المحرر موضوع: هل يورث المجد..؟  (زيارة 765 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل جلال مرقس عبدوكا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 156
    • مشاهدة الملف الشخصي
هل يورث المجد..؟
« في: 07:46 03/02/2014 »
هل يورث المجد ..؟

المجد على الصعيد الشخصي أو الأممي لا يتأتى عبر التأريخ لينتقل وراثيا عبر الأجيال . بمعنى هل أن سليل الماضى المشرق سيبقى مشرقا رغم الظروف التي أحاطته والنكبات التي أصابته،  أو أن سليل المراكز الدنيا سيبقى متدنيا بموقعه لأنه مصدر إنتمائه رغم الإنتعاش والرقي الذي ناله بفضل إنتهاجه السليم في تجاوز المحن والإنتكاسات..؟ لو كان الأمر كذلك لسلمنا الى إستحالة التوازن بين الرغبة والإمكانية، وهي حالة يخضع لها المستسلمون البائسون أن لا جدوى من تجاوز حدود موطئنا، ولا شأن بالإجتهادات والإبداعات للإنتقال من حالة الدنيا الى الرقي، ويسري الحال كذلك نزولا نحو الإنحطاط إذا تشبثنا بعرق الأمجاد دون الإنبعاث المستمر نحو الأمام..

قرأنا الكثير ونسمع الأكثر كلما نتحدث عن ماضينا التليد بأننا أحفاد كذا وكذا أبطال سطروا التاريخ بالأمجاد والزهو – مع كل الفخر والإعتزاز بدورهم المشرف – هذا التذكار لا يسعفنا بالحفاظ على تلك الحقبة بنفس الشموخ إذا لم نستلهم من أفكارهم وأعمالهم في تخصيب عقولنا في حياتنا اليومية..يقول آينشتين : تقدر القيمة الحقيقية للإنسان بدرجة حريته من سيطرة ذاته -. فإذا أفلتت ذاته من سيطرته ستنحرف بإتجاهات متباينة، بعضها تقوده نحو الضياع والإنحطاط ، وبعضها نحو الشهرة والسمو حسب تعامل كل فئة مع حالة ما،   وبمقدار تغيير النظرة الذاتية ستتغير الشخصية والسلوك... من هذا المنطلق يقاس مدى التجاوب الشخصي نحو بناء الكيان أو تحطيمه، ويقاس الحال على الدول والشعوب، فكم من دولة بعلمها وجبروتها شاخت وتقطعت الى ولايات ودويلات بفعل النظرة الذاتية الخاطئة   وممارساتها اللامنطقية تجاه الغير..

شواهد التاريخ القريب والبعيد يعيد ذاكرته بأشكال داعمة، الإمبراطرية العثمانية حكمت نصف كل من قارتي آسيا وأفريقبا وجزءا كبيرا من أوربا لمدى قرون عديدة، المانيا الهتلرية سيطرت على معظم الدول الأوربية بحروبها الشرسة، وعظمة الإتحاد السوفيتي سابقا كلها نماذج مؤطرة ضمن هذا التوجه..وهي إشعاعات وأمثلة حقيقية بأن المجد في حالة تغيير دائم..نظرة سريعة الى حقبة صدر الإسلام ، بعد قرون من توسيع جغرافيتها، كان مستوى العلم في مختلف المجالات في أوج رقيه ونشاطه، لأن نظرة الدولة ونهجها كان لمصلحة هذا التوجه، وما أن تغيرت نظرتها نحو مناهج أخرى تغير مستوى مجدها ، فهل من المنطق والمعقول أن نتباهى بما كنا وننسى واقعنا الحالي وهذا المستوى العلمي المتدني..؟ وماذا تجني شعوبها من هذا التباهي اللآمجدي..؟! وما آلت اليه من تفكيك في هيكليتها حتى وصلت الى أدنى درجة ،وتاريخ الخليج العربي قبل قرن أو أقل كان مبعث الرثاء لأن المستوى المعيشي ما كان يتعدى حياة البداوة وتربية الإبل..لكن ما أن تغييرت النظرة الذاتية لقادتها لمستقبل حياة نحو الأفضل تغير الوضع الإجمالي لنمط الحياة بما فيها عقلية الإنسان والبنى التحتية للبلد، فبدأت الحضارة تدخل اليه من أوسع أبوابها ..هل تتباهى شعوب المنطقة بحياة البداوة أم بما آلت اليه الآن..؟

لنأخذ مثالا آخر من التخلف ونقارنه بوضعه الحالي..
أمريكا ذات النفوذ الأوسع في العالم في شتى المجالات، كيف كانت قبل خمسة قرون مضت .؟ سكانها الأصليون كانوا يمتهنون تربية المواشي والزراعة، هل بقدرة قادر حلموا فاستفاقوا ورأوا أنفسهم بما هم عليه الآن.؟ أم كان ثمرة تغيير النظرة والفكر سواء من لدن الشعب أو من الكفاءآت المهاجرة اليها .؟

إذا كان التمجد بالماضي مجرد تذكير مرحلة معينة من التأريخ ، فلا نظن أنه يستحق التوقف والتأمل به إذا لم يصاحبه الإعتبار من دروسه لنضيف اليه مقامات أخرى من التطور.!!

كل الدول التي إكتوت بنار الحروب قديما وحديثا، خرجت بدمار شمل الأرض والبشر..هل باقتصادها المتدهور، أم بنبذ فكرة العراقة والتعالي ونفخ الريش كان سندها في اليقضة والنهوض بمهام جسام لإنتشال البلد من مأساته..؟!

تقدم الأمم لا يقاس بمعيار ماضيها، بل بمدى تأثيرها وتفاعلها في الوسط الدولي وبما تقدم من خدمات لشعبها ..

بلدنا الحبيب(كان) من أوائل الأقطار التي إبتكرت الكتابة وتشريع قوانين تنظيم حياة الشعب، إهتم بميادين التعليم وبرزت إختصاصات في الرياضيات والطب والفلك ، واهتم بتطوير الزراعة بفتح الترع وبناء أسس الدولة المدنية..عندما نتذكر هذا المجد العظيم ،هل نزيح القليل من مأساة الشعب .؟كفاكم من تلطيخ رموزنا بأنكم أحفاد كذا وكذا أبطال  إن لم تعيدوا مجدهم بصيغة أروع.؟!

حاشا أن يتشرفوا ببنوتكم لئلا تشمئز نقاوة سيرتهم...


جلال مرقس