المحرر موضوع: الأنا.. المشكلة  (زيارة 985 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل شليمون اوراهم

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1095
    • مشاهدة الملف الشخصي
الأنا.. المشكلة
« في: 18:31 05/04/2013 »
الأنا.. المشكلة

(افتتاحية العدد 41 من مجلة الأفق "أوبقا" الصادر مطلع آذار 2013)

شليمون داود أوراهم

فضلا عن ولادته العجائبية، حيث كان الكلمة في البدء، والكلمة صار جسدا وحل بيننا. وفضلا عن معجزاته وتعاليمه السامية، ثم انتصاره على الموت بالقيامة، فإن إحدى أهم الصفات الأخرى للسيد المسيح له المجد والتي جعلته مسيحا وصورة لله على الأرض و"أنا والآب واحد.. من رآني فقد رأى الآب".. هي انتصاره الباهر على الـــ "أنا".

وبغض النظر عن تقسيـم سيغموند فرويد للجهاز النفسي عند الإنسان.. في كتابه "الأنا والهو" إلى ثلاث مؤسسات.. وما أطلق عليه اسم "النظرية البنوية": (الهو "IT"، الأنا "EGO"، الأنا العليا "SUPER EGO").
وبعيدا عن هذه الشروحات النفسية الفلسفية فإن ما نقصده هنا من معاني "الأنا" هو الأنانية، حب الذات وتقديمها على كل شيء "عكس نكران الذات".

يقول أحد المفكرين إن "حب النفس منشأ كل المفاسد". وإن سبب جميع أو معظم الخلافات والنزاعات من حولنا مرده حب الذات إلى درجة الأنانية التي هي أساس كل بلاء يصيب الإنسان ولا سيما عندما يضع لنفسه مقاما وعظمة كبيرين يكونان سببا لطغيانه.

ومع أن المخلص له المجد استخدم الضمير "أنا" في العديد من تعاليمه السامية: "أنا هو خبز الحياة، أنا هو نور العالم، أنا هو الباب، أنا هو الراعي الصالح، أنا هو القيامة والحياة، أنا هو الطريق والحق والحياة، أنا الكرمة الحقيقية، أنا هو" فإن جميع ما تلاها كان من أجل الآخر لا من أجل الذات، من أجل الإنسان الخاطيء كي ينال الخلاص.
كما أن هناك أمثلة أخرى عديدة لتغلب يسوع على "الأنا" بشكل تام، حتى وضع نفسه من أجل الآخرين، وهذا، إلى جانب حقائق أخرى، ما جعله كما قلنا، في المكانة التي هو فيها.

لكن البعض منا لم يزل حتى الآن، في مجتمعنا الشرقي "المسيحي" أفرادا وصفات، غير قادر على التغلب على هذه الأنا، ولو بقدر معين مقبول.
وإذ لا نقصد هنا المقارنة بشخص السيد المسيح له المجد، ولا خلط المفاهيم الروحية والإيمانية أو حتى الطوباوية بما تلهج به نفس الإنسان وما يختاره من ممارسات في مختلف مجالات الحياة اليومية المتشعبة، فإننا نقول:

إن شعبنا في العراق يواجه اليوم تحديات تتعلق بالوجود أولا ثم الحقوق، بمعنى إنها تحديات مصيرية حقيقية، وجميع مؤسسات هذا الشعب.. ابتداءً بالسياسية مرورا بالكنسية ثم منظمات المجتمع المدني والنخب المثقفة والأكاديمية تؤكد أنها تعمل كل ما في وسعها لمواجهة هذه التحديات، وتسعى لأن تحقق في هذا الاتجاه خطوات مقبولة وحسب العوامل والظروف الذاتية والموضوعية، لكن يبقى من المهم عدم ظهور "الأنا" بين فترة وأخرى وبما لا ينسجم وهذه العوامل والظروف.

من الضروري أن لا يبرز عند البعض منا شعور أن القضية تبدأ من عنده وتنتهي عنده، وأن له الحق في أن يكون القيّم على هذا المكون أو هذه الشريحة أو تلك المؤسسة، وإن له الأولوية وليس لسواه: "لماذا هو لا أنا"؟!.
نتحدث كثيرا، لا سيما في ظل الظرف الراهن، عن الوحدة والتوحيد ورص الصفوف، وضرورة التضحية من أجل الصالح العام، وهذا ما ينبغي أن يكون فعلا وواقعا.

وحيث أن من غير الممكن لأي منا إنكار هذه "الأنا" فيه، وإذ أننا لا ننتظر من أنفسنا والآخرين تحقيق القضاء على هذه "الأنا" بشكل كامل، كما فعل يسوع، ذلك لأننا بشر ضعفاء أولا وأخيرا، لكن علينا على الأقل محاولة تدريب وترويض أنفسنا على وضع هذه الأنا جانبا قدر الإمكان لا سيما في القضايا الهامة والمصيرية.

إن مقدم "الأنا" على الآخر لم ينجح على مر التاريخ في تحقيق مكسب أو مجد يُذكر له، بينما مؤخر "الأنا" وناكر الذات في أي من المجالات له مكانة تبقى محفوظة في ذاكرة المجتمعات والشعوب.. والتاريخ.