المحرر موضوع: التسمية القومية .... أزمة هوية أم وعي قومي ؟؟  (زيارة 3369 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أبرم شبيرا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 348
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
التسمية القومية .... أزمة هوية أم وعي قومي ؟؟
=================================
أبرم شبيرا
طرح المشكلة:
=========
تعتبر تسمية قوميتنا في هذا العصر وخاصة التسمية المركبة "الكلدانية السريانية الآشورية" من أكثر المسائل التي أثير حولها الكثير من المناقشات والمداخلات والأعتراضات والإتهامات وصلت بعضها إلى درجة تخوين وتكفير المتبنيين لهذه التسمية أو تلك أو للتسمية المركبة ونعتوا بشتى النعوت والتسميات لحد إن بعضها جاوزت حدود قواعد الإخلاق في الكتابة ومناقشة المسائل القومية الحساسة التي يتطلبها الكثير من الصبر والتأني والهدوء وإنفاح العقل وتجاوبه مع كل ماهو متفق أو مخالف للمسألة القومية الحساسة كمسألة التسمية القومية . ولا يخفى على أحد بأنه قد يكون وراء هذا السلوك السلبي تفسيرات وأفكار ومواقف لا بل حتى مصالح شخصية وطائفية وكنسية وتحزبية وغيرها كثيرة. أن هذا الموضوع يأتي على قاعدة إنفتاح العقل وتقبل كل ما يدفع مسيرة أمتنا نحو الوحدة وتحقيق مصالحها القومية في أرض الوطن ويناقش المسألة الشاغلة لمعظم أبناء أمتنا حول التسمية القومية والتي من المفترض أن تكون واحدة معبرة عن قومية واحدة كسبيل لمنع التشتت وتحقيق الوحدة الفكرية والسياسية كعامل أساسي في تحقيق هدفنا القومي السياسي.

كيف نفهم التسمية "الكلدانية السريانية الآشورية"؟:
============================
خلفية تاريخية:
----------
أن التسمية المركبة سواء بالأسمين (كلدان و آشوريون او كلدو وأتور او آشور) أو بالتسمية المركبة الثلاثية (الكلدان والسريان والآشوريين بواو أو بدونها) لها خلفية تاريخية ليس كما وردت في بعض الكتب والمصادر التي تناولت تاريخ أمتنا، وأشهرها كتاب (تاريخ كلدو وأثور) لمثلث الرحمات المطران الشهيد أدي شير، بل كما وردت وأستعملت على الساحة السياسية والفكر القومي  منذ نشوء الحركة القومية لأبناء أمتنا كبقية أمم منطقة الشرق الأوسط في نهاية القرن التاسع عشر وبداية قرن العشرين. فالتسمية المركبة ليست من نتاج السنوات القليلة الماضية وتحديداً بعد مؤتمر بغداد لعام 2003 الذي تبنى التسمية المركبة بل، أستعلمت منذ منتصف القرن التاسع عشر فصاعداً من قبل رواد الفكر القومي منهم رائد الصحافة الآشورية آشور بيت خربوت ومعلم الفكر الوحدوي نعوم فائق وتلميذه فريد نزها، جميعهم من أتباع الكنيسة السريانية الآرثوذكسية.  فعلى الرغم من تصميمهم على أعتبار أنفسهم أشوريين إلا أنهم لم يتوانوا أبداً من إستخدام التسمية المركبة لأمتنا وكانوا لإعتبارات تخص مصلحة وحدة الأمة بجميع مكوناتها يخاطبون أبناء الأمة في مقالاتهم وخطبهم  اللهابة  بالقول ( الأمة السريانية الارامية الآشورية الكلدانية) وذلك بهدف التضمين الحضاري المشترك والمتواصل لهذه التسميات المرادفة لأمة واحدة. كما إن التسمية المركبة أستعملت منذ بداية القرن الماضي من قبل بعض زعماء الحركة القومية وفي المراحل الحرجة وتحديداً عشية الحرب الكونية الأولى والفترات المضطربة التي أعقبتها، خاصة من قبل الجنرال أغا بطرس والقائد ماليك قمبر وكلاهما من أتباع الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية.

أرتباط الحركة القومية  بالتسمية الآشورية:
--------------------------
ولكن بالمقابل لايستطيع أحد أن ينكر إطلاقاً بأن الحركة القومية في أمتنا وبسبب ظروف موضوعية وذاتية بدأت بالتسمية الآشورية منذ الربع الأخير من قرن التاسع عشر ومروراً  ببداية قرن العشرين خاصة بين الأوساط المثقفة في مناطق طور عبدين وماردين وهربوط والذين كان معظمهم من المنتمين للكنيسة السريانية الآرثوذكسية ومن ثم أنتقل هذا الفكر القومي التحرري إلى مناطق أكثر إنفتاحاً وثقافة مثل مدينة أورمي في شمال غربي إيران حيث تأسس المجلس القومي وأقر فيه إستخدام التسمية الآشورية بدلا من "سورايه" معتقدين بأن لهذه التسمية هي دينية أكثر من كونها قومية. ومن الجدير بالذكر بأن التسمية الآشورية في تلك الفترة لم تكن لها دلالات طائفية مرتبطة بالنسطورية، إذ نلاحظ بأن معظم مؤسسي هذا المجلس ورواد الفكر القومي كانوا من الطوائف الأخرى كالكلدانية، وأشهرهم المطران الشهيد توما أودو، والأرثوذكسية، وأشهرهم فريدون أوراهم أتورايا، والبروتستانية أو الإنجيلية ومدارسهم التعليمية ونشراتهم القومية معروفة في هذا السياق. غير أنه إزداد إرتباط التسمية الآشورية بالنسطورية في المراحل اللاحقة خاصة عندما ظهر مار شمعون إيشاي بطريرك كنيسة المشرق "النسطورية" على المسرح السياسي كزعيم للحركة القومية الآشورية في الربع الأول من القرن الماضي وتعاظم هذا الإرتباط عندما تبنت هذه الكنيسة التسمية الآشورية لها في منتصف الستينيات في إيران وفي منتصف السبعينيات من القرن الماضي في العراق وبقية بلدان المهجر.

قومية واحدة في ثلاثة أقانيم:
------------------
أستخدمت هذا العنوان الفرعي مجازاً مقتبساً من كتابنا المقدس للتأكيد على وحدة الأقانيم الثلاثة في شخص واحد ولا يستوجبه الشرح والتفصيل لأنه من أساس إيماننا المسيحي ومن المؤكد فهو معروف للقارئ اللبيب .
أنه من نافلة القول والتأكيد على  كون أبناء التسميات الثلاث قومية واحدة لأنهم يحملون عوامل مشتركة من لغة وتقاليد وتاريخ وأرض وأماني ومصير مشترك تؤكد هذه الحقيقة وإن ما يميز بعضهم عن البعض هو الكنيسة. فبشكل عام فإن معظم أبناء الكنيسة الكلدانية الكاثولوكية يتبنون التسمية الكلدانية وإن معظم أبناء الكنيسة السريانية هم من السريان وأن معظم أبناء كنيسة المشرق الآشورية يتمسكون بالتسمية الآشورية ومن يحاول التمييز أو التفريق بين هذه التسميات الثلاث على أساس اللغة باعتبارها أهم مقوم من مقومات القومية فائلين بأن الكلدان يتكلمون "اللغة الكلدانية" التي تختلف عن االغة السريانية التي يتكمل بها السريان وهكذا فهاتين اللغتين تختلفان عن "اللغة الآشورية" التي يتكلم بها الآشوريون فهو واهم وبعيد عن الواقع والحقيقة، فالاختلف اللغوي بين هذه المجموعات لا يتعدى عن كونه إختلاف في اللجهات فقط وهو إختلاف أقل بكثير من اللهجات في اللغات الأخرى. غير أن التطورات التي حصلت في السنوات القليلة الماضية بين أبناء هذه الكنائس من حيث تأثير الحملات التبشيرية للكنائس الأخرى من جهة وتطور الوعي القومي السياسي فيهم من جهة أخرى خللت هذه المعادلة واختل توازن تطابق التسميات الثلاث مع الكنائس الثلاث.
هنا يفرض السؤال نفسه وبقوة: فإذا كنًا قد أكدنا حقيقة كون معظم أبناء الكنائس الثلاث قومية واحدة ويشتركون في نفس المقومات المعروفة في تعريف أية قومية، إذا لماذا لا ينعكس ذلك في وحدة الهوية القومية وبالتالي في وحدة التسمية القومية؟؟ هذا السؤال يفرض عليها أن نبحث وبإختصار في مفهوم الهوية ومن ثم شرحها بين المفهومين الفلسفيين المضمون والشكل.           

الهوية في سطور:
=============
إن مصطلح الهوية له معاني وشروحات لا تحصى ولاتعد، وقصدنا هنا هو الهوية المجتمعية لمجموعة من الناس التي تحدد كينونتهم الإجتماعية بمجموعة من الخصائص والمقومات التي تجعلهم يختلفون، أو يشعرون بإختلافهم، عن غيرهم من الناس سواء أكانت هذه الخصائص والمقومات قومية أو دينية أو طائفية أو عشائرية، فالمهم في هذا التحديد هو كون جميع هؤلاء الناس يستمدون إنتماؤهم الجمعي من مصدر واحد مشترك يحدد هويتهم المجتمعية. والهوية هي نسق من المعايير التي يُعرف الفرد أو العائلة أو العشيرة أو الطائفة أو القومية من خلالها، وهي  كغيرها من المفاهيم الدارجة في علم الإجتماع والذي أستخدم بشكل واسع في البحوث الأنثروبوليجية وعلم الإجتماع السياسي وعلم النفس وبالتالي تعددت المعاني والشروحات عنها ونحن لسنا بصددها في هذا الموضوع، لكن الذي يهمنا هو أن الإشارة إلى الهوية بمعناها الواسع تتخد مسار وخط بياني متصاعد مبتداً بالعائلة ومنطقة السكن والحي والعشيرة والقرية والطائفة وصولا إلى المدينة حتى إلى القومية أو الدولة. وبقدر تطور المجتمع تتطور حلقات الهوية هذه تصاعدياً وتتحدد في أطار معين يمكن تسميته بـ "المؤسسة".

وبفعل التطور والوعي الإجتماعي للأفراد تصبح القومية أو الدولة  المؤسسة الرئيسية للمجتمع وتصبح بقية الحلقات مؤسسات فرعية فتتحدد وتعرف هوية الفرد ضمن هذه المؤسسات الرئيسية والفرعية. فكلما تنامى  الوعي الإجتماعي بين أفراد المجتمع كلما غلبت المؤسسة الرئيسية على المؤسسات الفرعية وتصبح مهيمنة ومحدد لهوية الفرد ومصدر إنتماءه الرئيسي، وبالتالي تظهر عوامل وحدة المجتمع ضمن إطار أو مؤسس عامة رئيسية.  والعكس صحيح أيضا، فكلما ضعف الوعي الإجتماعي وتخلف كلما فقدت المؤسسة الرئيسية هيمنتها وتراجعت كمصدر رئيسي لإنتماء الفرد لصالح المؤسسة الفرعية التي تصبح هي مصدر إنتماءه، فتظهر عوامل الإنقسام والتشتت في المجتمع. على أن هذا التنوع في المؤسسات الإجتماعية الفرعية وغلبة المؤسسة الرئيسية عليها في المجتمع لا يعني إطلاقاً إختفاء أو تضائل دور هذه المؤسسات الفرعية بل ستبقى فاعلة ومؤثرة ولكن مقيدة وملتزمة ضمن الإطار العام للمؤسسة الرئيسية. والحال نفسه بالنسبة للمؤسسات الفرعية، فعندما تكون الغلبة لها فهذا لا يعني إختفاء المؤسسة الرئيسية بل تتراجع هذه الأخيرة وتصبح مطوقة بالمؤسسات الفرعية المتحكمة في المجتمع. وإذا ترجمنا هذه البديهية إلى الواقع الإجتماعي لشعبنا نرى بأنه كلما زاد الوعي القومي وتطور كلما تعاظم دور المؤسسة الرئيسية وتنامى الإنتماء القومي وتحدد بالإطار الرئيسي الجامع وبالتالي ظهرت عوامل وحدة أمتنا وهيمنتها على الساحة. والعكس صحيح أيضاً فكلما ضعف الوعي القومي يتضائل الإطار القومي (المؤسسة الرئيسية) ويتخلخل مصدر الإنتماء القومي وتصبح الغلبة لمصادر الإنتماء للمؤسسات الفرعية فتسود في المجتمع نزعات طائفية أو عشائرية أوقريوية.

مما تقدم نؤكد القول بأنه لا يمكن لأي مجتمع أن يكون مطلق التجانس بل يشمل على جماعات وثقافات وأمزجة فرعية ومؤسسات رئيسية وفرعية، ولكن بالمقابل كل مجمع يسعى إلى تحقيق هوية متكاملة رئيسية تسمح لأفرادها بتعريف أنفسهم وتحديد مكانتهم تجاه المجتمعات الأخرى.

الهوية القومية بين الشكل والمضمون:
=====================
الشكل والمضمون هما من المفاهيم الفلسفية الأكثر تعقيداً في دراسة الظاهرة، فهما تعبير عن الأسس الرئيسية لوحدة وتكامل الأشياء الموضوعية. موضوع فلسفي كان رواده فلاسفة الألمان مثل هيغل وكانت ثم جاء ماركس بفلسفته في المادية الكدياليكتية والمادية التاريخية ليطوره ويعطيه ملامح وتفسيرات أكثر مادية. على أية حال وبإختصار نقول أن المضمون هو الأساس أما الشكل فهو التعبير عن هذا الأساس بحيث  يكملان بعضمهما البعض في وحدة واحدة متكاملة. أي بعبارة أخرى وأكثر توضيحاً، المضمون هو الموضوع في الواقع أما الشكل فهو كيفية النظر إلى هذا الموضوع وتصوره في عقل الإنسان. فالعلاقة بين المضمون والشكل تقابله العلاقة بين الموضوع والذات أو بين العوامل الموضوعية والفكرية (الذاتية). وعلى الرغم من هذه العلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون إلا أنه ليس بالضرورة أن يتطابقان بالمفهوم الفلسفي خاصة في الظروف الإستثنائية غير الطبيعية، أي بعبارة أخرى إذا كان الشي موضوعياً وواقعياً قائماً فأنه قد ينعكس في وعي الإنسان بشكل آخر غير متطابق مع موضوعية وواقعية الشيء، ولكن في الصيرورة التاريخية للمجتمع أو الفرد سوف يتطابقان في مرحلة زمنية معينة قد تطول أو تقصر وذلك طبقاً للعوامل الذاتية والموضوعية المحيطة بأبناء المجتمع وبمدى تطور وعيهم وإستيعابهم لموضوعية الشيء كما هو في الواقع.

من هذا المنطلق نقول إذا كان الكلدان والسريان والآشوريون قومية واحدة وبمقومات مشتركة وواضحة ويشكلون حقيقة موضوعية لا جدال فيها فأن هذه الحقيقة التي تشكل مضمون الهوية الواحدة كان من المفترض أن ينعكس في شكل الهوية وبالتالي في تسمية واحدة لهذه القومية، غير أن الأمر ليس كذلك، كما سبق وأن شرحنا عدم تطابق المضمون مع الشكل في بعض الأحيان بفعل تأثير ظروف معينة وفي حالات إستثنانية غير مستقرة. فهناك من أبناء هذه القومية، كحقيقة موضوعية، يعتبرون التسمية الكلدانية شكل الهوية القومية لهم، والحال نفسه بالنسبة للبعض الآخر من أبناء هذه القومية يعتبرون التسمية الآشورية أو السريانية تسميات لشكل هويتهم القومية. هذا الإختلاف وعدم التطابق بين الشكل والمضمون للقومية ناتج عن تأثيرات خارجية خارجة عن إرادة الفرد من جهة وعوامل داخلية فكرية مرتبطة بالفرد نفسه وبوعيه القومي والسياسي من جهة أخرى. فالكنيسة بفروعها الثلاثة مهما أكدنا على كونها الدرع الواقي وطوق النجاة لأمتنا وحامي مقومات وجودنا خلال القرون الماضية الطويلة والصعبة فأنها من جهة أخرى كان لها ولايزال دوراً في عدم تطابق مضمون قوميتنا مع شكلها، أي كان لها دوراً مؤثراً في فرز التسميات الثلاث لأمتنا. وهذا أمر طبيعي جداً عندما نعرف بأن الكنيسة كانت ولزمن طويل المؤسسة الرئيسية الوحيدة المتاحة التي من خلالها كانت تمر الهوية القومية لشعبنا وتتطبع بشكل أو بآخر بخصائصها الشكلية ومنها التسمية وتشكل المصدر الرئيسي لتحديد إنتماء الفرد للمجموعة. ولكن الأمر أختلف بعض الشيء بعد نشؤ الحركة القومية وبدأت مؤسساتها من أحزاب ومنظمات قومية سياسية تزاحم المؤسسة الكنسية على زعامة الأمة وبالتالي نشؤ نوع من المنافسة والصراع بين كلا المؤسستين ورجالاتها وصل إلى حد التحريم الكنسي لبعض الرموز القومية ولايزال مثل هذا الوضع قائماً ومؤثرا في مسيرة كلا المؤسستين. فضعف أحزاب ومنظمات حركتنا القومية التقليدية, التي بدأت بالتسمية الآشورية, وعدم قدرتها على إستيعاب الواقع كما هو، حال ذلك دون تضمين أبناء التسميات الأخرى الكلدانية والسريانية في طرحها القومي السياسي رغم أعتبارهم جزء من الأمة الآشورية وبالتالي لم تستطيع تحقيق الحد الإدنى من طموحات الأمة بكامل مكوناتها ولم تستطيع ان تقنع معظم الكلدان والسريان بأشورية قوميتهم. والكنيسة أيضا بكل فروعها، فإذا كانت في الماضي المؤسسة الرئيسية التي من خلالها تمر هويتنا القومية وتعتلي عرش تمثيل الأمة لدى الآخرين فأن في عصرنا الحال لم تعد كما كانت في الماضي بل أصبحت مؤسسة من مؤسسات شعبنا بدأت تدريجياً الإنسحاب من الساحة القومية والإرتكان إلى العالم الديني. هذا الوضع الإجتماعي والواقع القومي (السياسي والديني) خلق في مجتمعنا إختلافات وربما تناقضات تقوم على عوامل سياسية ودينية لا يمكن أن ننكر إطلاقاً دورها في مجتمعنا المعاصر وإنعكاسها على مختلف مناحي الحياة السياسية والفكرية والثقافية وحتى على شكل تسمية قوميتنا.     

"الكلدانية السريانية الآشورية": ليست تسمية قومية بل طرح سياسي:

=====================================
أقول نعم وبملئ الفم، بأن التسمية الثلاثية ليست تسمية لقوميتنا أو لقومية جديدة كما يعتقد البعض، فهذا أمر لا يقبلها الواقع والمنطق. وبنفس التأكيد أوكد وبشدة بأنه رغم هذه التسميات الثلاث فأننا أمة واحدة تجمعنا مقومات مشتركة وهو أمر لا يجهله إلا الجاهل والمعادي. الماضي يخبرنا، ويجب أن نتعمل ونستفيد منه، بأن الحركة القومية التي أعتمد التسمية الآشورية لم تستطيع أن تحقق أهداف الأمة بكل مكوناتها، كما سبق وأن ذكرنا في أعلاه. صحيح هو أن أعظم إنجاز حققه أحزابنا السياسية في العصر الحالي هو التعليم السرياني وبقيادة الحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا)، وحتى هذا الإنجاز لم يكن ليتحقق لولا إعتماد التسمية السريانية للغتنا القومية كحقيقة علمية وتاريخية من جهة، وتضمين زوعا أهداف بقية مكونات أمتنا الكلدانية والسريانية ضمن أهداف الأمة رغم تسميته الحزبية هي الآشورية. لقد سبق وفصلنا في هذا الموضوع في كون الحزب أداة لتحقيق أهداف ولا يستوجبه الإطناب. لقد حقق كل من زوعا والمجلس الشعبي الكلداني السرياني الآشوري (المجلس) وكيان أبناء النهرين (كيان) وقائمة الوركاء الديموقراطية التابعة للحزب الشيوعي العراقي (وركاء) فوزاً في الإنتخابات العراقية المركزية والإقليمية وأعتلوا أعضاء منهم مناصب وزارية لـ "يمثلوا" شعبنا لدى الجهات الرسمية، هذا الفوز الإنتخابي جاء بسبب تصويت أبناء شعبنا عليهم لكونهم طرحوا التسمية "الكلدانية السريانية الآشورية" طرحاً سياسياً وحدوياً كأساس ضامن للوصول إلى الهدف. صحيح أن زوعا هو الحزب الوحيد الذى تسمى بالتسمية الآشورية من بين بقية الفائزين، إلا أنني أستطيع أن أوكد بأن فوزها في الإنتخابات لم يكن بسبب أصوات "الآشوريين"، بل بأصوات الكلدان والسريان المحبين لوحدة الأمة ولا أستطيع أن أثبت هذا التأكيد إلا بالقول بأن أبناء شعبنا من الكلدان والسريان يمثلون أكثر بكثير من الآشوريين سواء في الوطن أم في المهجر وبالتالي فإن أكثرية الأصوات التي حصلت عليها هذه الأحزاب جاءت من الكلدان والسريان أكثر مما جاءت من الآشوريين.

من هنا يجب علينا أن نتعلم من التاريخ وإلا سنقع في نفس الحفرة التي وقع فيها أباؤنا وأجدادنا ولم يستطيعوا تحقيق حتى الحد الأدنى من الطموحات القومية وذلك بسبب أعتماد أحزابهم ومنظماتهم على التسمية المفردة، خاصة الآشورية، في طرحهم السياسي. كما يجب أن نعي ونستوعب الواقع ونتعلم منه بأن إعتماد التسمية "الكلدانية السريانية الآشورية" في طرحنا السياسي ومواجهة الآخرين هو السبيل الأمثل في الوقت الحاضر لتحقيق المصلحة القومية وإن كانت في حدودها الدنيا، وفشل الأحزاب والمنظمات الكلدانية والسريانية التي تبنت التسمية المفردة في مشاريعها السياسية في جميع الدورات الإنتخابية هو دليل وإثبات واقعي لما ذهبنا إليه. ففشل الكلدان وأحزابهم ومنظماتهم السياسية على سبيل المثال التي تعتمد التسمية المفردة في مشاريعها السياسية للإنتخابات لم يكن بسبب الإفتقار إلى التمويل وضعف أو إنعدام الدعاية الإنتخابية وإفتقارهم إلى وسائل الإعلام، كما يدعي البعض، بل إلى ضعف وعيهم القومي السياسي الواقعي وإلى نظرتهم الوحدوية المستوعبة لكل أبناء أمتنا، وهو الأمر الذي أدركه ويدركه معظم أبناء شعبنا الكلداني الراغب والمحب لوحدة أمتنا بجميع تسمياتها والذي كان الدافع القومي للتصويت لزوعا والمجلس الشعبي ولغيرهما من المنظمات وعدم التصويت للأحزاب والمنظمات الكلدانية التي تبنت التسمية المفردة في شكلها ومضمونها. والحال لا يختلف إطلاقاً عن فشل الأحزاب السياسية والمنظمات التي تبنت التسمية الآشورية المفردة أن لم يكن فشلهم الأسوء.

خاتمة وإستنتاج:

========= 
بأختصار شديد نقول بأن على كل كلداني أو سرياني أو آشوري أن يعتتز بكلدانيته وبسريانيته وبآشوريته ولا أحد في هذا العالم يستطيع أن ينتزع منه هذا الإعتزاز. وأن تبني التسمية الثلاثية "الكلدانية السريانية الآشورية" كطرح سياسي لتحقيق أهداف الأمة بجميع مكوناتها في الوقت الحاضر وضمن الظروف السياسية والفكرية السائدة لا يتعارض مع هذا الإعتزاز، لأن أي إنجاز كلداني هو من دون شك إنجاز آشوري وسرياني وهكذا بالنسبة للإنجازات الآشورية والسريانية هي إنجازات للكلدان. فعندما يدافع الكلداني عن كلدانيته بنظرة موضوعية للواقع وليس بتحقير التسميات الأخرى أو ألإقلال من شأنها ويسعى لحصول حقوقه القومية فهو يدافع في عين الوقت عن الآشوريين والسريان ويسعى لحصول على حقوقهم القومية. ونفس الحال بالنسبة للآشوري فعندما يدافع عن آشوريته ليس بدمج الكلدان والسريان عنوة في بوتقته الآشورية وإنما بالنظرة الموضوعية لواقع وحدة شعبنا المتعدد التسميات  ويسعى لتحقيق حقوقه القومية فهو يدافع في عين الوقت عن الكلدان والسريان. أن التسمية الثلاثية ليست دليل على أزمة في الهوية القومية بل هي إنعكاس لوعي قومي سياسي لإستيعاب الواقع كسبيل لتحقيق الأهداف القومية. أن التحلي بالوعي السياسي القائم على فهم واقع الأمة وعلى وحدتها الموضوعية أمر يجعل من مسألة التسمية موضوعاً هشاً وضعيفاً لايستوجبه الخلاف والنزاع أمام ضرورة وعظمة مسألة وحدة أمتنا كحقيقة موضوعية واقعية. فمن خلال قراءة تاريخ حركتنا القومية التي طرحت التسمية المركبة لأمتنا خلال الفترات الحرجة والصعبة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن الحالي، نرى بأن هذا الطرح جاء ضمن ظروف مأساوية وصعبة كان يتطلبها حشد معظم أبناء أمتنا نحو النضال والتحرر من الظلم والإستبداد. ثم في عام 2003 وما صاحب ذلك من إرهاصات وتخبطات سياسية جعلت من أمتنا أن تكون في قلب الزوبعة وأمام تحديات مصيرية يتطلبها أكبر حشد جماهيري ولكل مكونات أمتنا لذلك جاءت التسمية المركبة كوسيلة وطرح سياسي  لتحقيق هذا الهدف. والوضع لايزال أكثر مأساوية في هذه الأيام والذي يتطلبه مثل هذا الحشد الجماهيري القائم على فهم الحقيقة والواقع وبمنظور ووعي قومي مرتكز على أنه لا ضمان ولا إستقرار وحياة لهذه الأمة من دون وعي وحدتها كما هي في الواقع الموضوعي. صحيح أن الحقيقة الموضوعية، التي لا تقبل النقاش في كوننا أبناء أمة واحدة، لم تنعكس في شكلها الوحدوي على الساحة السياسية لتفرز تسمية واحدة وذلك بسبب ظروف مؤثرة سبق وأن شرحناها في أعلاه، ولكن ضرورة وأهمية الوعي بوحدة الأمة كحقيقة موضوعية أمر لامحال منه سيؤدي إلى تتطابق هذه الحقيقة الموضوعية مع شكلها في المستقبل فيما إذا تمت الممارسة السياسية بفكر ووعي منفتح ووحدوي جامع لكل مكونات أمتنا. من سخرية الأقدار أن يكون سيف داعش أكثر فاعلية في  توحيد أبناء شعبنا تحت خيمة التشريد والمأساة  من أي عامل آخر في هذه الأيام الصعبة.  وهنا وفي الأخير أقول وبكل وعي بأنه لا توجد مشكلة لأبناء أمتنا في التسمية بل المشكلة الحقيقة والفاعلة والمؤثرة هي في الوعي، بل في مدى تطور الوعي القومي وفهم الواقع كما هو، أي بهذا المعنى لا يهم ما يكتب  في الدستور العراقي أو في دستور كردستان تسمية " كلدان سريان آشوريون" بوجود واو أو فوارز أو أية تسمية أخرى بل الشيء المهم والمصيري هو الإيمان بوحدة أمتنا قبل كل شيء والعمل وفق هذه الوحدة لتحقيق أهدافنا القومية، وتحقيق مثل هذا الأهداف لايعقيها إطلاقاً إذا أنتميت إلى الكلدان أو السريان أو الآشوريين فهذا الأمر سيان أمام أهمية وعظمة تحقيق هذه الأهداف لأنها هي العامل الحاسم في تقرير مصيرنا في الوطن وليس التسمية القومية.