المحرر موضوع: مدينة الله السرية ق3 فص 11- مريم في سمــو جلالها -  (زيارة 1544 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فريد عبد الاحد منصور

  • اداري كتابات روحانية
  • عضو مميز
  • *****
  • مشاركة: 1153
  • الجنس: ذكر
    • MSN مسنجر - farid62iraq@hotmail.com
    • ياهو مسنجر - farid62iraq@yahoo.com
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                              مدينة الله السرية
                                                     القسم الثالث

                                             الفصـــــل الحادي عشــــر
                                              مريــــم في سمـو جلالها

بقدر ماكانت تكمل فيها أسرار الحكمة الإلهية بقدر ماكانت العذراء الطوباوية ترتفع إلى أعلى فلكِ القداسة بالنسبة لتفكير بقية الخلائق . فبدون عون خاص ، لم يكن يتوانى نشاط حياتها الطبيعية من أن يدفع حثيثاً قلبها نحو الله الذي كانت ترغب في حرارة أن تغرق فيه وتتلاشى وكانت تشعر بنفسها في الوقت ذاته مجذوبة بقوى بمحبتها الوالدية نحو المؤمنين الذي كانت هي  حياتهم كما  الشمس بالنسبة للكواكب. ومن هنا نتج صراع بين هذيين الحُبيَّن :
حُبها لله وحُبها للبشر . حتى قال لها الله . إنَّ مشقات ورغبات محبتك قد جرحت قلبي . إني سأصنع من أجلك صنيعاً سيظل وحيداً في عالم النفوس . من أجلك وحدك هَّيأت خلوة سأغّذِّيك فيها بألوهيتي وحيث تنعمين على الدوام بحياتي دون أن تزعجك الخلائق أو حالتك الحاضرة كمسافرة على هذه الأرض . من مسكنك في هذه الخلوة ستُحلـِّقين في الفضاء اللامتناهي ومنه أيضاً ستنزلين إلى كنيستي توزِّعين عليها كنوزي .
من هنا فعل الخير عبَّر عنه سِّريا القديس يوحنا باقواله في الفصل الثاني عشر من سفر الرؤيا : { فأعطيت المرأة جناحَي النسر العظيم لتطير بهما إلى مكانها في الصحراء. المكان الذي  هيـَّأهُ الله لها لتتغذى فيه مدة ألف ومائتي وستين يوما .}

وهذا الغذاء كان الرؤيا التجريدية التي حصلت عليها من قَبل ولكن بطريقة دائمة أكثر حيوية وأكثر كمالاً . كانت هذه الحالة تتطلب ترتيباً جديداً يتناغم وقواها الطبيعية. ومن أجل ذلك وبإرادة العَليَّ إِمَّحَت من ذهن الطوباوية مريم جميع صور الخلائق التي حملتها الحواس إليه وحلت مكانها صور أكثر نقاءً واكثر ترفعاً عن المادة كانت بواسطتها تعلم الأشياء بطريقة أكثر سمواً. فتتوقف الصور التي تأتيها من الحواس  في الذاكرة كما هو مخزن ولكن دون أن تصل إلى ذهنها الذي اصبح مزيناً بصور إيحائية وفائقة الطبيعة . كانت بواسطتها ترى كل شيء في الله كما في مرآة. وهكذا اصبحت على علم بحاجات أولاد الكنيسة المختلفة وبالطريقة التي ستداويهم بها .

فأستَثنى العليُّ من هذه الحالة طريقة خضوعها للقديس بطرس وللقديس يوحنا وسائر الرسل. وكانت العذراء بحكمتها هي التي طلبت هذا الاستثناء حتى لاتتوقف عن ممارسة الطاعة التي كانت عزيزة جداً عليها ولكي تجعل الناس يفهمون أنه بالطاعة يكونون متأكدين أنهم منصاعون للإرادة الإلهية . أمـَا بالنسبة لبقية الأشياء فكانت تستعمل الرؤيا التجريدية التي لم يكن يقطعها لا العمل ولا النوم . ولذلك لم تكن بحاجة لأيِّ تفكير لمساعدة الكنيسة أو حتى تمييز ماهو مَرضِّـي بالأكثر عن الربِّ . كانت ترى كلَّ شيءٍ مسبقاً بدون قلق وتهتـَّم بكل شيءٍ تشتت.
هناك عدد لايحصى من الأفعال العجيبة لمعت فيها طريقة العذراء الكلية القداسة في المعرفة والعمل ويتوجَّب الأكتفاء ببعض الأمثلة :

كان في أورشليم شخص مميَّز ينعم ببعض الفضائل الأدبية ولكنَّه غيور جداً على الشريعة القديمة كما كان القديس بولس . لقد نالت له أمُّ الصلاح من الله نعمة إعتناق الإيمان. وقبل أن يتوصَّل لحالته الحاضرة كانت قد استشارت الحكمة . ويكفيها لذلك أن تنظر إلى السيد حيث كانت تكتشف فيه مايتوجب عليها فعله فقالت للقديس يوحنا وهي مستنيرة بأنوار فائقة الطبيعة أن يذهب فيبشر بمكان يتمكن هذا  الرجل سماعه ، وفي الوقت ذاته كلَّفت ملاكها الحارس بأن يُوحي إليه  بالرغبة لزيارتها . وفعلاًحضر لمشاهدتها حُبـاً بالفضول ولكن حالما سمع اقوالها الإلهية شعر أنه قد تحول بكليته. فسجد على قديمها وأعترف بيسوع المسيح فادي العالم الإلهي  وطلب المعمودية. وبينما كان القديس يوحنا يمنحه هذا السِّـر ظهر الروح القدس بشكل منظور على المعتمد الذي إرتقى إلى درجة كبيرة في القداسة .

وكان بأورشليم أيضا فتاة مسيحية قد جحدت الإيمان بسبب خداع قرابتها الساحرة. فصلـَّت مريم الرؤوفة متكدِّرة من هذه السقطة التي رأتها في الله واستحقت بابتهالاتها ودموعها عودة هذه التعسه عن ضلالها. فاستعملت رسالة تبشير القديس يوحنا فاستمعت له الخاطئة بهدوء وأعترفت له واستعادت حالة النعمة . وقد أعطتها هي نفسها إرشادات صالحة لكي تثِبتها بالفضيلة .

واخيراً ،وبما أنَّ الشياطين كانوا مذعورين من وجود العذراء الكلية القداسة ولم يكونوا يجرؤون على الاقتراب من أورشليم، فقد ذهبوا إلى آسية حيث كان يبشر القديس بولس وسائر الرسل. وقررَّوا أن يأخذوا المؤمنين بشباكهم .  وكانوا سابقاً قد شوشوا كثيرين ودفعوا بهم إلى  جحود الإيمان. ولكن أميرتنا عرفت في الله تحرُّكاتهم وصلـَّت إلى عزته الإلهية لكي يحبطها. فأجابها أن تتصرف هي كونها معلمة جميع الخلائق. فأصحبت قوية بهذا السماح وأنتزعت الفريسة من التنين قبل أن يفترسها وأمرته بأن ينحدر من جديد إلى هوَّية . وآنئذٍ دخلت سنتها السابعة والخمسين .

ولكن بعد الإثنتي عشرة مئة والستين يوماً أعني ثلاث سنوات ونصف المذكورة في سفر الرؤيا وكما أنَّ العذراء الكلية القداسة قد اتمَّت سنتها الستين وتزايد حـبُّـها لله ورغبتها بالإتحاد به في السماء  تزايدا كبيراً جداً حتى اصبحت تشعر بنوع من الإستشهاد الدائم . ولم تكن رغمَ ذلك تطلب الأنحلال من الروابط الأرضية التي كانت توقف طيرانها إليه. ذات يوم كانت حرارة شوقها  قوية للغاية واندفاعها عنيفاً حتى انَّ قلبها حاد عن موضعه أماً الله الذي كان سبب هذا الحادث هو ايضاً الشافي.  ولكي يُلطِف من عذابها العجيب تكلـَّم معها الملائكة بموضوع هذه المُلكية التي كانت تطمح لها دوماً بهذه القـوَّة . ولكنَّ هذه التعزيات زادتها ألمـاً وقد أججَّت بالعكس اكثر فأكثر لهيب رغباتها. فكلفت السفراء السماويين أن يذهبوا للرب ويقولوا له إنـَّها قد وَهنت حبـاَّ مستعينة باقوال نشيد الأناشيد التي كانت قد تمـَّت كلـُّها فيها بنوع خاص . وكانت آلام هذا الوهن حقيقية جداً حتى أن الملائكة الذين كانوا يساعدونها وهم بأشكال بشرية أجبروا على حملها بين ذراعيهم .

وبهذه المناسبة ، حضر إبنها القـدُّوس لزيارتها مع حاشيته الفخمة كالعادة . وفيما هو مقترب نحوها جدَّدها وقوَّاها وقال لها : ياامي العزيزة للغاية ، إن تحسراتك وتنهداتك قد جرحت قلبي. فتعالي إلي الوطن السماوي حيث ستتحول أوجاعك ودموعك إلى فرح. وللحال وضع الملائكة الملكة على عرش إلى جانب عرش إبنها وصعدوا بها إلى السموات بين انغام الموسيقى السماوية. وبعد أن عبدت مريم السامية الثالوث الأقدس وإنسانية سيدنا يسوع المسيح الذي كان قد تركها دوماً إلى جانبه قال الكلمة المُتجسد للآب الأزلي : هاهي يا أبي من أعطتني الجسد الأنساني والتي غذَّتني بلبنها وعملها والتي اشتركت  بجميع أعمال فدائي؛ هاهي قد وصلت إلى قمة القداسة بتتميمها مشيئتنا الصالحة . فحرمت نفسها من المكافأة الأبدية من أجل مجدنا وخير الكنيسة : فمِـنَ العدل إذا أن تشركها منذ الآن بكنوزنا خلافا للشريعة العامة .

أجاب الاب الأزلي : يا ابني الذي وجدتُ فيه مسراتي لقد وضعت  كلَّ الخيرات بين يديك، فأعطي منها إبنتنا المحبوبة حسب مشيئتك . عندئذٍ قـرَّر سيدنا يسوع المسيح أنه من الان وصاعداً ستُحمل أُمُّـه القدوسة إلى السموات كلَّ يوم أحد اليوم المناسب لقيامته حتى تصبح نفساً وجسماً بحضرة العَـليّ وتحتفل هناك بفرح على الدوام بهذا السـرّ . وقررَّ ايضاً زيادة عن ذلك أنه بمناولتها اليومية تظهر لها بطريقة جديدة إنسانيته المتحدة بألوهيته حتى تتذوّق بهذه الموهبة ضمانة السعادة السماوية. فترنم الطوباويين لهذا القرار بأناشيد التسبيح .
وبعدئذٍ توجَّه يسوع المسيح إلى العذراء الكلية القداسة وقال : يا امي المحبوبة للغاية ساظل دوماً معكِ في الفترة الباقية من حياتك وعلى الرغم من أنّ نهاية منفاك قد قرُبَت فسألطِف مشقاته: سأزيل احياناً، الستار الذي يزعج رغباتك. ووسط هذه الوعود وهذا الصلاح أنزوت الطوباوية مريم باعماق تواضعها الذي لايُثلم حيث اعترفت بعظمة الله ومجدتَّه . وكان  مشهدا مُذهلاً لهذه الحرب بين السيد الذي كان يرفع هكذا عالياً أُمَّه الكلية القداسة والعذراء المتنازلة جداً والمتواضعة حتى العدم . فاستنارت نفسها وتنشَّطت حواسها بالنار الإلهية ورُفع الستار السرِّي من أمام عينها وتمتعت عدة ساعات بالتجلي الطوباوي أكثر من جميع القديسين . وبعد ان خرجت من هذه الحالة الممجدة شكرت الله وصلـَّت من أجل الكنيسة ثم اعيدت إلى مصلاَّها حيث كان جسمها باقياً هناك كما ذكر من قبل حتى لايتنبَّه أحد لأنخطافها .

ومنذ هذا اليوم وحتى موتها تمَّم السيد وعده بالنسبة إليها . فصباح كل أحد ونحو ساعة القيامة كان ملائكتها يحملونها على عرش مضيء إلى السموات حيث كان يأتي إبنها لاستقبالها . والرؤيا التي كانت تنعم بها تشبه كثيراً الرؤيا الطوباوية عندما لم تكن هي ذاتها. وكانت دوماً مُرفقة بمفاعيل عجيبة جداً تفوق مفاهيم العقل البشري . وكان الملائكة يترنَّمون بهذه المناسبة بنشيد : يا سلطانة السموات والارض ، هلـِّلويا . وكانت هذه المناسبة بمثابة عيد إحتفالي لجميع القديسين وبالأخص للقديس يوسف وللقديسَين يواكيم وحنة اقرب اقربائها ولملائكتها الحرَّاس . وكانت تستشير العَليّ بأمور الكنيسة الأكثر أهمية وتصلـِّي من اجلها ثم تعود إلى الأرض محمَّلة بكنوز الغنى .

أما الإنغام الثاني الذي كان يتعلـَّق بالمناولة ، فتجدر الملاحظة أنه حتى ذلك الوقت لم تكن العذراء الكلية القداسة تتناول تماماً كلّ يوم لأنه كان يحصل أحياناً بعض العوائق كغياب القديس يوحنا مثلاً . ومن الآن فصاعداً أراد إبنها الإلهي أن تتناوله كلَّ يوم ماعدا الأحد كانت تذهب لرؤيته في السماء. ولكن كان يحصل ذلك دوما بتواضع وسرِّية وحذر دون أن تبح بذلك للقديس يوحنا . وحصل ذات يوم أنه كان منهمكاً جداً بالبشارة فسألت ملائكتها مايتوجب عليها فعله . إنَّ إرادة ابنك ، أجابوها ، هي أن يذهب واحد منا ليُعلم القديس  يوحنا. وحسب هذا الرأي عاد القديس يوحنا للحال  إلى عِلية صهيون حيث كانت العذراء التقية تستعد للمناولة، فقال لها : يا امي ، كما اخبرني ملائكتك ، يريد الربُّ أن اعطيك جسده المعبود كلَّ
يوم ـــ وأنتَ ياسيدي بماذا تامرني ، أجابت العذراء ، ــــ مايأمر به إبنك ، اردف الرسول . ــ وها هي خادمة حاضرة للطاعة . هذا ماقالته أميرتنا وسنتوقف هنا .

ومنذ ذلك اليوم ، وقت المناولة كانت الأُمُّ الإلهية ترى ألوهية ابنها كما كانت يوم الخميس المقدس ولكن اكثر إشراقاً من على طور ثابور . وكانت تتذوق عذوبات هذه الرؤيا مدة ثلاث ساعات . وكان سيدنا يسوع المسيح  يريد أن يعوّضها بهذه الطريقة جزءًا من تأخير المجد السماوي ويكفَّر مسبقاً عن الفتور والاستعدادات السيئة التي كان المسيحيون على ممِّر الأجيال سيعاملونه بها ويتقبلون سرَّ الإفخارستيا المقدس .

                      إرشادات العذراء الكلية القداسة .
يا ابنتي ، إنَّ البشر لا عذر لهم إن لم يتكملوا بمشاهدة الكلمة بمشاهدة الكلمة المتجسد. ولكن حبُّه التفضيلي يستثني بعض النفوس من النظام العام ويجعل فضيلة دمه تثمر بالأكثر فيهم . وعندما تشترك بهذا الخيار تتقبل كثيرا من النِعَم ممـَّا يثير إعجاب العالم لأنه يقدِّرها حسب عقله الضيِّق . ولكن إن أخلت بالأمانة ،  تُسيءُ إلى عزته الإلهية أكثر بكثير من تلك النفوس التي لم يُنعم عليها بذات الدرجة. يستسلم البعض للقنوط بسبب الحوادث المعاكسة لميولهم . وآخرون بسبب تواضع كاذب لايريدون  من بعد أنَ يُستعملوا بيد الله كآلة لكل مافيه رغبته الصالحة ، بنوع أنَّـهم لم يعودوا يرضخون لمشيئته إلا بكل مايوافق إرادتهم الذاتية .
إنَّـهم يفتِّشون عن ذواتهم عوضاً من أن يفتِّشوا عن السيِّد وكأني بهم يحكمون عليه ضمناً وحتى يلومونه .

 وحتى لاتسقطي بهذه الغلطة عليكِ أن تطلبي دوماً من السيِّد أن يوجـِّه كلَّ أفعالك وأن تحفظي جيداً ابواب حواسك حتى لايدخل إلى نفسك أية صورة للأمور الأرضية . فلا يكن لك مع الخلائق إلا العلاقات الضرورية ، وصلـِّي إلى الله بعدئذٍ أن يمحي من ذهنك جميع الصور غير الضرورية .


لست بـَعد انا احيا بل المسيح يحيا فيَ