المحرر موضوع: عُرْسُ أشوري كلداني سرياني  (زيارة 1540 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل salim Maroki

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 50
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
عُرْسُ  أشوري كلداني سرياني
[/color]


سلام مروكي /  ملبورن أستراليا


كانتْ الامنية الوحيدة للسيد شمعون الكلداني وزوجته السيدة تريزة السريانية إقامة عرسا  كبيرا وفاخرا لإبنهما البكر فرات. لقد تولّع فرات الشاب الوسيم منذ سنتين بالحسناء نهرين إبنة السيد يعقوب الاشوري، وإتّفقتا العائلتان على عقد قرانهما بعدَ أنْ أكملت نهرين دراستها الجامعية بتفوق. لقد تكللتْ تلك الصداقة الحميمة والقديمة بين العائلتين بزفاف نجليهما.

أقيْمَ العرس في صالة كبيرة ودُعِيَ كُل الاحبّة للإحتفال بهذهِ المناسبة الجميلة. كان من بين المدعوين أسقفان متخاصمان  لذلك حرصَ صاحب الوليمة أن يجلسهما بعيدين الواحد عن الاخر تحاشيا للإصطدام حيث تميّزَ الاول بتزمته للقومية الكلدانية وكثيرا ما صرّح في أكثر من محفل  بأنّ الكلدان هم الشعب الاصيل المتميز والوحيد الذي حمل راية وإسم  أبناء بلاد مابين النهرين الى يومنا هذا. أما الاسقف الاخر فلا يختلف عن الاول تعصبا وتزمتا ولكن للأمة الأشورية ولا يعترف بإسم أخر لورثة بلاد الرافدين سوى الاشوريين.

إمتلأت  صالة العرس بالمدعوين ثمّ إعتلى المنصة عريف الحفل محاطا بأعضاء الفرقة الموسيقية ليفتتح مراسيم إدخال العروسين. بعد الترحيب الحار بالحضور وتقديم العازفين ومطرب الحفلة الشاب السرياني المحبوب الذي طالما أطربنا بأغانية العاطفية والتراثية، تنفس العريف شهيقا عميقا وقال: وألان أحبتي الكرام نفتتح حفلنا هذا بإدخال العروسين ملك وملكة هذا الاحتفال ورمز وحدة شعبنا الكلداني الاشوري السرياني، إننا شعب واحد بكل مسمياتنا الجميلة والعريقة وسيكون الحب والوحدة والفرح شعارنا الى الابد، هكذا كان أجدادنا وهكذا نكون نحن اليوم رغم جهل بعض المجحفين بحق هذه الوحدة الاصيلة، إقرعوا طبول الفرح وأعزفوا أجمل الالحان لفرحة العروسين فرات ونهرين، أيها الصبايا لوّحن بمناديلكنّ الزاهية الالوان إحتفالا بالفرح الكبير وأنتم أيها الصبيان لا توقفوا رقص دبكاتنا حتى شروق الشمس.

تعالت صيحات الفرح إبتهاجا وإبتهالا بدخول العروسين ثم تشابكت الايادي الناعمة مع الخشنة لينسجوا الشباب منها حلقة كبيرة إحتضنت كل الجالسين وعلى إيقاع الاغاني الفلكلورية التي يعتزّ بها شعبنا تفنّن المحتفلون برقص دبكاتنا الجميلة. ولمّا غنى المطلرب المحبوب  تلك الاغنية الرائعة  التي تمجّد أسماء قرانا السريانية الاكلدانية الاشورية من سهل نينوى  وحتى جبال هكاري، إنتشى الشباب لسماعها وإزداد عنفوان رقصهم وتعالت هلاهل الفرح لما  يحملونه من محبة عميقة لتلك القرى العريقة وسكانها الاصلاء.


لم يرقْ مشهد الفرح والمحبة الذي عاشه شعبنا من المدعويين للعرس لكلا الاسقفين القابعين كلّ في إحدى  زوايا القاعة وبانت على وجنتيهما علامات اليأس والحزن، يبدو أن أصداء دعواتهما المتكررة في المحافل الكنسية والمدنيّة وكتاباتهما في الصحف ووسائل الاعلام لتقسيم وتجزئة  أمتنا  لم تجد لها أذانا صاغية في صفوف أبناء شعبنا الابي الواحد. كان الاشوريون الكلدان السريان يرقصون ويتلذذون بمتعة الحب الازلي وكأنهم يقولون لكل المتعجرفين دعاة التعنصر  والتفرقة لنْ نستمع الى خزعبلاتكم أبدا بل بالعكس سوف نزداد حبا وإحتراما بعضنا لبعض ومتعة تألفنا ووحدتنا في هذا العرس تعكس حياتنا الحقيقية كشعب واحد الى الابد.

إنتهزتُ فرصة إستراحة العازفين والراقصين لاتبادل السلام والتحية مع بعض الاحبّة والاصدقاء ولمّا وقع بصري على الشماس داؤد توجهتُ اليه مسرعا للترحيب به. لقد أعجبت بشخصية هذا الشيخ الوقور فلقد تميّز بثقافة عالية وطيبة قلب غير متناهية، إذا نطقَ سبىَ سامعيه لحكمةِ أقواله ومتعةَِ  مزاحه فهو أشوريّا يعتزّ بقوميتة وشماسا مؤمنا يخدم دوما في كنيسة الكلدان ، عاش وترعرع في مدينة القوش العريقة  وأحب أبنائها ويعرفهم فردا فردا، طالما  سمعته يردّد’ ويذكّر’ الصغار والكبار بأننا شعبا واحدا وأمة واحدة ومن هذا المنطلق زوّج إبنته الكبرى  من شابِ سرياني وإبنه من بنت كلدانية وصغيرته الحسناء من شاب اشوري، تعرّفتُ على هذا الانسان قبل عشر سنوات  ولم تفارق البسمة وجنتيه الورديتن، فهو ذلك الشيخ الحنون الذي لا شاغل  له سوى توزيع الفرح وزرع المحبة بين أبناء شعبنا أينما حلّ.





 كان يتوسط رجلين بسنّه من المدعوين الى العرس،  الاول وإسمه الحاج سلطان جالسا على يمينه مرتديا الزيّ العربي  وأسم الثاني كاكا حما جالسا على يساره متحليا بالملابس الكردية (شال وشبوك).   وكعادته بعد الترحيب الحار عرّفني على ضيفيه ثم فسح المجال لي كي أجالسهم وأتبادل الحديث معهم. قال لضيفيه اللذان إعترفا بأن كل العراقيين ينظرون الى الشعب الكلداني السرياني الاشوري كشعب واحد ويجهلون أي فرق بينهم. قال الشماس داؤد: نعم إننا شعب واحد بعدّة تسميات جميعها مرادفة للأخرى، لقد بنى أجدادنا حضارة وادي الرافدين، سمي الذين سكنوا جنوب العراق بالبابليين والكلدانيين ومن سكن الشمال لقبوا بالاشوريين والسريان لكننا شعب واحد وأمة واحدة، نحن أبناء بلاد النهرين الاصليين. فأجاب الحاج سلطان والنعم من هذا الشعب، أنتم المسيحيون في عراقنا الحبيب وخارجه كنتم دوما ذلك الشعب المسالم  المثقف الوطني النزيه المتحرر من تقاليد قشور الدين المحبّ المتفائل والوفي لتربة بلاد النهرين وسكانه  واللهِ  لو سلِّمتْ مقاليد حكم العراق اليوم في أيديكم لحكمتم بالعدل والانصاف وأوقفتم نزيف الدم  والدمار القاتل الذي أصاب بلادنا  ولجعلتم من العراق في ليلة وضحاها جنة عامرة.

 تداخل في الحديث كاكا حَما قائلا : كلامك صحيح يا حاج مئة في المئة وأعلمْ بانّ مأساة بلدنا كبرت بالحروب والويلات التي أصابتنا والتي أدّت الى نزوح الالاف من سكانه الاصليون الى الخارج. لنْ يزدهر عراقنا الجريح الغير قابل لكل تجزئة إلا بعودة الذين غادروه قسرا.  نسأل الله عزّ وجلّ أن يعيد السلام والوئام الى بلدنا الحبيب العراق موّحدا من شماله الى جنوبه  ليتنعم أبنائه البررة  بكل أقوامهم وأديانهم وأطيافهم بحياة حرّة كريمة ومستقرّة.

عادت الفرقة الموسيقية الى المنصة وإمتلأت حلبة الرقص ثانية بالمحتفلين ليكملوا فرحة العرس. ودّعت الشيخ داؤد والحاج سلطان وكاكا حما وتوجهت نحو منضدة العروسين للتهنئتهما  وملاطفتهما في أحلى يوم في عمريهما. لكن سبقني اليهما الاسقف الكلداني للتهنئة والتوديع قائلا لفرات: مبروك ياولدي زواجك وإنشاء الله أراك أنتَ وزوجتكَ  في كنيستنا كل يوم أحد لسماع القداس، أجابه فرات العريس بنبرة حزينة قائلا:  سيدنا أمي الحنونة  سريانية وعليّ إصطحابها الى كنيسة السريان الاحد القادم  وزوجتي العزيزة أشورية وعليّ الذهاب معها الى كنيسة الاشوريين  وأبي الطيب كلداني وهو كذلك يريدني أن أصاحبه لصلاة القداس في كنيستكم فمن تريدني أن أرضي أقولها بهذه المناسبة المباركة  وبأعلى صوتي  كفانا تشرذما وتمزقا وتحزّبا  فسيدنا المسيح أنشأ كنيسة واحدة حينما قال لبطرس الرسول يا بطرس عليك أبني كنيستي فلم يقل له كنائسي فحينما تتوحدون أنتم يارجال الدين ستروننا نصلّي جميعا تحت سقف كنيسة واحدة  والشيء الاخر الذي أود أن أقوله لك يا أبتي بالله عليك كفو عن تجزئة وزرع الشقاق بين شعبنا الاشوري الكلداني السرياني الواحد سيكون هذا العمل أجمل هدية لي ولكل أبناء شعبي في المعمورة. قطب الاسقف حاجبيه وغادر قاعة الاحتفال بعدما  خاب ضنّه بإبنِ رعيّته لعدم إنصياع فرات الى توصياته التافهة. 

تهيئ الاسقف الاشوري لمغادرة العرس فإتجه الى طاولة العروسين لتهنئتهما كما فعل سابقه، هنّئَ العريسَ بكلمتين ثم توجّه بحديثه الى العروس  نهرين قائلا: مبروكُ زواجكِ يإبنتي الاشوريّة لاتنسي أن تجلبي معك زوجكِ الى كنيستنا الأحد القادم لأداء الصلاة، أجابته نهرين إخترتُ زوجي الحبيب الكلداني وقررتُ الصلاة في كنيستهم الاسبوع القادم وفي الاسبوع الذي يليه سأصاحبُ والدته الى كنيسة السريان وفي الاسبوع الثالث سنأتي الى كنيستكَ لصلاة يوم الأحد، إنّ أمنيتنا أنا وزوجي الحبيب فرات أنْ توحّدوا كنائسكم لاننا شعبا واحدا ورجائنا الوحيد منكم ياسيادة الاسقف أن لا تتدخّلوا  في همومنا القومية ومشاكلنا السياسية، أكررها وأكررها نحن شعب  واحد وأمّة واحدة وخير مثال على ذلك هذا العرس الذي نعيشه كل يوم أينما عاش أبناء شعبنا سواء في بلد الام أو في بلاد المهجر. قطب الاسقف حاجبيه وغادر صالة العرس حزينا لان وصيته أهملت من قبل العروس الذكيّة نهرين.
   
سيبقى الحب والفرح شعار الشعب السرياني  الاشوري الكلداني الى الابد


سلام  مروكي
29/11/2006
Salim_maroki@hotmail.com[/b][/font][/size]