المسطر'، وباعة الملابس المستعملة المعروفة بالبالة، إضافة إلى زحام السيارات والمتبضعين.
ومن داخل هذا الصخب قد تثيرك حتما جملة غريبة يطلقها احد العمال الصغار المتسربين من المدارس، فتقف للاستفسار منه. ولكنك ستفاجأ بانه يحمل قاموسا من مصطلحات العنف الجديدة..
'اسامة زيطه' ـ 15 سنة لمحته يباعد بين يديه وهو يخاطب صاحبه قائلا: 'حواسم، طكوك خالي طكوك، هسه ايعلسوك'..اثارني قوله بالفعل، ولم اتردد في مطالبته 'بتفكيك' ذلك اللغز فاجاب: 'الحواسم: هم الجماعات التي شاركت في نهب الدوائر الحكومية والمؤسسات والمعسكرات والبنوك بعد سقوط النظام واحتلال بغداد، وهذا ـ اشار إلى صاحبه ـ واحد منهم.
اما 'الطكوك' فتعني كل من سرق من احد البنوك مبالغ نقدية تقدر بآلاف الدولارات فطق اي انتفخ وصار 'طكوك' اي استغنى وبعد 'ميتفاهم'!
كما انني حذرت صاحبي من 'العلاسة' لان 'العلاس' هو الشخص الذي يعيش معك في السوق والمحلة ويرتبط سرا مع إحدى العصابات المسلحة. ومهمته هو إيصال المعلومات الكافية عنك لغرض تسهيل اغتيالك او اختطافك. ولا يكاد يخلو مكان في العراق من 'العلاسة' الذين بتنا نخشاهم اكثر من العصابات نفسها!
'زيطه' انغمر بسيل من مفردات العنف الدموي فقال: الصكاك اخطر من العلاس. فهو الذي يصك عليك ـ اي يقتلك فجاة بلا سابق إنذار. واحيانا يخطفك من داخل بيتك بشكل مفاجئ..
الورقة: تعني ورقة التهديد اي الإنذار الذي يوجه إليك، وغالبا ما يكتب في ورقة صغيرة تجدها ملقاة قرب باب بيتك آو ملصقة بسيارتك. وعندها سيكون امامك خياران إما ان 'تبسلهه' ـ اي تنهزم ـ، وإما ان تنفذ ما يطلبونه منك في تهديدهم.وهو منحهم عدة دفاتر. والدفتر يعني: 'الشدة، بفتح وتشديد الشين وهي مفردة تطلق على مبلغ نقدي قدره عشرة آلاف دولار، وقد اعتاد الخاطفون ان يطلبوا عشرات الدفاتر من اسرة المخطوف ثم يخفضون طلبهم تماشيا مع قدرة عائلة المخطوف على دفع الفدية'.
قناص بغداد
مفردات اخرى شاعت مؤخرا في الشارع العراقي مثل: 'قناص بغداد' وتطلق على الشخص الذي يظهر مهارات فائقة في اقتناصه لأي فرصة تتاح له من فرص عمل وجوائز وغيرها..ـ ترجع اصول هذه المفردة إلى ما يشاع عن وجود مسلح في بغداد بهذا الاسم ادعى انه قتل عددا من الجنود الاميركان ببندقيته وقد ظهر في احد المواقع الالكترونية مؤخرا.
احيانا، يضيف اسامة، نطلق مفردة السياف على الشخص الذي يعمل على قطع ارزاق الناس لتشبيهه بالسياف الذي يقطع رقاب المختطفين لدى بعض الجماعات المسلحة.
وكثيرا ما نسمع عن فرق الإعدام وفرق الموت التابعة لعدد من المليشيات المسلحة، حتى غدت هذه الجملة تثير الهلع بمجرد سماعها داخل سيارات الاجرة وفي المقاهي.. كما اشتهرت مفردة 'دريل ـ آلة الثقب' ـ التي تستخدمها بعض الجماعات المسلحة لقتل المختطفين عن طريق ثقب رؤوسهم بهذه الآلة.. واشتهرت ايضا جملة 'وره السدة' ـ للتدليل على الجثث المجهولة الهوية التي يعثر عليها من حين لآخر خلف السواتر الترابية في اطراف بغداد..
وتبقى اكثر جملة مليئة بالقلق رددها اسامة اثناء استقباله لعدد من اصحابه هي 'شكو ماكو' وهي جملة استفهامية يتداولها العراقيون كثيرا فيما بينهم لاختزال استفساراتهم كافة، وتعني كيف حالك وحال عيالك وحال المنطقة التي تسكنها وكل ما يتعلق بالامن والامان...
أباتشي
امتنع الكثير من الطلبة عن الإدلاء بآرائهم حول المفردات الدموية التي غزت حياتهم. ويبدو ان 'إقبال عبدالله' ـ طالبة جامعية ـ بدت اكثر مرونة بتقبلها لهذا النوع 'الغريب' من الحوار. وبعد تردد واضح اجابت: 'اعتقد ان 'المس كول' او المسكو ـ نغمة اتصال مقطوع ـ هو اول مفردة غزت حياتي وحياة العراقيين جميعا. فقد بات همزة الاطمئنان الوحيدة بيني وبين اسرتي، ومازلت امارسه بين ساعة واخرى. وحين اسمع رنين نغمة جهاز الموبايل الذي احمله اشعر ان هذا الميسكول يعني استفسار عائلتي عني بعيد كل انفجار يحصل هنا او هناك. انه يعني باختصار هل انت حية. فاسارع إلى الإجابة بميسكول آخر، ومعناه: اجل مازلت على قيد الحياة!. لقد اتفقت مع اسرتي على هذا النوع من الاستفسار اللحظوي الامني الاقل تكلفة لغرض الاطمئنان، وهو ما يفعله جميع الطلبة مع عوائلهم. لاننا، لوعملنا مكالمة هاتفية بعد كل انفجار، فربما سنحتاج إلى عدة 'كارتات رصيد' وهو ما ليس بمقدورنا تحمله.. حتى اننا بدأنا نتداول مفردة جديدة وهي 'ما عندي رصيد'.. نرددها دائما لحث المخاطب على الإسراع بإنهاء مكالمته.
مفردة اخرى غزت حياتي ـ تضيف إقبال وهي حجاب الامان حيث اضطررت مثل سائر زميلاتي إلى استخدام الحجاب من لحظة خروجي من البيت وحتى عودتي اليه لاتقاء شر الجماعات التكفيرية وغيرها الذين بدأوا يجاهرون باختطاف وقتل النساء غير المحجبات. وهذا اعتداء سافر على حريتي الشخصية، ولكن ماذا افعل!؟.
اقبال تبتسم بمرارة وهي تقول تصور غزت مثل هذه المفردات اجهزة الموبايل ذاتها فبدأنا نسمع عن جهاز اسمه الاباتشي لان غطاءه يدور دورة كاملة مثل مروحية المقاتلة الاميركية المعروفة بهذا الاسم. وهناك جهاز اسمه الشبح، تيمنا بطائرة الشبح الاميركيه، وهناك جهاز آخر اسمه 'الهمر' يشبه المصفحة الاميركية. واشيعت اسماء اخرى للهاتف النقال تدلل على احزاننا مثل جهاز ابو دمعة وابو دمعتين والطابوكه وغيرها..
يوم الجلسة
في النهارات التي تزداد فيها الاختناقات المرورية بسبب إغلاق العديد من الشوارع الرئيسية، وإقامة الحواجز والسيطرات، يصرح بعض العراقيين بمفردات مثل: 'قفلت'، فيتساءل آخرون:'شنو اليوم جلسة؟'. تساؤلان كثيرا مايرددهما المواطنون من داخل سيارات الاجرة وهم يشاهدون تشابك العربات والمارة داخل الشوارع فيدفعهم ذلك المشهد إلى وصف الزحام بمفردة 'قفلت' اي تداخلت العربات مع بعضها ولم تعد تنفع معها إشارات وإرشادات المرور، والسبب برأيهم هو، إما انعقاد جلسة جديدة لمحاكمة الرئيس المخلوع صدام حسين او جلسة صاخبة اخرى من جلسات البرلمان العراقي!.
وإزاء هذه الحالة المتكررة يضطر العديد من الموظفين إلى الاتصال بدوائرهم لطلب اجازة وقتية او اعتيادية، ومن ثم العودة إلى بيوتهم او السير على الاقدام. وإذا ما اراد بعضهم الانتقال من منطقة الرصافة إلى الكرخ او بالعكس لن يجد أمامه وسيلة لعبور نهر دجلة غير القوارب التي راجت تجارتها في الآونة الاخيرة بعد تزايد الإقبال عليها.. احد اصحاب القوارب علق على هذه الظاهرة الجديدة قائلا 'إنني اتمنى ان تتكرر مثل هذه الجلسات طيلة ايام الاسبوع، لانني اكسب في يوم 'الجلسة' اكثر من ثلاثين الف دينار في حين لا احصل في الايام الاعتيادية على ربع هذا المبلغ!'.
بانتظار المفردة القادمة
مع الحركة المتسارعة للواقع العراقي بكل ما يحمله من منغصات واحباطات، تبدو ملاحقة هذه المفردات الغريبة وشديدة المحلية امرا عسيرا، لان كل يوم جديد يحمل معه إلى الشارع العراقي مفردة لم نسمع بها من قبل، ولم يسمع بها غيرنا دون شك..

صحافة دموية
مفردات كثيرة اخرى غزت المشهد الصحفي والإعلامي في العراق، وبدأ يتداولها الصحافيون والكتاب والمذيعون والباحثون، حتى بات استخدامها امرا لابد منه في الصحف ونشرات الاخبار والمحاضرات وغيرها.
ويرى 'احمد ابو الجري' ـ إعلامي من شبكة الاعلام العراقي ـ ان هذه المفردات الطارئة تجسد ازمات ومفارقات الحراك السياسي العراقي، بكل ما يحمله من احباطات وانفراجات يتحسسها الشارع العراقي. واضاف اننا كإعلاميين لم نتداول قبل سقوط النظام مفردات مثل"عبوة ناسفة وسيارة مفخخة وحزام ناسف وانتحاري وإرهابي وجماعات تكفيرية وصدامية واعمال العنف والمظاهر المسلحة والمليشيات والخراب والدمار والتوافق والمحاصصة والشفافية وعدم تهميش الآخر والدستور والاستفتاء وتدهور الوضع الامني ومنظمات المجتمع المدني والملتقيات والتجمعات الثقافية والسياسية.. كما لم ترد في مقالاتنا وتحقيقاتنا مفردات مثل القتل والنهب والاختطافات والاغتيالات والجثث مجهولة الهوية والمقابر الجماعية والترحيل القسري والمهجرين والمؤنفلين وضحايا النظام السابق. ولذلك نشعر بالفعل اننا نعيش في اجواء طارئة ومليئة بالمفردات الغريبة.

على كف عفريت
ان مقتل الصحافي بات مألوفا في الاخبار العاجلة، ولم يعد قتله مقتصرا على بؤر التوتر العديدة في العراق، بل شمل ذلك محلته ودائرة عمله، وليس بعيدا عن دوامة القتل اليومية هناك منغصات عديدة تنتظره في الشارع ابرزها محاورة المواطنين وحمل اجهزة التسجيل والتصوير.. لقد غدا منظر الصحافي مخيفا للسابلة الذين رأوا في محاورته مخاطر كثيرة.
فهناك ابواب مغلقة دائما بوجه الصحافي، وهناك خطوط حمر لا يمكن الاقتراب منها، بل وهناك اتهامات جاهزة تنتظره، والغريب ان الاخطار التي تهدده تبقى غامضة وغير محددة بجهة او سلطة او خطاب.. يقول إياد الخالدي من جريدة الصباح البغدادية 'إنني احاول ان اخفي عن فضول جاري المولع بمطالعة الصحف نوع مهنتي التي باتت خطرا، ولكنه يبقى يلاحقني بعشرات الاسئلة كلما قرأ اسمي او اطلع على موضوع لي، ولطالما حاولت إقناعه باني تركت مهنة الصحافة إلا ان كل محاولاتي على ما يبدو باءت بالفشل.' .. الخالدي بين ان العديد من الصحافيين يمارسون هذا المكر والاكاذيب مع جيرانهم واقاربهم ايضا، فهاجس الخوف له ما يبرره بعدما غدا الصحافي هدفا سهلا للعصابات وغيرها.
الخالدي وصف إخفاء مهنته بالامر المحزن، في وقت يتباهى اقرانه في دول اخرى بتلك المهنة المقدسة، واضاف: انا شخصيا أؤجل او الغي العديد من المواضيع التي ارى ان مصاعبها اكثر من غيرها واحاول ان اتقيد بمواضيع اقل خطورة وهذا ما اثر بشكل واضح على مجمل كتاباتي، كما ان مفردة الخوف بذاتها تبدو مهولة ومرعبة حين تقترن باناس لا يفهمون غير لغة القتل. 

http://www.alzawraa.net/home/index.php?option=com_content&task=view&id=7897&Itemid=32[/font]

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة