المحرر موضوع: كيف نفهم إستشهاد الآشــوريين المسيحيين في الماضي والحاضر  (زيارة 1584 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أبرم شبيرا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 327
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كيف نفهم إستشهاد الآشــوريين المسيحيين في الماضي والحاضر
===========================================================
أبرم شبيرا
توطئة:
الأمر المحير لمتابع التاريخ هو كثرة ظاهرة الاستشهاد عند الآشوريين المسيحيين منذ أقدم الأزمنة، في الوقت الذي لم يكن لهم من ماديات الحياة شيئاً كما لم يكن لهم كيان سياسي خاص معبر عن روحيتهم ونفسيتهم ومعتقدهم يستحق الاستشهاد كسبيل للدفاع عنه أو تخليصه من الكوارث والفواجع. إذن ما هي العوامل أو الأسباب التي أودت بالآشوريين ودفعتهم  نحو الاستشهاد؟؟. وما هو الشيء الذي يستحق مثل هذه التضحية العظيمة؟؟. الإجابة لمثل هذه الاستفهامات التي لانهاية لها تبدأ قبل كل شيء عندما نعرف بأن معنى الاستشهاد هو التضحية بالحياة أو الموت في سبيل المعتقد أو المبدأ سواء أكان المعتقد أو المبدأ دينياً أو قومياً. من هذا المنطلق فأن الموت أو التضحية بالحياة في سبيل أشياء مادية لا يمكن اعتباره استشهاداً، أي بعبارة أخرى لكي نفهم المعنى الحقيقي للاستشهاد  يتطلب وجود معتقد أو مبدأ وحتى ندرك مغزى هذا الأخير يتطلب أيضا معرفة العوامل أو الأسباب التي تدفع الفرد أو أبناء الأمة إلى التضحية في سبيل ذلك المبدأ. فمن خلال هذه العوامل يفهم أهمية المبدأ وقوته وعمق تأثيره في نفسية الأمة والذي استوجب ترخيص أرواح أبناؤها من اجله.

عوامل إستشهاد الآشوريين المسيحيين:
-----------------------
على العموم ومن عجالة استقراء تاريخ الآشوريين المسيحيين يمكن أن نستخلص منه بعض العوامل التي كانت السبب في اندفاع الآشوريين نحو الاستشهاد.
1 ـ قوة الإيمان بالمبــدأ والمعتقد:
-------------------
يشكل المبدأ أو المعتقد جوهر وأساس موضوع الاستشهاد، وبمدى قوة إيمان الفرد بالمبدأ بمدى ذلك يظهر استعداده للتضحية في سبيل الحفاظ عليه والدفاع عنه. هناك عاملان أساسيان يلعبان دوراً رئيسياً في مدى قوة الإيمان بالمبادئ والمعتقدات:
الأول: مصادر المبدأ والمعتقد: إن  كل مبدأ أو معتقد لأمة معينة ينشأ من منابع معينة. فقوة أو أهمية هذه المنابع أو المصادر تنعكس في قوة المبدأ والإيمان به. فبالنسبة لمبادئ أو معتقدات الأمة الآشورية نشأت من مصدرين، الأول هو الحضارة الآشورية وبكل ما تعنيه كلمة الحضارة من سعة لها امتدادات فكرية وسياسية واجتماعية ودينية وتراثية وحتى نفسيه وهي مسائل لا يستوجبها الإطناب والتفصيل، سواء هي بحد ذاتها وبإسهاماتها في الحضارة الإنسانية قاطبة أو باعتبارها الوريث الشرعي وحامي الحضارات التي سبقتها في بلاد ما بين النهرين من سومرية وأكدية وبابلية، لأن الحضارة الآشورية معروفة للداني والقاصي، وإنما ما يتسوجبه الإشارة هو وجود شعور أو هاجس نفسي لدى الآشوريين بانتماءهم الحضاري والفكري والنفسي إلى هذه الحضارة والذي تواصل عبر قرون طويلة سواء من خلال اكتساب مقومات هذه الحضارة وممارستها أو من خلال الوعي بهذا الإنتماء في الفترات اللاحقة. أما المصدر الثاني فهو المسيحية وبالأخص كنيسة المشرق بكل معتقداتها وتعاليمها وعاداتها التي تتداخل وتندمج اندماجاً عضوياً، لا بل وتتكامل أيضا، مع الجوانب القومية والاجتماعية للآشوريين. وسـر قوة الإيمان بالمبادئ والمعتقدات المنبعثة من هذين المصدرين هو عضوية ترابط أحدهما بالآخر وتكامل بعضهما للبعض. فمن الأخطاء التاريخية التي زرعها اليهود عبر التوراة وغيرها من التقاليد العبرانية والتي تناقلتها الشعوب الأخرى بما فيهم بسطاء الآشوريين، هو وجود تناقض صارخ بين الحقبتين الآشورية والمسيحية وان الآشوريين كانوا وثنيين ويعبدون عدة آله وانهم بعد اعتناقهم المسيحية هجروا وأنكروا ماضيهم الوثني وحقروه .. وغيرها من الأكاذيب والخزعبلات التي لعبت دورها في تخلف الفكر الآشوري القومي وجموده في الفترات اللاحقة. في الوقت الذي، لو تحلينا بقدر قليل من المناهج العلمية في دراسة علم التاريخ والاجتماع وجبلت بنسائم من الروح الآشورية لعرفنا على الفور مدى ترابط المسيحية مع الحضارة الآشورية وتوافقهما، وهي مسائل سبق شرحها في مناسبة سابقة، فالمهم هو أن قوة وعظمة الحضارة الآشورية بكل جوانبها المادية الواقعية مع قدسية وسمو الديانة المسيحية والتي أطرت بالنسبة للآشوريين في كنيستهم المشرقية، وبكل جوانبها الروحية والمثالية شكلتا مصادر قوية وعميقة لمبادئ ومعتقدات الآشوريين والتي تقولبت في جملة من عوامل قومية ودينية من لغة وتقاليد وتاريخ ومعتقدات وسلوكيات ترسخت وبعمق في نفسيتهم وأصبحت جزء من وجودهم بحيث وصلت عند البعض منهم إلى درجة جعلت من الحياة لا معنى لها بدونها واصبح الاستشهاد في سبيلها خير من إنكارها. وهذا هو الذي يجعلنا أن نفهم مغزى الظاهرة التاريخية في الاستشهاد ليس عند كبار رجال الدين وزعماء الأمة فحسب بل حتى البسطاء منهم خاصة عند النساء والبنات الآشوريات عندما كانوا يرمون أنفسهن في الوديان والأنهر والانتحار وتفضيلهن الموت على اختطافهن وسبأهن من قبل الأعداء عبر التاريخ الآشوري الدامي بدماء الأبرياء والأطهار .
الثاني: قدم المبادئ والمعتقدات واستمرار تواصلها: فقدم الحضارة الآشورية يزيد عن خمسة آلاف سنة مضافاً إليها تداخل قدم الإيمان الآشوري بالمسيحية الذي يزيد عن آلفي سنة وما يفرز هذا القدم من تراكمات في الذكريات والممارسات والسوابق والعادات والأماني المشتركة واستمرار تواصلها لقرون طويلة رغم  الفواجع والمآسي، كلها عوامل ساهمت مساهمة مباشرة في ترسيخ المبادئ والمعتقدات التي يؤمن بها الآشوريون. وهناك تناسب طردي بين قدم المبادئ والمعتقدات واستمرار تواصلها وبين عمق الإيمان بها والتضحية في سبيلها. فليس من المنطق والمعقول أن يؤمن إنسان إيمانا عميقاً بمبدأ ظهر لتوه أو حديث المنشأ ويستحق التضحية بالحياة والاستشهاد في سبيله.  كما وان قدم المبادئ والمعتقدات تساهم أيضا في تعميق الإيمان بها والتضحية في سبيلها من خلال فرز حالة السوابق التاريخية عبر تواصلها واستمرارها لفترات طويلة. والسوابق التاريخية لكل مجتمع تصبح له بمثابة أعراف وقوانين ملزمة يستوجب اتباعها، وهكذا كان الحال مع الآشوريين المسيحيين فيما يخص الاستشهاد في سبيل المبادئ والمعتقدات والذي أصبح من إحدى السوابق التاريخية المتبعة في أسلوب المحافظة وصيانة الذات وبكل ما يتجسد فيها من مبادئ ومعتقدات. فاستشهاد ربنا يسوع المسيح، له المجد، على الصليب من اجل خلاص الإنسان شكل نقطة ارتكاز في نفسية الآشوريين للانطلاق منها كسابقة تاريخية واقتفاء أثرها في الاستشهاد من اجل المبادئ والمعتقدات. فهكذا كان الحال مع مار شمعون برصباي ومار قرداغ ومار بهنام وشقيقته ساره مروراً ببقية جحافل شهداء الكنيسة والأمة بما فيهم شهداء مجازر المجرم مير بدرخان ومن ثم شهداءالحرب العالمية الأولى وسيفو وعلى رأسهم أمير الشهداء مار بنيامين ومار توما أودو وآشور يوسف بيت هربوت وبرصوم بيرلي وهكذا  نفس الحال مع شهداء مذبحة سميل ومذابح أذربيجان عام 1947 وصولاً حتى لشهداء الأجيال المعاصرة : يوسف توما ويوبرت بنيامين ويوخنا إيشو، الذين اقتفوا آثار اجدادهم في الاستشهاد وفضلوا مشانق نظام البعث الفاشي على التنازل عن مبادئهم ومعتقداتهم. هكذا فمن خلال استقراء مراحل تطور التاريخ الآشوري وعلاقته بالاستشهاد يظهر بأن طبيعة كل مرحلة من مراحل هذا التطور انعكست في نوعية الشهداء، فالمرحلة المسيحية أعطت شهداء من رجال الدين مثلما أعطت مرحلة نضوج الحركة القومية الآشورية شهداء من رجال علمانيين، وهذا ما يؤكد ترابط وتواصل جميع مراحل تطور المجتمع الاشوري وبأشكاله المختلفة . 
وأخيرا بقى أن نقول بأنه ليس المقصود بقدم وتواصل الحضارة الآشورية والديانة المسيحية هما نفسهما استمرا كما كانا في السابق وحتى اليوم، فالمقصود بذلك هو استمرارهما وبأشكال مختلفة بما فيها أشكالها المعنوية والروحية التي تكون الإطار العام لما سميناه في السابق بالروح الآشورية، فيكفي في هذا الصدد أن يشعر الفرد بانتمائه لهذه الحضارة وأيمانه بالمعتقد المسيحي ليتحقق التواصل والاستمرار .

2 – عمـق التناقضـات :
على الرغم من كون قوة إيمان الفرد بالمبدأ يشكل العامل الأساسي في استعداده للتضحية والاستشهاد في سبيله فانه إلى جانب ذلك هناك عامل آخر يرتبط به وهو عمق تناقض هذا المبدأ مع المبادئ والمعتقدات الأخرى المختلفة عنه والتي تعايشت معها عبر تاريخ طويل. فمن المعروف أنه بعد سقوط الإمبراطورية الآشورية عاش الآشوريون في ظل أنظمة سياسية وبين شعوب مختلفة عنهم اختلافاً حضارياً ودينياً وتاريخياً واجتماعياً وفكرياً وحتى نفسياً شكلت صعوبة التوافق بينهم إلى بروز تناقضات عميقة لم يكن من السهل حلها أو التوفيق بينها أو الوصول إلى تسويات مرضية تتوافق مع معتقداتهم. فالمجوسية وعبادة النار، على سبيل المثال، كديانة كانت سائدة في الإمبراطورية الفارسية وكانت في تناقض صارخ مع معتقدات البطريرك مار شمعون بارصباي وعمق إيمانه المسيحي لذلك أسلم رأسه لسيف الملك شاهبور الثاني في الربع الأول من القرن الميلادي الرابع من دون أن يتنازل عن معتقداته وإيمانه. وهو نفس الحال، ولكن بأشكال مختلفة باختلاف العصور فيما يخص ماليك إسماعيل، زعيم عشيرة تيارى العليا، عندما فتح صدره وهو أسير ومثخن بجراح أمام سيف المجرم مير بدرخان في منتصف القرن التاسع عشر ويستشهد من دون أن يتنازل عن معتقده ويحقق رغبة هذا المجرم في تبني الإسلام وتزويجه ما يرغب من النساء. وحال اليوم لا يختلف عن الأمس من حيث الجوهر والمضمون القائم على الاستشهاد في سبيل القضية والمبدأ. فالسياسات الاستبدادية للأنظمة المتعاقبة على السلطة في العراق ومحاولة نظام حزب البعث الحاكم في صهر الآشوريين وإفنائهم ودمجهم في القومية العربية صورة أخرى من صور التناقض الصارخ بين معتقدات الأمة الآشورية وبين هذه السياسات والمحاولات. فمن أجل هذا الرفض تقدم أبناؤها الأبرار أمثال يوسف توما ويوبرت بنيامين ويوخنا إيشو وغيرهم من الشهداء الآشوريين الخالدين إلى الأمام مفنين حياتهم من أجل المعتقدات والمبادئ التي آمنو بها لأنها كانت بالنسبة لهم مقومات يقوم عليها أساس وجود الأمة واستمرارها. واليوم يتشرد شعبنا ويطرد من موطنه التاريخي في سهل نينوى... لماذا؟؟ لأن إيمانه بربنا يسوع المسيح ، له المجد، وبمعتقداته الدينية والحضارية والفكرية والنفسية كلها في تناقض صارخ من المعتقدات والممارسات الإجرامية لداعش ولا يمكن إطلاقاً تصور تنازله عن هذا الإيمان إلا بنكرانها وتلاشي وجوده كشعب مسيحي في المنطقة.
وحتى لا يتهمنا البعض بالتطرف والتجني على الواقع من خلال إبراز عمق هذه التناقضات والمبالغة فيها نؤكد بأن التأكيد الذي ذهبنا إليه لا يعني بأنه لم يكن هناك تسويات بين الآشوريين وغيرهم من الشعوب والحكومات التي تتبنى معتقدات متناقضة لمعتقداتهم، فمثل هذه التسويات كانت ممكنة وقائمة إلا إن النتيجة التي  يمكن استخلاصها منها كانت إما الإفناء والموت أو الذوبان في هذه الشعوب . فملايين الآشوريين ومن أتباع كنيسة المشرق ذابوا في الشعوب الإسلامية العربية والكردية والفارسية والتركية من جراء قبول تسويات غير منصفة معهم في حين القلة الباقية من هذه الملايين لحد هذا اليوم هي نتيجة لصمود وإصرار الآشوريين وقدرتهم على تقديم الشهداء من اجل البقاء والتواصل. وعلى نفس المنوال نقول بأن الحركة القومية الآشورية المعاصرة وبكل تنظيماتها السياسية والاجتماعية والثقافية وحتى الدينية هي مدينة لدماء الشهداء الذين أزهقت أرواحهم في آب عام 1933 من اجل  استمرار وتواصل الأمة وبكل معتقداتها ومبادئها. ومن يستطيع أن ينكر بأن دماء يوسف ويوبرت ويوخنا وحتى فرنسيس وبيرس وغيرهم كانت وقود لمشاعل النور في دروب الحركة الديمقراطية الآشورية، باعتبارها أول حركة سياسية قومية معاصرة تقدم هذا العدد من الشهداء، وتنير طريقها المزدحم بالتناقضات والتحديات المصيرية التي يواجهها شعبنا في أرض أبائه وأجداده.
ولكن ما السبيل للخروج من هذه التناقضات وتخليص امتنا من  تقديم شبابها كقربان في سبيل استمرارها وتواصلها؟ وأين تكمن العلة أو ماهي "الجريمة" التي يقترفونها الآشوريون حتى يستلزمها إيفاء جزاؤها بدماء أبناؤهم؟؟  إن كل هذه التساؤلات تدور حول "جريمة" واحدة يقترفها الآشوريون وهي انهم يريدون أن يعيشوا كآشوريين ومسيحيين على ارض آباؤهم وأجدادهم منعمين بحرية تحقق لهم حدود معقولة لممارسة ما يؤمنون به. ومصدر كل التناقضات وعمقها واستحفالها نحو صراعات دامية هو إصرار البعض على اعتبار هذه المطاليب فعلاً جريمة ويستحق الآشوريون عليها عاقباً قوامه الموت والفناء. فمتى ما يؤمن هذا البعض بأحقية الآشوريين بهذا المطلب الإنساني حينذاك تبدأ التناقضات بالتقلص والاختفاء. من هذا المنطلق نقول طالما بأن مثل هذه التناقضات والتحديات غير موجودة أصلاً في المجتمع الآشوري في المهجر إذن فإن إمكانية الاستشهاد في سبيل القضية الآشورية غير واردة. أي ان التضحية بالحياة من أجل المعتقد والمبدأ غير واردة في هذه البلدان. في حين هناك امكانية كبيرة في التضحية بالمال والجهد والوقت والمقتنيات الاخرى في سبيل المبدأ او القضية الآشورية الا انها لا تصل الى مستوى الاستشهاد، لان هذا الاخير كما سبق وذكرنا هو التضحية بالحياة من اجل المبدأ او المعتقد. في حين على العكس من هذا تماماً فطالما مثل هذه التناقضات موجودة في أرض الوطن وبعضها وصلت إلى مستوى التحديات والمواجهات فأن إمكانية الاستشهاد في سبيل القضية الآشورية واردة جداً، وهي المسألة التي يجب على الآشوريين، وبالأخص القوميين منهم وتنظيماتهم السياسية، في المهجر إن يضعوها نصب أعينهم وأن يقدروها حق تقدير ليس في السابع من آب من كل عام فحسب بكل في كل يوم من أيام حياتهم .

3 – اختلال توازن الكيانات :
ما يثبت استمرار عيش الآشوريين في موطنهم الأصلي وضواحيه بعد سقوط إمبراطوريتهم هو تعايشهم في كيانات صغيرة يمارسون معتقداتهم وتقاليدهم ضمن أطر اجتماعية بعضها وصلت حتى اليوم ومنها ظاهرة الزعامة العشائرية المعروف بـ "ماليك" فهو موضوع طويل لا نريد التفصيل فيه وإنما المهم هو أن الميزة الأساسية التي تميزت به هذه الكيانات هي وقوعها في مناطق هامشية وفي أراض تتقاطع فيها دوائر الصراع بين الإمبراطوريتين الفارسية والإغريقية أوالفارسية والإسلامية أو الإسلامية والبيزنطينية أو العثمانية والصفوية وهكذا تعاقباً حتى العصر الحديث حيث يعيشون في مناطق التقاء الحدود العراقية التركية الإيرانية السورية. هذه الميزة جعلت من هذه الكيانات أن تتمتع بنوع من الاستقلال الذاتي وان تكون في نفس الوقت كيانات صغيرة ومعزولة وهزيلة ومهددة وعلى الدوام سواء من قبل هذه الجهة أو تلك. أي بعبارة أخرى كانت هذه الدويلات ساحة وغى للقتال والحروب، بحيث لم يكن يستقر الاستقلال الذاتي بها مقاماً طويلا،  فكانت ما أن تنشأ كمنطقة أو إمارة تشكل كدويلة حاجزة (Buffer State) بين المتحاربين حتى كانت وبعد سنوات قليلة تزول من الوجود أو تحتل من قبل الطرف الآخر. ومن سخرية القدر، حتى في يومنا هذا فأن سهل نينوى الذي هو مطلب شعبنا في الحكم الذاتي أو تشكيل محافظة يقع ضمن دائرة التنافس والصراع بين الكورد في الشمال والعرب في الوسط والجنوب. وهكذا. هذه الصفة جعلت من التوازن السياسي والعسكري والاقتصادي والديموغرافي مفقوداً بالتمام بين هذه الكيانات الآشورية وبين هذه الإمبراطوريات الكبيرة  وهي نفس الحالة التي جعلت من أية تسوية بين الآشوريين وبين هذه الإمبراطوريات غير مرضية  لأنها كانت، وعلى الأرجح، على حساب الآشوريين والقضاء على ما يملكونه. ولما كان الاشوريون في تلك الفترة فقراء بكل معنى الكلمة فيما يخص العالم المادي والواقعي، فلا كانت دويلتهم واسعة الأراضي أو غنية بالثروات لكي يتنازلوا عنها من اجل الحفاظ علي كيانهم ومعتقداتهم ولا كانت لهم تيجان أو عروش يمكن التخلي عنها من اجل الحفاظ على حياتهم واستمرار تواصلهم، بل كل ما كان يملكونه هو حياتهم فكانت الخيار الأوحد الذي يمكن تقديمه والتضحية به في سبيل البقاء والاستمرار وتواصل معتقداتهم ومبادئهم.
هنا من الضروري جداً الإشارة والتأكيد بأن المسيحية بما فيها استشهاد ربنا يسوع المسيح، له المجد، على الصليب، من اجل الإنسان كمثال في التضحية بهذا العالم من اجل العالم الآخر، أثر تأثيراً كبيراً وعميقاً في مفهوم الاستشهاد الآشوري واصبح موضوع التضحية بالحياة الزمنية من اجل الحياة الأبدية منهجاً في تقديم الآشوريين حياتهم قرباناً من اجل ماآمنوا به والذي ترسخ في نفسيتهم وتواصل عبر مراحل طويلة، وهو المنهج الذي يفسر لنا سبب ضعف الطموحات السياسية الآشورية عبر قرون طويلة مجسدة في دولة كبيرة أو كيان سياسي مستقل وهو نفس السبب الذي يفسر لنا أيضا لماذا لم يكن هناك حاكم أو سلطان أو دولة آشورية مسيحية في الوقت الذي كان عددهم يتجاوز الملايين وانتشروا في بقاع واسعة من العالم المشرقي، وهي الحقيقة التي تؤكد بان العالم الزمني لم يكن يساوي شيئاً عندهم قياساً بالعالم الأبدي. هذه الرمزية في استشهاد اليسوع والتمثل به في التضحية بحياة اليوم من اجل حياة الأمس أضفت أن يتأطر الاستشهاد الآشوري بهالة مقدسة وان يكتسب طبيعة ميتافيزيقية مؤثرة  في نفسية الآشوريين وفاعلة في سلوكياتهم مشكلة بذلك دافعاً قوياً لاندفاع الآشوريين نحو الاستشهاد في سبيل معتقداتهم .

صحيح أن نذكر بان قدسية الاستشهاد الآشوري واندفاعه نحو التضحية بحياته من اجل المعتقد في هذه الأيام ليست كما كانت في أيام مار شمعون برصباي ومار قرداغ ومار بهنام وحتى مار بنيامين وغيرهم من شهداء الحروب والمذابح والتي اكتسبت طابعاً دينياً لاهوتياً بحسب طبيعة العصر ومرحلة تطور المجتمع الآشوري، وهي حقيقة التي يجب أن نقبلها جميعاً سواء أكنًا علمانيين أم رجال دين. ولكن مع قبول هذه الحقيقة يجب أن نقبل حقيقة أخرى وهي أن تناقضات اليوم غير تناقضات الأمس وتحديات العصر غير تحديات الماضي، أي بعبارة أخرى لو وصلت حدة  تناقضات وتحديات اليوم إلى مستوى تقارب عما كانت عليه في الماضي لتأطر الاستشهاد الآشوري بحالة من القدسية كما كان في التاريخ.  كما لو إن  حدة هذه التحديات وصلت إلى مستوى يشعر الآشوريون فيها تعرض كيانهم القومي والديني إلى الفناء والموت المحتم لبرزت مثالية استشهاد ربنا يسوع المسيح، له المجد، ومار شمعون برصباي ومار قرداغ وغيرهم وتمثلت في مناضلي اليوم وهرعوا للدفاع عن معتقدات ومبادئ أمتهم وهي الحالة التي يمكن أن نتلمسها من ظروف استشهاد بعض مناضلي الحركة القومية الآشورية في وطن الأم خاصة في هذه الأيام الصعبة حيث تتصاعد التحديات والمواجهات. فبتصاعد هذه التحديات والمواجهات تتصاعد إمكانيات تقديس الاستشهاد الآشوري ويصبح الخيار الأوحد للحفاظ على الوجود وكل المعتقدات والمبادئ التي تتجسد فيه. فعندما يهتف الأطفال الآشوريون في المسيرة الجماهيرية الضخمة في الأول من نيسان في نوهدرا ( دهوك )  ويصرخون (إما الوجود أو الموت ) فإن لهذه الصرخات إشعاعات نابعة من الروح الآشورية التي هي نفس الروح التي كانت مبعث فهم الشهداء الآشوريين عبر التاريخ الطويل للعلاقة القائمة بين الوجود والموت .

وإذا كنًا  نبجل ونعظم الشهيد الآشوري في يومه الخالد في السابع من آب من كل عام، وهو أقل ما يمكن عمله تجاه، أفليس ضميرنا أيضا يدعونا، لا أن نبجل أو نعظم فحسب، بل أن نحترم ونقدر أولئك المناضلين وأبناء شعبنا الذين ارتضوا البقاء والصمود في أرض الوطن وقبلوا التحديات والموجهات من اجل الحفاظ على جذورنا مغروزة وبعمق في تربتها الأصلية، لأن بقبولهم هذا يقبلون بالظروف التي قد تدفعهم نحو الاستشهاد في سبيل المبدأ الذي أمنوا به، وأجرهم الأبدي، سواء في اليوم أو في الأمس، أي في نضالهم وصمودهم أو في استشهادهم، أمن وأسرع وصولاً إلى قلب وضمير الأمة والى الأجيال اللاحقة وحتى إلى خالق السماوات والأرض. فصمودهم في أرض الأباء والأجداد هو أيضا من أجلنا نحن الذين تركنا أرضنا وبيوتنا ونصبنا خيامنا في المهجر وانشغلنا بالثرثرة  وتسطير السطور عن "أمتنايوتا" في الجرائد والمجلات والمواقع الألكترونية من دون رضاء أو استعداد لقبول أي تحدي يخدش جسمنا أو نفسيتنا النرجسية.. من أجلنا نحن حتى نستطيع أن ندعي بإنتماءنا إلى هذه الأمة وإلى تربتها المقدسة.
 





غير متصل samy

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1137
    • مشاهدة الملف الشخصي
يبدو ان اسباب استشهاد السريان والكلدان تختلف عن اسباب استشهاد الاشوريين.!!!!!!!!!!!!!!

غير متصل بزنايا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 115
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
سيد سامي
من الممكن ان تسأل السيدين زيد ميشو و عبد قلو عن اسباب استشهاد الكلدان للأنه اصلا لا يوجد.

غير متصل samy

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1137
    • مشاهدة الملف الشخصي
الاخ العزيز بزنايا
شكرا جزيلا لتعليقك ......اللذي يؤكد ان ماجاء في المقال يوضح انه رغم اختلافنا انا وانت فكريا لكننا انا وانت فهمنا من المقال واستنتجنا بانه اما لايوجد اسباب لاستشهاد الكلدان حسب قولك  اوانهم استشهدوا لاسباب اخرى حسب قولي.
لكن الحقائق تؤكد وبا الاسماء ان عدد الشهداء الكلدان في حي من احياء القوش  يتجاوز عددهم عدد شهداء كل الحركات الاشورية خلال الاربعين سنة الاخيرة.
الهدف من التعليق هو توضيح اية وحدة يدعيها بعض الاخوة  باسم ((الوحدة القومية)) ومنهم  الاخ العزيز ابرم شبيرا.
والمقال وتعليقك معروض لكل القراء ولضمائرهم الحية .....فقد تصحو بعض الضمائر ((الوحدوية )) المحتالة على شعبنا.
وايظا كي لايتم التجني على اقوالي واعتبارها استنتاجات شخصية تستهدف الاساءة للاخ ابرم شبيرا.


غير متصل خوشابا سولاقا

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2340
    • مشاهدة الملف الشخصي
الى الأخ وصديق العمر الكاتب الكبير الأستاذ أبرم شبيرا المحترم
تقبلوا محبتنا القلبية مع خالص تحياتنا الأخوية
مقالكم رائع من حيث تبيان الأسباب والدوافع التي عادةً تدفع بالانسان الى التضحية بنفسه وقبول الأستشهاد من أجل قضية معينة قومية أو وطنية أو إنسانية أو معتقد إيماني معين يؤمن بها فيضحي بنفسه من اجلها . لقد أبدعتم في عرض هذه الدوافع والأسباب وبالتأكيد فإن عملية الأستشهاد تدخل صاحبها التاريخ من أوسع أبوابه ويبقى الشهيد رمزاً يقتدى به ووسام الشرف للآخرين ، من هذا الجانب  نتفق معكم مئة في المئة ، وجهودكم الكبيرة في كتابة هذا البحث مشكورة ونثني عليها . إلا إننا لا نتفق معكم بكون الآشوريين يتميزون باستعدادهم لقبول الشهادة أكثر من غيرهم للأسباب التي ركزتم عليها في بحثكم هذا ، وإن هذا التركيز قادكم الى المبالغة والمغالاة من دون مبررات موضوعية ، وهذه  المغالاة وصمت بحثكم بشيء من التعصب القومي الغير واقعي وأعطيتم ظهركم للطعن من قبل الآخرين من غير الآشوريين ، وبالتالي أضفتم سبباً إضافياً للحاملين على الآشوريين والآشورية لتثوير أحقادهم وكراهيتهم ورفضهم لهما . حيث يوجد بالآف ممن قبلوا الشهادة واسترخصوا حياتهم من أجل قضاياهم ومعتقداتهم الأيمانية من مختلف القوميات والأمم أكثر من الآشوريين . نعتقد إن الدخول والغوص في أعماق مثل هذه الأفكار والتنظير لها لا جدوى إيجابية من ورائها ، نحن شخصياً مع الأسف الشديد نعتبر مقالكم هذا غير موفق في مضمونه بالرغم من جهودكم الكبيرة التي بذلتموها كما يبدو لنا في كتابته ، نرجو المعذرة لهذه الصراحة النقدية معكم ، إنها نابعة بحق من محبتنا لشخصكم كصديق عزيز علينا واعتزازنا بكم وبمكانتكم ككاتب تقدمي معتبر ومرموق بين أبناء امتنا ، لأن هذه المغالاة التي تتسم بالعنصرية القومية في مقالكم هذا قد توصمون بها من قبل البعض وهذا شيء لا يليق بشخصكم الكريم ومكانتكم ..
دمتم والعائلة الكريمة بخير وسلام .

                 محبكم أخوكم وصديق العمر : خوشابا سولاقا - بغداد   

غير متصل samy

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1137
    • مشاهدة الملف الشخصي
الاستاذ العزيز خوشابا سولاقا
اتفق مع تعليقك كليا واعتبره تصويب للاتجاه.لكنني لا اعتبر الجملة التالية:((وأعطيتم ظهركم للطعن من قبل الآخرين من غير الآشوريين ، وبالتالي أضفتم سبباً إضافياً للحاملين ((الادق متحاملين))على الآشوريين والآشورية لتثوير أحقادهم وكراهيتهم ورفضهم لهما )).علمية ودقيقة او تعكس الواقع......ببساطة لانه ليس المعلقين من طعن الاخ ابرم شبيرا بظهره. وانما هو شخصيا طعن ظهره بنفسه ومهمة تعليقي هي اخراج الخنجر المسموم اللذي ادخله الاخ ابرم شبيرا بظهره.انقاذا له ......
ولا احقاد او كراهية يشعر بها الكلدان تجاه ابناء شعبهم من الاشوريين.كما تتوهم خاطئا.
مع احترامي واعتزازي بأرائك.