المحرر موضوع: التعصب الديني الدامي أدى إلى التراجع المسيحي في الشرق  (زيارة 1141 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عابد عزيز ملاخا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 126
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
التعصب الديني الدامي أدى إلى التراجع المسيحي في الشرق
                                                                                 
عابد عزيز ملاخا

    إنها كارثة إنسانية سياسية تاريخية في سماء الشرق العربي، الذي يسلك في إتجاه التصحر الفكري والإجتماعي والديني، لاسيما البلاد الممتدة من العراق :بلاد مابين النهرين إلى الشام وفلسطين التي ولد وصُلب فيها المسيح عليه السلام. هذه البلدان ستفرغ من مسيحييها تماماً بعد سنين قادمة، لايبدو أمدها طويلاً. كل ذلك بسبب الإرهاب الطائفي والديني المتمثل بالسيارات المفخخة والأحزمة الناسفة والإغتصاب والإختطاف والنعرات الطائفية والعنصرية التي أدت وتؤدي ألى التهجير القسري للمكون المسيحي الذي هو الشريك الحقيقي لهذه الأرض.
   بدت ملامح العد التنازلي لعدد للمسيحيين ظاهرة بعد سيطرة الأمبراطورية العثمانية سنة 1516-1517 على سوريا والعراق ومصر والأردن وفلسطين ولبنان. وفي مؤشر تقريبي، أن عدد المسيحيين في هذه البقعة تجاوز في تلك الفترة إثنا عشر مليون نسمة. فلو خضع هذا العدد للنسبة الطبيعية لزيادة السكان، لكان عدد المسيحيين في هذه البلدان قد تجاوز اليوم 100 مليون نسمة.
   بدأ إضطهاد المسيحيين في تركيا حين جُعلت مدينة القسطنطينية مدينة إسلامية وتم تبديل أسمها إلى أسطنبول، بعد أن كانت عاصمة المسيحيين البيزنطيين، ثم طبقت تركيا العثمانية سياسة التتريك التي أدت إلى هجرة ونزوح آلاف المسيحيين( آشوريين سريان كلدان) نحو العراق وسوريا ولبنان وغيرها، حيث مارس الأتراك عمليات قتل ممنهج ضد الكلدوآشوريين السريان (سوراي). فقد نكّلت الفرق الحميدية بكل ما يُسمى مسيحي... من هذا التاريخ أي بعد سيطرة العثمانيين على بلاد المشرق بدأت الهجرة وترك الأوطان الأصلية من قِبل مسيحييها بحثاً عن الأمان والأستقرار وتجنب الإعتداءات والقتل. ففي سنة 1895  تعرّض المسيحيين لمذابح شتى في ماردين والرها ونصيبين وديار بكر وآمد، حيث أُستؤصل الآشوريين من تلك الأصقاع تقريباً.
    في منطقة ماردين كان عدد السريان يصل إلى 200 ألف سرياني، لم يتبقَ منهم في أواخر القرن التاسع عشر نحو 30 ألف فقط!.. أما في العراق بموجب إحصاء 1947، كانت نسبة المسيحيين 3% من مجموع عدد السكان. وتقارب عددهم في الثمانينات من مليوني نسمة،  إلاّ أن هذا العدد إنخفض في التسعينات بعد حرب الخليج الثانية بسبب الهجرة إلى الخارج، وزاد إنخفاضاً بعد الإجتياح الأمريكي والحلفاء للعراق عام 2003 ليصل عددهم وفق إحصائيات غير رسمية إلى أقل من 500 ألف نسمة فقط!..
كشف تقرير للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، عن هجرة واسعة للمسيحيين في العراق إلى خارجه بعد عام 2003  بسبب سوء الأوضاع الأمنية.  كما ذكر التقرير بأن عدد المسيحيين في العراق قد إنخفض من مليون وخمسمئة ألف إلى 300 الف نسمة خلال السنوات العشرة الأخيرة، اي نحو 850 ألف مسيحي هاجروا من العراق.
    منذ عام 2004 تعرضت عشرات بين كنائس أو وأديرة لهجمات إرهابية بالمتفجرات، وحدث أن تكررت هذه الهجمات في مناسبات مختلفة في مدن عديدة مثل بغداد والموصل وكركوك وغيرها..، وأبرز  هجوم كان المذبحة التي حصلت في كنيسة النجاة في بغداد حيث استُشهِد 45 شخصاً بين رجل وإمرأة وطفلين، كما لقي 900 مسيحي مصرعهم. فضلاً عن أعمال الخطف لمئات منهم لطلب الفدية. إن هذا الإرهاب المتمثل بالنعرات الطائفية والعنصرية أدّى إلى التهجير القسري للمسيحيين.
      عندما تُستبدل الحكومات العلمانية، بأخرى دينية وتُهيمن الأحزاب السياسية الطائفية على الساحة السياسية سيؤدي الأمر كما نرى ونلمس اليوم إلى إنحسار الديمقراطية، وتعميق شرخ الطائفية التي بسبب جذورها التاريخية، تكون جاهزة للإقتال الطائفي ومن ثم دمار البلد. إن المسألة الطائفية هي قنبلة موقوته يمكن  إشعال فتيلها في أية لحظة. إن عراقنا الحالي وسوريا والمنطقة يجتاحها تيار إسلامي متطرف، وإن هذه الموجة التي تُسمى بالربيع العربي خير لها أن تسمى الخريف الدامي. أنها الظلام الذي خيم على بصيص النور، فرجعنا القهقري قروناً.
     ما نعرفه عن الربيع هو الهواء المنعش، والمناخ الجميل، إنه الخضرة التي تكسو الأرض بأزهارها وصفاء السماء. هل جمال الربيع ينطبق على سوريا أم العراق أم مصر أو ليبيا أو غيرها من البلدان العربية التي تسيل الدماء على أراضيها وينتشر الخراب، فضاعت فرصة الشعب بالعيش الكريم الآمن الذي أضحى حلماً بعيداً.