المحرر موضوع: مدينة الله السرية ق3 فص 16- مريم ودفنها-  (زيارة 1150 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل فريد عبد الاحد منصور

  • اداري كتابات روحانية
  • عضو مميز
  • *****
  • مشاركة: 1153
  • الجنس: ذكر
    • MSN مسنجر - farid62iraq@hotmail.com
    • ياهو مسنجر - farid62iraq@yahoo.com
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                                                               مدينة الله السرية
                                                                 الثسم الثالث
                                                  الفصـــــــل الســــادس عشــــر
                                                           مــريــــم ودفنــــــها
قُبيل الممات المجيد لملكتنا المُعظَّمة بثلاثة ايام ، إجتمع الرسل والتلاميذ بأورشليم في علية صهيون . أول من وصل اليها كان القديس  بطرس، حمله ملاك من روما . ظهرت العذراء الكليةالقداسة على باب مصلاّها لتستقبل نائب يسوع المسيح فركعت أمامه وطلبت بركته وقالت له : إني أشكر القدير لأنه أّرسل إليَّ أّبي القديس حتى يساعدني ساعة مماتي . وبعده بقليل وصل أولاً القديس بولس ثم باقي الرسل الذين سلموا على سيدتهم بكثير من الألم والأحترام ، لأنَّ الملائكة الذين حملوهم إليها قد قالوا لهم ما هو سبب هذه المعجزة . فاستقبلتهم بتواضع عميق وحنان والدي طالبة بركة كلِّ منهم .
أما التلاميذ فقد حضروا بدافع داخلي دون أن يعلموا السبب. فجمعهم القديس بطرس مع الرسل حتى يُنبئُهم الخبر. وما أن تلفَّظ ببعض الكلمات حتى خنقته الزفرات وشعر  جميع مستمعيه بنفس الشعور. ولمـَّا أستطاع متابعة الكلام قال :{ يا أولادي ، فالنذهب إلى قرب أُمنا ونبقى معها طيلة  هذه الفترة الباقية لها في هذه الحياة ، ولنطلب بركتها المقدسة }.
دخلوا فوجدوها راكعة على منبر حقير صغير حيث كانت تاخذ عادة قليلاً من الراحة كان متالقة جمالاً متسربلة بالنورالسماوي ومحاطة بالملائكة حرَّاسها. إنَّ حالة جسدها ووجهها كانت ذاتها عندما كان عمرها ثلاث وثلاثين سنه فمنذ ذلك الحين لم يعد يطرأ عليها ايُّ تحول . كما قد ذ ُكرت هذه الملاحظة من قبل . فأصطف الرسل والتلاميذ وبعض المؤمنين في المصلى. ووقف القديس بطرس والقديس يوحنا اسفل المنبر. فنظرت إليهما العذراء الكليةالقداسة بلطف متواضع كعادتها وقالت لهما : يا أولادي الاعزاء اسمحوا لخادمتكم أن تتكلم وهي بحضرتكم وأن تُعبِّر لكم عن رغباتها المتواضعة. فأجابها القديس بطرس إنهم منصتون لها جميعهم ومستعدِّون للعمل بمشيئتها. ورجاها أَن تجلس لأنها وإن كانت تصلـِّي لله  وهي راكعة فمن العدل أن تكلـِّمهم وهي جالسة لأنها هي ملكتهم .
فأجابت أنها ستطيع الرسل ولكن مع أخذ بركتهم  فركعت أمام القديس بطرس  وقالت له : أرجوك ياسيدي كونك راعي الكنيسة العام أن تبارك خادمتك وتغفر لها ما نقص من خدمتها. أسمح ليوحنا أن يتصرف بفسطانين للفتيات الفقيرات لأني دائما مدِينة لهُـنَّ بمحبتي. وسجدت ملكة الكون بعدئذٍ وعيناها مغرورقتان بالدموع فقبلت رجلـَيَّ رئيس الكهنة أمام دهشة جميع الحضور المتاثرين. وقالت ايضاً للقديس يوحنا وهي ساجدة أمامه: سامحني يا إبني لأني لم اقُم بواحبي كأمُّ لك كما يجب فإني أقدِّم لك شكري المتواضع للإحسان الذي عاملتني به كإبن لي. فجُد عليَّ ببركتك حتى أذهب فأتمتَّع بمشاهدة الذي خلقني. وتابعت وداعها متوجهة إلى كلٍ من الرسل والتلاميذ وبوجه عام الى جميع الحضور الذين كانوا عديدين. ثم نهضت ووجَّهت الكلام  لهذا الجمع: { يا أولادي الأعزاء واسيادي  لقد أحببتكم بحنان بإبني القدوس اللذي رايته دوماً فيكم أنتم اصدقاؤه ومختاروه. إني أذهب بإرادته إلى السماء حيث أعدكم كأُمِّ  أنكم ستبقون حاضرين في قلبي. وإنِّـي أوصيكم بتمجيد الله ونشر الإيمان واقوال إبني الإلهي وذكرى حياته وموته وممارسة شريعته ومحبَّة  كنيستهُ. أحبوا بعضكم بعضاً في رباطات المحبه والسلام . وانت يا بطرس الحبر الأعظم القديس إني أوصيك بيوحنا كما أُوصيك بجميع الآخرين }.
 وكمثل سهام مشتعلة اخترقت هذه الكلمات قلب جميع الحاضرين . وتحت تاثير ألـَم لاعزاء له فاضوا بالدموع وسجدوا أمام أُمَّهم المحبوبة للغاية حتى أنَّ زفراتهم وتنهداتهم أثرت فيها كثيراً فاسترسلت بالبكاء هي  ايضا. وبعد برهة حرَّضتهم أن يصلـَّوا معها بصمت .
وعندما ساد هدوء لطيف، نزل من السماء الكلمة المتجسد على عرش بإشراق لايوصف مع موكب  جميع القديسين وعدد لايُحصى من الملائكة إل درجة أنَّ العِليَّة إمتلاءت كلها بالمجد. فسجدت أمُهُ الجليلة أمامه وقّبلت قدميه ولآخر مرة على الارض قامت بفعل عرفان الجميل والتواضع العميقَين. فأعطاها إبنها القدوس بركتهُ وقال لها : يا امي المحبوبة للغاية التي اخذتها مسكناً لي قد حانت  الساعة التي عليك فيها أن تذهبي من هنا إلى مجد أبي ومجدي وحيث قد هُيَّء لك على يميني الموضع الذي ستتمتعين فيه مدى الأبدية. ولكني كما أردت أَن تدخلي إلى العالم منزهة عن كل خطيئة بصفتك أُمي كذلك أُريدك أن تخرجي منه منزهة عن الموت . وإذا أردت أن لاتعبُري فيه تعالي معي. فسجدت العذراء الكلية القداسة أمام  يسوع المسيح وأجابته بفرح: يا إبني وسيِّدي أرجوك أن تسمح لأُمك وخادمتك أن تدخل إلى الحياة الابدية من باب  الموت العادي. لأنه من العدل ، أني كما أجتهدت أن اسير على خطواتك في الحياة ، أن أتبعك أيضا في الموت .
حَسُنَ أمام السيد يسوع المسيح هذا القرار وللحال راح الملائكة يترنَّمون بآيات مختلفة من أناشيد سليمان مع تسابيح جديدة. لم يُشاهَد سيَّدنا يسوع المسيح إلا من قِبَل القديس يوحنا وبعض الرسل ولكنَّ الأنغام السماوية سُمعَت من جميع الحاضرين المندهشين ووصلت حتى إلى الطريق. فأمتلأت العلية برائحة عطر إلهي وفاحت إلى الخارج . فأشرق المنزل بنور عجيب غطـَّى جميع الأبصار واسرع إلى الموضع كثير من سكان أورشليم . فأنحنت العذراء الكلية القداسة على سريرها الخشبي الصغير ، يداها مضمومتان وعيناها شاخصتان بإبنها  القدوس وقلبها بحبَّه اإلهي. وعندما ترنَّم الملائكة بهذه الآيات من  الفصل الثاني لسفر نشيد الاناشيد : أسرعي وانهضي ياحبيبتي وتعالي ، فقد إنقضى الشتاء ، تلفظت بكلمات المخلص الأخيرة : { يارب، بين يديك أستودع روحي } . ثم أغمضت عينيها واسلمت  الروح . لقد فارقت روحها تحت وطأة شدة حُبِّها الذي لم يُمنَـع بمعجزة من أن يقطع رُبُُط الجسد وليس بسبب الضعف أو الحوادث المَرَضية. كانت الحياة معجزة ، توقفت المعجزة فكان الموت (1)
ومرَّت نفس مريم الكلية الطهارة من جسدها العُذري إلى عن يمين عرش إبنها القدوس حيث تألقت في البرهة نفسها بمجد لامثيل له.وللحال أنَّ الموسيقى السماوية كانت تبتعد في المنطقة الهوائية لأنَّ كل هذا الموكب ، من الملائكة والقديسين ، كان يرافق ملكهُ وملكتهُ الصَاعدَين إلى السموات.
وهذه المشاعر نفسها كانت القديسة تريزيا تُعبِّر عنها بنشيدها المؤثر وها مقطعين منه :

 إلهي المرارةُ ملءُ حياتي                                      لـَطعمُكَ، ربِّي، يُفرج كُربي
                      لأنكَ ، ربي، لـَستَ لِياً                                            غداة عبدُتكَ في هَيكَلكْ
  ورُغم افِتنانِ عَنائي بحبّك                                    ولكِن، إلهي العظيّم ، لماذا
                     يَقسُو ارقابُكَ في قٌلبيا                                              يُغطي سماءكَ هذا الحَلـَكْ
  عَذابي هذا عذابٌ فريدُّ                                         أُريدُ أراكَ فما أستطيع
                     فلا منْ يُخفِّف أوجَاعَيا                                           ايا  ذا الجَمَالِِ فما أَكْمَلـَكَ!
  وإنَّ حَنِينيَ لاجدوى منهُ                                       أموتُ بشوقي ، حبيب ، وإني،
                    يَدُقُّ السماء فما تسْمَعُ                                            بفقدي الحياة ، بكَ أطمَعُ
  لَكَمْ رُمتُ موتاً فلم أستَطِعهُ                                     لَكَمْ رُمتُ موتاً فلم استطِعهُ
                    لذلك ابقى ، سُدىً ، أنزَعُ                                         لذلك أبقى، سدىً أنزَعُ
وقد بقى جسد العذراء الكلية القداسة الذي كان بيت مقدس لله الحي متسربلاً جمالاً وتتضوَّع منه رائحة عذبة وسط ألوف الملائكة الحُراس. أما الرسل والتلاميذ الذين كانت تتجاذبهم ، مشاعر الألم حتى الدموع ، ومشاعر الفرح من هذه العجائب، فقد ظلـُّوا لبعض الوقت في نوع من  الذهول ، ثم راحوا يُرنمون أناشيد ومزامير كثيرة على شرف سيدتهم. وهكذا تمَّت نهايتها السعيدة يوم جمعة الساعة الثالثة بعد الظهر عشره آب وهي في سنتها السبعين ينقصها ستة عشر يوماً مابين الثالث عشر من آب والثامن من أيلول يوم عيد ميلادها. لقد عاشت  أكثر من إبنها الإلهي بإحدى وعشرين سنة واربعة اشهر وتسعة عشر يوماً.




لقد تَمَيز موتها بمعجزات كبيرة وحداد ظاهر: خُسفت الشمس عدة ساعات وأجتمعت أعداداً كبيرة من العصافير المختلفة الأجناس حواليَّ البيت وارسلت صراخات حزينة احزنت جميع من كانو يسمعونها. تاثرت مدينة أورشليم كلها من سكانها وأخذوا عجباً فأسرعوا إلى علية صهيون . وكان البعض منهم في غاية الأضطراب والقلق. أقبل كثير من المرضى فشفوا ،وممسوسين فخلصُوا حتى قَبل أن يقتربوا منها , وقد حصل أن ثلاثة اشخاص رجل وأمرأتين من أورشليم قد ماتوا في نفس الوقت وهم حال الخطأ المميت ، فأعيدوا إلى الحياة بشفاعتها حتى يخلصوا بالتوبة . أما النفوس التي كانت في المطهر فقد قُبلت في السماء التي أفتتحتها ملكتنا العظيمة مع إبنها الإلهي .

قدَّمتها إنسانية سيدنا يسوع المسيح للآب الأزلي : { إنّ أُمِّي المحبوبة للغاية ، قال له ، تأتي لتتقبَّل الأكليل الذي جهَّزناه لها مكافأةً على إستحقاقاتها. فهي التي وّلدت نقية وجميلة بكليتها بين أولاد آدم كوردة بين الأشواك . هي التي أعطيناها كمالاتنا فوق طبيعة سائر المخلوقات . ولها قد وهَبْنا كنز ألوهيتنا . ولكنَّها لم تحتفظ به بأمانة فقط ، بل جعلته مثمراً أيضاً . وبما أننا نُكافئ بسخاء خدمات اصدقائنا فمن العدل إذاً أن تـُكافأ أُمِّي كأُمِّ . فإذا كانت طيلة حياتها  وفي كلِّ أعمالها مشابهة لي قدر ماتستطيع ذلك خليقة عتدية، فيجب إذاً أن تشابهني بالمجد وتجلس نظيري على عرش عظمتنا لأنه حيثما تكون القداسة بالجوهر تكون ايضاً القداسة بالمشاركة} (2).

ثبت الآب والروح القدس مرسوم الأبن المتجسد هذا وللحال وُضعت نفس مريم العذراء المنزهة عن الدنس على عرش الثالوث ذاته عن يمين إبنها المعبود . وكان غير ممكن وصف الفرح الجديد الذي شعر به الطوباويون عندئذٍ ، فراحوا يترنَّمون بأناشيد تسبيح جديدة لله ولملكتهم . وعلى الرغم من أن الربَّ ليس بمقدوره أن يحصل على مجد جديد داخلي فأنَّ التعبير الخارجي عن مسرته وتتمة مراسيمه الأبدية كانت بهذا المقدار في هذه المناسبة لأنه  صدرت من العرش هذه الاقوال :{ إنَّه بمجد إبنتنا المحبوبة قد تمَّت إرادتنا مع أمتلأء مسرَّتنا . هي وحدها لم يكن لها نصيب من مخالفات الآخرين. وإليها تعود المكافأت التي أضاعها الهالكون لأنه بطاعتها قد أصلحت عصيانهم. لقد كانت مستحبَّة لدينا بكليتها واستحقت هكذا أن تجلس على عرشنا ذاته }.
ورغم ذلك كانت الدموع على الارض غزيرة ، فجميع الرسل والتلاميذ مع المؤمنين لايجدون تعزية على فراق أمهم المحبوبة فهي فرحهم وسندهم. فكان يتوجب على الربِّ الذي يسعف دوماً أولاده المُبتلين أن يقويَّهم حتى لا يسقطوا تحت وطاة ألم الحزن، وعليهم بعد أن يقدِّموا آخر الواجبات لجسد مريم المقدس. فالرسل الذين كانوا يَرونَ بنوع أَخص، ماهي الاستعدادات الواجبة ، قرروا أَن يضعوه في وادي يوشافاط في قبر جديد قد تمَّ صنعه حديثاً بإستعداد سرِّي من العناية الإلهية.  وكما كُـفِّنَ جسد سيدنا نفسه بكفن مع طيوب حسب عادة اليهود ، تبيَّن لهم أَنَّه من الواجب أَيضاً أَن يفعلوا الشيءَ نفسه بجسد أُمِّه الكلية القداسة . وبعد هذا القرار استدعوا الأبنتين التقيتين اللتين وهبتهما فسطانيها، وكلفوهما بهذا الأمر ، واوصوهما أن تتصرَّفا بالأحتراس الواجب. فدخلتا إلى المصلـَّى بوقار عميق ؛ ولكنَّ البهاءَ الذي كان يغمر الجسد بهرَهُما إلى درجة أَنهما لم تعودا تمِّيزان باي مكان كانتا .

فاستولى  عليهما الخوف والعجب ونقلتا إلى الرسل ماحصل معهما. فَهِمَ الرسل من ذلك أنهم لايستطيعون أن يتصرفوا مع تابوت العهد الجديد المقدس حَسب التقاليد العامة. فتوجَّه عندئذٍ القديسان بطرس ويوحنا إلى المُصلـَّى حيث شاهدا هذا النور الباهر وسمعا بالوقت نفسه الملائكة يُرنِّمون : { السلام عليك يا مريم، ياممتلئة نِعمة ، الرب معك }. بينما يقول آخرون : {قبل الولادة عذراء ، وفي الولادة عذراء ، وبعد الولادة ايضاً عذراء} . وبعد أن تأمل الرسولان هذا المشهد بعض الوقت  ، ركعا وصليّا إلى الرب لكي يُظهر لهما ما يجب فعله . وللحال سمعا صوتاً يقول : لن يَكْشِفَ ولن يُمَّس هذا الجسد المقدس. كان هذا تتميماً لطلبٍ مُسبَق موجـَّه إلى الله من عذراء العذارى .
عندئذٍ ذهب الرسولان واحضرا النعش  واقتربا من السرير حيث كان قد تضاءل الإشراق قيلاً فامسكا بإحترام لايوصف بأطراف ثوبها ووضعا الجسد الوقور المقدس في النعش بنفس الحالة التي كان فيها . فلم يشعرا باي ثقل وشعرا بالكاد بملمس الثوب. فتضاءِل الإشراق ايضاً أكثر وتمكَن جميع الحضور من مشاهدة الوجه واليدين . هكذا كانت عناية السيد الغيور نحو جسد أُمِّه الطاهرة. الأمر الذي لم يحصل نفسه بالنسبة لجسده هو . 
رُفع الرسل على الأكتاف الجسد المقدس الذي كان بيت القربان مقدَّس لله، وحملوه وطافوا فيه في الشوارع بأجمل نظام ، كما في أجمل موكب أوحى السيد لجميع سكان المدينة أن يذهبوا لحضور جناز أُمِّه القدوسة . ولم يَبقَ حتى لايهودي ولاوثني دون أن يسرع لدى سماعه نبـأ هذا المشهد . وهناك ايضاً موكب آخر غير منظوراً أهمية من الأول . في الدرجة الآولى كان الملائكة الحرَّاس الألف للعذراء الكلية القداسة يتابعون موسيقاهم السماوية . ومن بعدهم تقدَّم عدد ضخم من الملائكة الآخرين مع رؤوساء الكهنة والانبياء وبالمقدمة القديسان يواكيم وحنه ، والقديس يوسف، والقديس يوحنا المعمدان وعدد كبير من القديسين الآخرين .  المسيحي




وبينما هم في الطريق حصلت معجزات لو اردنا سردها لأصبح ذلك طويلاً جداً . جميع المرضى الذين تقدموا منها شُفوا تماماً . وكثير من الممسوسين تحرروا من الجور الجهنمي ، حتى قبل أن يقتربوا من الجسد المقدس . إرتد إلى الإيمان عد كبير من اليهود والوثنيين حتى تطلـَّب عدة ايام لتلقينهم المبادئ المسيحية وتعميدهم . وجميع الذين كانوا يشاركون بهذا الموكب ، استنشقوا رائحة ذكية مُتضوِّعة من الجسد المقدس، وسمعوا موسيقى الملائكة السرية ، ولاحظوا عجائب كثيرة غيرها ، فبُهِتوا عجباً وكانوا يُقِرون علناً بأن الله قد أظهر عظائمه في هذه الأنسانة ، ويقرعون صدورهم ندامة حارة . ولم يَفُت الحيوانات غير العاقلة حضور تشييع ملكة الكون ، لأنه برهة إقتراب الجسد من القبر شُوهدت أعداداً لاتحصى من العصافير المختلفة، وعدد من الحيوانات المفترسة ، وكانت العصافير تُعبـِّر عن ألمها بأنغامها الحزينة ، والأخرى بعويلها الكئيب مُظهرةً كلٌ بدورها أسفها بطريقتها الخاصة ، كما أنها وقد شعرت  بالخسارة المشتركة وحدثت أخيراً معجزة كبرى هي ليست في عدم إنطفاء المشاعل العديدة التي كانوا يحملونها فقط ، بل في أَنَّ هذه المشاعل لم تَتلـُفْ أبداً .   
وعندما وصلوا إلى القبر أودع فيه القديسان بطرس ويوحنا الجسد المقدس بنفس الإحترام ونفس الوقار كما كانا قد وضعاه في النعش وجعلاً على باب القبر حجراً كبيراً كالعادة بعد أن غطياً الذخيرة الجليلة بكفن من أيدي الملائكة بدلاً من أيديهما .
عادت حاشية البلاط السماوي إلى الأعالي ولكنَّ ملائكة حراس ملكتنا السامية ظلوا بالقرب من جسدها المقدس متابعين أنغامهم الموسيقية. إنسحب الشعب ، ورجع الرسل والتلاميذ إلى علية صهيون وهم يزرفون الدموع الغزيرة. وقد قررُّوا أَن يبقى البعض منهم  ومن التلاميذ بصورة دائمة قرب القبر طالما كانوا يسمعون الموسيقى الملائكية. ولكنَّ القديسَين بطرس ويوحنا كانا يكرران ويطيلان زيارة هذا المكان حيث كان كنزهما وقلبهما أكثر من الباقين.
بينما ظلـَّت الرائحة التي كانت تنتشر من الجسد تعبق في البيت كلـِّه سنة كاملة وعدة سنوات في المصلـَّى الذي أصبح ملـجأ لكل لكل المُتعَبين الذين كانوا يجدون فيه دواء عجيباً لآلامهم إلى أن حرمتهم خطايا سكان أورشليم من هذا الخير العجيب.

                                                                      إرشادات العذراء الكلية القداسة

يا إبنتي ، عندما أخترتُ الموت للذهاب إلى السماء كنت مستَحبـَّة جداً عند إبني الإلهي الذي أتبعت مّثلـَه والذي منحني للحال نعمة ثمينة من أجل أولاد الكنيسة . جميع المتعبدين لي والمتوسلين إليَّ عند مماتهم وهم يذكرون موتي يكونون تحت حمايتي الخاصة. سأدافع عنهم ضد الشيطان وسأقدمهم إلى منبر رافة يسوع المسيح . فهو نفسه كما وعدني سيمنحهم ليس فقط ميتة صالحة ولكن أيضاً حياة صالحة لأَنَّ الضمانة الأكيدة لموت صالح هي الحياة الصالحة .
فمن أجل هذا يجب التجرد عن الارض . اريد إذاً يا ابنتي أن يفعل ذكر موتي ودفني نوعاً من الموت المدني والذفن الأدبي. إنَّ أيامك قد أنتهت بالنسبة للعالم وإن لم يَنسَك فأنسِه أنتِ . وإن تَتَّبَعك إهربي منه ،  وإن قرَّظك فأحترقيه ، وإن احتقرك أحتمليه ، وإن وجدك فلا يكن لك من علاقة معه سوى تمجيد الربّ . (3)
وفي كل ماتبقى يجدر أن لايكن لك علاقات من أهل هذا  العصر إلا قدر ماتكون علاقة بين الاحياء والاموات . لن تكوني مفاجأة إلا في بدء ووسط ونهاية هذه القصة واردد غالباً عليك هذه الامثولة ولو تدركين كم تقتضي ممارستها .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) هناك قديسون قد تلاشوا شيئاً فشيئاً مضطرمين هكذا بحب الله والسماء. { يا ايتها البرهة السعيدة التي
     سأشاهد فيها إلهي ! كان يتأوه هكذا القديس أغطينوس ، عندي بذلك رغبة حارة تسبِّب لي لاشعورياً
     إنهياراً قوياً وتلاشياً حياتياً. لن اعد أعرف كيف اطيق الحياة التي تفصلني عن سيدي وتخبىء عني
     جمالاته. ولكني لن أنتظر هذه النعمة من أحكام الموت بل من مفاعيل حُبكَ يا إلهي . فاجذب إليك روحي
     ياحياتي وفرحي! واجعلني عندما آكـُلكَ في سـرِّ الإفخارستيا أن أنتقل إليك فأعيش فيكَ وأتحول إليك
     بكليتي } ! ( المناجاة الأولى )
(2) يُستحسن أن لانسيء، فهم معنى هذه الكلمة:{عرش الله} الله الذي هو روح محض لانهاية لعظمته
    ومالئاً جميع فضاء مجده ليس بحاجة لعرش مادي.إنَّ الملائكة في السماء لايشاهدونه بعين الجسد ولكن
    بعين النفس . وكما أن هذه السعادة قد أُعطيت لهم في موضع محدِّد حسب طريقتنا بالتعبير عن الاشياء
   الروحية فنسمي عرش الألوهية المكان الخاص حيث تظهر لهم منه . ولكن في موضع أكثر سمواً تتألق
   إنسانية يسوع المسيح القدوسة ومن على يمينه أُمه الكلية القداسة بإشراق متناسب مع رفعتها التي لامثيل
   بها . وعندما يصبح القديسون في السماء بالنفس والجسد سيكونون اقرب أو ابعد منهما حسب ترتيب الله.
   ( مدينة الله السريِّة، الجزء الثالث، الكتاب الثامن الفصل 12)
  (3) في مناسبة أُخرى قالت لها العذراء الكلية القداسة : إعلمي أنه ينبغي ان لاتعيشي بعد من حياتك ولكن
     من حياة يسوع المسيح. فليُعلن إذاً من اليوم في السماء وعلى الارض انَّ الأخت ماري يسوع قد ماتت
     عن العالم. وسنحتفل بجنازها إبني وأنا مع سكان بلاطنا حتى ندفعها في قلب إنسانية الكلمة الأزلي   ا
     لمقدسةهي قبر الذين يموتون عن العالم . فآمرك إِذاً أن تنظري غلى ذاتك كما إلى جسدٍ ميَّت لايُبدي
    شعوراً لأي شيء يحصل معه أو يفعل فيه. وحتى اعتبري ذاتك كجسد عفين حدير بكل أنواع الرذل
   والأحتقار. وإن ظهرت بعد حية أمام العالم تسببين لله وللقديسين إشمئزازاً أكبر من الذي يشعر به الناس       
  رؤيتهم جثة أموات خارج القبر

 









لست بـَعد انا احيا بل المسيح يحيا فيَ