المحرر موضوع: في زمن العهر السياسي هل تستطيع الثقافة إصلاح ما أفسدته السياسة؟ بوشكين نموذجاً  (زيارة 1599 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Saad Alsadoon

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 48
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني

في زمن العهر السياسي هل تستطيع الثقافة إصلاح ما أفسدته السياسة ؟
بوشكين نموذجاً


سعد السعدون

في قرن مختوم بإمضاءة مافيات السياسة الكبار والصغار إلى الحد الذي لم يتمكن المجتمع الإنساني منذ إطلالته قبل أكثر من نصف عقد حتى الآن ، لم يتمكن من إستنشاق عبير الجمال بل راح يغوص بلجاجة مصادر الإعلام لمعرفة خبر ساخن هنا ، أو تقرير إخباري مثير للجدل هناك ، بعد أن إتسع نطاق جغرافيا الصراعات والاحترابات الإقليمية والدولية ، الأمر الذي لم ينتج سوى العناوين النارية التي ارتفعت حدة نغماتها ما جعلها تخلق مزيداً من الفوضى والضوضاء العارمة ، وقد يكون عنوان ( صراع الحضارات ) أكثر العناويين تداولاً على خشبات الصراع وأهمها التي تمخضت عن تلك الحقبة التي ما زلنا نعيش أحداثها العجائبية ، حيث يمضي المخططون وصناع القرارات في مشاريعهم التدميرية في أغلب الأحيان على حساب مسيرة التنوير والثقافة التي يبدو أنها عاجزة عن طرح مشروعها الخاص بهذه الحقبة المعقدة ، الأمر الذي جعل صدى الخطاب السياسي يعلو على أي خطاب ثقافي ، ويمكننا القول أنه أكثر ما بات يُخشى عليه هو أن يتحول المثقف مجرد تتمة موازية لصوت السياسي ، ولعل غياب الخطاب الذي من المفترض أن يحاكي تخرصات المرحلة الحالية من أبرز الأسباب والمحفزات التي تجعلنا نرجع إلى مقاطع زمنية سابقة من عمر المسيرة الثقافية والأدبية لنعيد قراءة بعض المفاهيم وربطها براهننا الحالي ، علٌنا نجد ثمة ما يعيننا على الفهم وإشتقاق نهج التعاطي مع مفردات عصرنا ، وفي هذا الاطار توجد الكثير من الأسماء التي يحفل بها سجل الثقافي العالمي ، ولكن في هذا الاتجاه آثرنا أن نجعل من الشاعر الروسي العبقري بوشكين مثالاً لنحاكي مواقف أدبائنا وواقعنا ، فبوشكين الذي يسمى أمير شعراء روسيا الذي نشأ وترعرع في أسرة من النبلاء كانت تعيش حياة الترف ، لم يقف مكتوف الأيدي حيال الأوضاع المزرية التي كان يعاني منها المجتمع إبان فترة الحكم القيصري وخطابه السائد آنذاك ، فكان ناقماً على واقع مجتمعه مطالباً بتقييد ( القياصرة ) مقابل إعلاء شأن النظام الديمقراطي بين الناس وبالرغم من أن بوشكين لم يعيش سوى 36 عاماً إلا أنه ترك ثروة أدبية تُشعر القارئ على أمتداد الأجيال التي عاصرته والتي جاءت بعده أنه عاش ردحاً طويلاً من الزمن ، بالنظر لحجم عمق تجربته ، وقد كان بإنتاجه الشعري يعبر عن إنحلال وسطه ، ويطالب بحرية الشعب بوصفه المصدر الأول والأخير للسلطة ، وكان أول من دعا إلى الحد من سيادة النبلاء في روسيا ، وانصبت بعض آماله في الحصول على بعض الحريات الفكرية والسياسية ، والملاحظ أن بوشكين بدأ بدية رومانسية لكنه ومع تفشي الأوضاع السلبية المحيطة به سرعان ما  غيٌر اتجاهه الأدبي واتجه نحو الواقعية ، وتعد روايته (عبد بطرس العظيم) من أهم الروايات الواقعية في تاريخ الأدب الروسي ، ولم يستطع (بوشكين) أن يعزل نفسه خارج محيط الأحداث المفصلية التي عاصرها ، والتي شهد خلالها الحروب ، والدمار ، وغيرها ، ما جعله راصداً أميناً لمختلف الأحداث العاتية ، كما أن سنوات دراسته ساهمت في تعزيز نزعته الأدبية والسياسية ، وقد عرف عنه حبه للتجديد في شعره الذي كان يتصدى خلاله للقضايا الساخنة التي تهز المجتمع لذلك فقد عمد إلى مناهضته للنهج القيصري الحاكم والقضاء على حق استرقاق الفلاحين ، والقارئ لأعماله الأدبية يلمس قوة احساسه ومحبته وعطفه على عامة الناس ، لأنه يرى أن ثمة رابطة بين الشعر والمجتمع وبين الفن والتعليم ، كما أنه يرى أن الفن يجب أن يكشف عن حقيقة الحياة ، وأن يكون له طابع وطني ، ولأن الواقعية اتجاه تم تكريسه في روسيا لأن الأدب الروسي يقوم على وقائع الحياة البشرية لذلك فقد صوٌر الشاعر طبقات مجتمعه وتعرض عبر نتاجه لمختلف نواحي حياة تلك الطبقات الاجتماعية ، وما زال أدب بوشكين يُتداول في مختلف الأروقة الأدبية والفنية لأنه يمتلك سر خلوده الذي يكمن في كونه أرضاً خصبة قابلة لإنتاج الكثير من الثمار المزهرة ، فمسرحياته لازالت تقدم على خشبات المسارح كما رواياته وقصائده وذلك يعكس حقيقة تجدد انتاج الرؤى الكامنة في نصوصه ، حياة قصيرة عاشها (بوشكين) لكنها ثرية فيما تركه من أرث ثقافي لم يتوان عن تصوير بانوراما الحياة ، بحلوها ومرها ، ولم يكف عن نقد الواقع السياسي ، ذلك ما يمكن استخلاصه من مسيرة ذلك الأديب الخالد ، أما اليوم ومع تزايد أنماط الخطاب السياسي المثير للكراهية والتشرذم والتفرقة وأشكالها التي تطلقه لعبة السياسة لكي تستمر على حساب كل ما هو جميل في الحياة ، نكاد نصدم كل يوم لإتساع حجم الفراغ الناتج عن غياب دور المثقف ، وهنا يمكن القول أن الثقافة لازالت أمامها فرصة كبيرة لمحاولة الالتقاء مرة أخرى على مستويات مختلفة بعيداً عن الصِدام والكراهية ، فالثقافة تحترم الآخر في تفرده وفي اختلافه وفي كل مكوناته ، فالثقافة والحضارة نتيجة لهذا الاحتكاك وهذا التوتر ، بإمكانهما أن ينسجا أشياء إيجابية لا سلبية من أجل البشر جميعاً بعيدأً عن الدماء ، والحروب ، والدمار ، والخراب ، فالثقافة تستطيع استيعاب الآخر بشكل أسهل وتأخذ ما فيه ، ومما لاشك أن الواقع العام الذي يعيشه العالم بشكل عام والعالم العربي خاصة والعراق على وجه التحديد الذي شهد أعتى موجة ثقافية بغيضة تمثلت في تسويق قاموس (التفرقة ، والتشرذم) ومصطلحات التقسيم وكانت بالنتيجة الحصيلة اللغوية الجديدة الخاصة براهننا الحالي ، وهنا لا نريد أن نستعرض مفردات من تلك التراكيب الغريبة على جسم الثقافة العراقية والتي يتم انتاجها في مطابخ السياسيين الجدد الذين باتوا يشكلون أكبر مصدر إفساد لذاكرة الشعب الثقافية ، لذلك أصبح من الواجب المحتم على الكتاب والمثقفين أن ينقدوا ويتصدوا بروح وطنية وبحس جمالي لتلك التراكيب والكليشيهات التي تزرع الكراهية وتعمق الفجوة بين أبناء المجتمع الواحد كما يحدث في عراقنا الحبيب ، لأن ما يزيد الطين بلة أن أجهزة الإعلام نتيجة لتزايد تداول تلك العبارات والمفردات الغريبة على الأذن العراقية ، تستطيع مساحة الكراهية  عبر تكرار نقلها ، وهنا تكمن الخطورة ، وهنا نسيق مثالاً سيئاً يعمد السياسيون الجدد في العراق لاستخدامه في إشارة لإيحاء معين موجه لخصموهم ، فذلك يطلق كلمة (النواصب ، و الآخر يطلق الروافض) وفي ذلك محاول سياسية خبيثة لتحويل الصراع من سياسي إلى ديني دون النظر لعواقب ذلك الخطاب الفاسد وأن صب ذلك الاستخدام في إطار الاعلام والاعلام المضاد لا يدل إلا على القصور الحاد في الوعي السياسي والوطني ومحاولة لتهشيم منظومات مجتمعنا العراقي الذي لم يعرفيوماً مثل هذه المصطلحات الدخيلة لذلك حان الوقت ليقطع المثقفون دابر سلبيات الخطاب السياسي القائم عبر نتاج إبداعي خلاٌق يمحو مفردات القاموس الدخيل .


                                                                                                          Saad_alsdoon@yahoo.com

   
         [/font]