المحرر موضوع: لم يبقَ لتأليه القائد "الضرورة" الثاني سوى أزمات لاحقة...!  (زيارة 657 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل الدكتور رمزي توماس

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 18
    • مشاهدة الملف الشخصي


لم يبقَ لتأليه القائد "الضرورة" الثاني سوى أزمات لاحقة...!

لقد بات واضحاً ويقيناً عند إناطة حقيبة رئيس الوزراء العراقي الى جانب أهم الوزارات السيادية الأخرى الى الأحزاب التي ترى العراق بمنظور طائفي – أثني أو قومي شوفيني أو يميني متطرف هو بمثابة أحد أخطر الأسس في تشجيع القائد بأتجاه الأستبداد والتأليه ، ومن هنا نرى إن سلوك رئيس الوزراء العراقي تجاوز كل الحدود والتوقعات ومقومات رجل الدولة رقم واحد في السلطة التنفيذية ، ومما يؤسف له أن يحصل ذلك من دون أي رادع أخلاقي من قبل القوى السياسية والدستور ، فالعجيب والغريب من قادة التحالف الوطني الشيعي خاصة والكتل المتنفذة الأخرى عامة في الحكومة العراقية الحالية متقلبين بأرائهم ومواقفهم إزاء رئيس وزرائهم ، بحيث يتأرجحون بآرائهم من مؤيد له الى معادِ ومروراً بالسكوت وعدم الأنحياز احياناً ، وهذا التباين بالمواقف يحدده نوع الأزمة التي يخلقها السيد رئيس الوزراء في مسار العملية السياسية ، فلدى تصعيد الموقف السياسي بين اطراف التحالف الوطني من ناحية وما بين التحالف الوطني والكيانات السياسية في القائمة العراقية من ناحية ثانية يشعر السيد نوري المالكي بحيرة من أمرهِ من كثرة الأنتقادات الموجه له من أطراف سياسية في " البيت  الشيعي " والمرجعيات الدينية أولاً ، ومن المعارضين له في داخل الحكومة والبرلمان العراقي وخارجهما أخيراً ، ولتلافي هذة الموجة من الأنتقادات الموجه له والأزمة التي تعصف بطاقم الحكومة يبدأ  رئيس الوزراء بإفتعال أزمة أخرى ربما أخطر من ذي قبل ، وهذا غير خافٍ على أحد ، بأن مبدأ رئيس الحكومة هو قبل أن ينتهي من أزمة يضع قدمه بأزمة أخرى أكبر منها وأكثر تاثيراً وتخريباً للعملية السياسية ، بحيث يقال لحكومة السيد المالكي " حكومة الأزمات المتعاقبة " ، بدليل إن طيلة الفترة الماضية من حكم رئيس الوزراء نوري المالكي كان مليئاً بالأزمات وسيبقى كذلك ، فهكذا من أزمة لأخرى ومن عام لثاني والوضع الأمني يزداد سوءاً وحال الجماهير الشعبية من حيث المأكل والملبس والمشرب والمأوى متعب للغاية والخدمات سيئة والبطاقة التموينية شبة معدومة وقبل كل شيئ الوضع الأمني الخطير والحرب الأهلية المعلنة في محافظة الأنبار والصحراء الغربية والفلوجة ومدن اخرى والغير المعلنة في مدن ثانية...وفي خضم هذا الصراع الغير النزيه والمعادي للعراق / أرضاً وشعباً والسياسيين الرجعيين والطائفيين المتخاصمين يرقصون على جثامين ألاف من شهدائنا وضحايانا الأبرياء من بنات وأبناء الشعب وقواتنا المسلحة وجهاز الشرطة والأمن الوطني وتضحياتهم في محاربة الأرهاب وتضليل أراء شعبنا بسبب القتال الدائر لأهداف انتخابية والمتاجرة بالدين ...وهنا يذكرنا الباحث إبن الرشد "...التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل..." .
لقد بدأ السيد المالكي يفكر بإعلاء شأنه وأنفراده  بإتخاذ قرارات مصيرية تخص شعبنا ووطنا وتأليه شخصه على حزبه وتحالفه ومعارضيه السياسيين واعدائه الطائفيين وعلى شعبنا بشكل عام وذلك عندما رفض جميع المرشحين الذين إقترحتهم كتلة القائمة العراقية لتولي الوزارت السيادية ، كوزارة الدفاع والداخلية وغيرها إستناداً الى إتفاقية أربيل ، وبعدها راح يركز في يده معظم الوزارت السيادية ، ليصبح القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع ووزير الداخلية ووزير الأمن القومي وقائد قوات عمليات بغداد ، بالأضافة الى ربط جميع الأجهزة الأمنية المتعددة بمكتب رئيس الوزراء .
وبدا وكأنه المسؤل الأول والأخير لأمن وأستقرار العراق ، طبعاً وهو غير آهل لذلك وطنياً بسبب منطلقاته الطائفية ، وأنطلاقاً من هذا المبدأ بدأ ينفرد بإتخاذ القرارات السياسية المهمة في جميع مرافق الدولة ومفاصلها ، ومن ضمن ما إفتعله السيد نوري المالكي من أزمات هو التدخل في شؤون ما لا يعنيه ِكرئيس للوزراء ، ولا سيما العبث في المؤسسات المستقلة في الدولة العراقية التي تعود الى مجلس النواب العراقي ، كالبنك المركزي والمفوضية العليا المستقلة للأنتخابات والمحكمة الأتحادية العليا وغيرها ، من أجل السيطرة على جميع مرافق الدولة ومفاصلها كاملة وبالتالي الأنفراد بإتخاذ القرار السياسي وتوجيه العملية السياسية بالوجه المناسبة لمواقفه المتذبذة والمرتبطة بأجندة داخلية وأقليمية ودولية ، بالضد من أرادة قوى شعبنا ودستورنا وأخلاقنا الوطنية .
ومن الجدير بالذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية حاولت في السنوات الأخيرة من حكم النظام المقبور هدام العراق سعت الى إحتواء النظام ومؤسساته مع تغيير رأس النظام الدكتاتوري والأحتفاظ بجميع المؤسسات كالجيش والأمن العامة والأستخبارات العسكرية وباقي الأجهزة القمعية المختلفة العائدة له ، طبعاً بعد أن دعمته ثلاثة عقود من حكمه وأخيراً إنتفت الحاجة الى شخصه كدكتاتوروشرطي امريكي في المنطقة ، إلا أنها لم تفلح بتحقيق ذلك بفعل الأجراءات الأحترازية وأجهزة التجسس وإعتماد صدام على نفر قليل من حمايته بالأضافة الى ذلك تصفية جميع معارضيه فوراً من دون محاكم وأعدام من يشك فيه وحتى وإن كان الشك لاأساس له من الصحة ، سعياً من الأدارة الأمريكية للسيطرة على العراق من خلال رئيس آخر موالي لها مع إتخاذ بعض الأصلاحلت الشكلية للحفاظ على النظام ومؤسساته أولاً وإمتصاص نقمة  الجماهير الشعبية من نظام صدام ثانياً ، وخشية من مجيئ نظام  آخر يفاجئ امريكا ويخرج من فلكها السياسي ثالثاً .
واليوم تعيد الأدارة الأمريكية هذا السيناريو القديم الجديد بدعم رئيس الوزراء نوري المالكي لكونه الشخص المناسب في المكان المناسب للموقف الأمريكي-الأيراني في المجتمع العراقي وبالضد من إرادة شعبنا ، الذي تبين للعالم أجمع أن السيد نوري المالكي موضع ثقة وتأييد الأدارة الأمريكية والدول الغربية الأخرى بشكل عام ، وهو كذلك الخيار الوحيد للمرجع الأعلى في الجمهورية الأسلامية الأيرانية السيد علي خامنئي ، ويقال أن لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يعود الفضل لتقريب وجهات النظر والرؤى السياسية بين الحكومتين الأيرانية والأمريكية ، كما إن جميع الأجتماعات بين الأطراف الثلاثة كانت تعقد على أرض العراق وبمساهمة الحكومية العراقية وبسرية تامة ، وتحديداً أخص بالذكر حزب الدعوة الأسلامي ، وعلى حساب أمن وأستقرار العراقيين ومن قوت الشعب .
علماً أن رئيس الوزراء العراقي السابق إبراهيم الجعفري ، فشل في إداء هذة المهمة ورفضته جميع القوى المتنفذة في العملية السياسية بما في ذلك حزبه ( حزب الدعوة الأسلامي ) وتحالفه الشيعي والحكومتين الأيرانية والأمريكية وغيرهم ، في حين بقي نوري المالكي دورتين متتاليتين ويحضى بتأييد كبير من الأطراف الأنفة الذكر ، كما يسعى لتولي المنصب ذاته لولاية ثالثة ، بسبب موقفه السياسي الأنتهازي والمتقلب والملبي لمصالح وأهداف معظم هذة الأطراف .
لقد أخذ رئيس الوزراء العراقي جميع إحتمالات تطور الوضع السياسي في العراقي بنظر الأعتبار، ولاسيما الوضع الذي يعزز ويوطد بقائه بالسلطة التنفيذية على كرسي الحكم رقم واحد ، على حساب معانات شعبنا من المحن والويلات التي آلت اليه سياسته ،  ومن ضمن هذا الوضع السياسي الخطير الذي وضع العراق على مفترق الطرق ، هو إعلان حالة الطوارئ في البلاد وبقاء السيد نوري المالكي رئيساً لحكومة تسيير الأعمال وإتخاذ ما يخلفه الوضع السياسي من إجراءات إحترازية أخرى ، بحجة كونهم " البيت الشيعي "الأكثرية في الحكومة والشعب بحكم ضوابط طائفية – أثنية بحتة وليس بقياسات وطنية ، وعلى هذا الأساس يبررون بأنهم الأحق في حكم البلاد أفضل من غيرهم ، وسيدفعون ثمن تدافعهم الطائفي على هذة الأدارة الفاشلة ، لأن بالحقد والكراهية  اللذين  يحركهم هو بحق جريمة يقترفونها بتهميش الملايين من ابناء الوطن الواحد من ناحية ، ومن ناحية ثانية عزل حكومتهم عن الشعب ناهيكم عن تجريد وطننا من هيبته وسيادته ، وهذا الوضع العام المازوم في العراق يدعونا الى القلق الكبير لنقول لم يبقَ لتأليه القائد " الضرورة " الثاني سوى أزمات لاحقة ، وبعدها تتجدد مآساة شعبنا في ظل نظام إستبدادي آخر لعقود من الفترة المظلمة .
والطامة الأكبر من ذلك جاءت من قبل جماعة القطب " السني " ، بدل من مواجهة هذا المخطط الطائفي - الأثني الذي شكل من قبل التحالف الوطني الشيعي بمشروع وطني ديمقراطي مدني يستند على مصلحة وأهداف الجماهير الشعبية ، بدلاً من ذلك تشكل القطب " السني " على نفس الأسس الطائفية – الأثنية وبدعم من بعض الدول العربية وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها لمواجهة القطب " الشيعي " المدعوم من إيران وبعض حكومات المنطقة . ولهذ فإن الوضع السياسي العراقي سيستمر على هذا المنوال ، وهذا بحد ذاته يعتبر أس البلاء لأعاقة تطور العراق ونجاح العملية السياسية في العراق ، وفي المحصلة النهائية لذلك ولد العنف والفتاوي الشاذة وتراجع مستوى التعليم والكبت الشديد للشباب في مختلف المجالات وفي مقدمتها الفصل بين الجنسين ، بداً من الملبس والمظهر ووصولاً الى حرية الفكر والتعبير.
ويستغل بعض رموز الحكومة ولاسيما من الحزب الحاكم ما يجري بين جيشنا العراقي وشرطتنا الذين يخوضون قتالاً ضارياً منذ اسابيع ضد معاقل الأرهاب في الأنبار والفلوجة وحواضر أخرى من العراق ، حيث يستغلونه لعسكرة المجتمع وتبريراً لتشكيل الميليشيات العسكرية على اساس طائفي من جهة ، وكم الأفواه وقمع الأصوات المنتقدة للفساد المستشري في أجهزة الدولة ومفاصل المجتمع وسرقة المال العام وأستغلال الدين للنهب والنفوذ والسلطة من جهة أخرى ، وبحجة أن حال العملية السياسية في العراق في خطر والحكومة منهمكة بمحاربة الأرهاب " دفاعاً " عن الشعب والوطن ، وبكلمات أخرى وبما أن الحكومة تدافع عنا جميعاً فعلينا تقبل كل ما يأتي منها بلا حسيب ولا رقيب ، والتهليل للحكومة الفاشلة ورئيس وزرائها ذو النزعة التأليهية ، بالأضافة الى ذلك يسعى حزب الدعوة الأسلامي الحاكم زيادة زخم ورقعة المعركة ضد الأرهاب مستغلاً ذلك لمكاسب إنتخابية من أجل الأحتفاظ ببقاء السيد رئيس الوزراء لدورة ثالثة .
فإذا أستمر حال العملية السياسية في العراق بالإنتكاس تدريجياً في مختلف المجالات والأصعدة من ناحية وإحتلال مزيداً من القرى والأقضية والمدن من قبل داعش والقاعدة وغيرها من المنظمات الأرهابية من ناحية أخرى ، فلا فرج ولا حلحلة للوضع العراقي المأزوم يلوح في الأفق ، ومقابل ذلك يستمر المتنفذين في السلطات الثلاثة سرقة المال العام وتوديعها في البنوك الأجنبية مهيئين أنفسهم وعوائلهم للرحيل تدريجياً الى حيث توجد أموالهم ، كما فعلوا رفاق أحزابهم الموجودين خارج العراق والمطلوبين من قبل المحاكم العراقية بتهم متعددة ومنها تهم الأختلاس ، وبالتالي ينقذون أنفسهم من الكارثة المحدقة بشعبنا ربما قريباً ، (... هم السابقون وأنتم اللاحقون ...) .
أن تجربة العراق السياسية منذ التغيير والى يومنا هذا اثبتت بأن لا حل للقضية العراقية بوجود الطائفية وأحزابها السياسية على رؤوس السلطات الثلاث إلا بالبديل الآخر المدني الديمقراطي ، وقد آن الآوان لتأخذ القوى الوطنية الديمقراطية دورها التاريخي البناء لتوجيه العملية السياسية باتجاه الدولة المدنية الديمقراطية ، وتحقق تحدياً جدياً عبر خوض الأنتخابات التشريعية القادمة في 30.04.2014 لأفشال المشروع الطائفي – الأثني وفتح مسار جديد للعملية السياسية من طراز وطني أصيل يصون وحدة الوطن والمواطنين ويجنبنا من الحرب الأهلية النصف المعلنة وتقديم الخدمات والحفاظ على مكتسبات شعبنا وتحقيق الأمن والأستقرار والحريات والضمان الأجتماعي .


د. رمزي توماس                                                                     أواسط شباط  2014