المحرر موضوع: سماء كردستان العراق الملبدة بالغيوم!  (زيارة 548 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كاظم حبيب

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1260
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
كاظم حبيب
سماء كردستان العراق الملبدة بالغيوم!
كان الزائر إلى إقليم كردستان العراق منذ عدة سنوات يشعر بالحركة الدائبة بالبناء وإقامة الجسور وفتح الشوارع وتشييد متواصل لعمارات شامخة وفنادق جديدة ودور سكن مرفهة وفقيرة جديدة. وكان عدد شركات البناء والتعمير والتجارة تزداد يوماً بعد آخر. كما امتلأت كردستان بالعمال الأجانب في حين امتلأت دوائر الدولة بالموظفين الكرد الذين شكلوا بطالة مقنعة تصل إلى أكثر من 70% من العمالة المطلوبة. كانت أموال النفط تبدوا للمسؤولين أنها دون توقف وستبقى تنهمر كالمطر على رؤوس الناس. كانت هناك فرحة كبيرة لدى الكثير من الناس البسطاء بمنجزاتهم الكبيرة والمهمة ومنها إعلان الفيدرالية ووجود حكومة كردستانية غير مفروضة من بغداد .. وإذ كنت سعيداً لفرحة الناس بالمنجزات، كنت مهموماً لمستقبل هذه السياسة عبرت عنه لعدد غير قليل من المسؤولين وعدد أكبر من الأصدقاء الكرد. وكان الهم يتوجه نحو سياسات الإقليم الخالية من الاستراتيجية وتسير بوجهة غير صحيحة، حسب تقديري، في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إضافة إلى العلاقات مع الحكومة الاتحادية، رغم سوءات الأخيرة. وكان الشعور بالعملقة الذي ينتجه الاقتصاد الريعي النفطي والاستهلاكي يهيمن على أغلب المسؤولين ليتجلى في البناء المرفه وفتح الشوارع والجسور والأسواق التجارية وإقامة المزيد من الجامعات بعيداً عن المستوى العلمي المنشود وغياب الكوادر العلمية الضرورية لهذا العدد المتزايد من الجامعات. وكان التعيين الواسع في اجهزة الإقليم دون وجود عمل للموظفين ولا يتواجدون في دوائرهم. لا استثمارات ولا تنمية إنتاجية صناعية وزراعية ولا اهتمام بتكوين كادر مهني وفني، بل المهم إغراق الأسواق المحلية بالسلع الاستهلاكية والكمالية. وساد الفساد المالي والإداري على نطاق واسع. لقد مرّت بلدان نامية كثيرة بتجارب مماثلة فهل ينبغي لكردستان أن تمر بها أيضاً بدلاً من أن تتعلم من تجارب الدول الأخرى. وكانت عواقب تلك الدول وخيمة حيث تفاقم الاستبداد الفردي ومصادرة الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان! وهذا ما جرى ويجري في كل العراق.
في هذا العام 2015 زرت إقليم كردستان  ثلاث مرات، شاركت بمؤتمرات وزيارات شخصية. وكانت تختلف عن الزيارات التي سبقتها في الأعوام المنصرمة. وفي كل مرة كنت أشاهد أوضاعاً مقلقة أكثر. تراجع أموال النفط وتوقف المشاريع وتزايد البطالة المكشوفة والمقنعة، وغياب المشاريع الاقتصادية الإنتاجية التي تعوض عن أموال النفط. بدأت الأزمة المالية والاقتصادية بالإقليم منذ فترة طويلة، ونبهت مع كثيرين وكتبنا بشأنها في مجلات ومواقع كردية وعربية. ولكن لا من سميع أو مجيب! وزاد الأمر سوءاً اجتياح عصابات داعش للموصل وسهل نينوى والنزوح الهائل صوب الإقليم، إضافة إلى ضرورات التسليح لقوات البيشمركة ودعمها لخوض المعارك ضد داعش وصدها عن الإقليم ومناطق أخرى من سهل نينوى وكركوك ومخمور...الخ.
وإذا ربطنا بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، فأن بوادر ما يحصل حالياً بكردستان العراق كان متوقعاً، وهو التجلي للأخطاء والسلبيات الفادحة التي ارتكبت وبرزت في الفكر والممارسة من الأحزاب الحاكمة وبقية الأحزاب التي سكتت عن تلك السياسات الخاطئة وارتضتها وساهمت بالاغتناء والعيش على حساب أموال المجتمع دون الاهتمام بالتنمية الإنتاجية والتشغيل العقلاني وإدارة الإقليم إدارة سليمة وإدارة الصراعات على أسس ديمقراطية، كما إن الحريات العامة، وخاصة حرية الصحافة والإعلام قد تعرضت للتجاوز الفظ!
إن الإضرابات والمظاهرات التي يقوم بها المعلمون والموظفون مطالبين برواتبهم غير المدفوعة منذ أربعة شهور وبتحسين الخدمات والحريات العامة تنسجم مع الدستور العراقي والكردستاني ومع حقوق الإنسان وعادلة، وهي تمارس بأساليب سلمية وديمقراطية. ومن واجب الحكومة وأجهزتها الأمنية حماية المتظاهرين. وقد تابعت اعتصام المعلمين والموظفين بأربيل وأمام البرلمان وكان سلمياً. وحين لا تتحقق  المطالب تتحول إلى مطالب سياسية، وهو الحاصل حالياً.
برز العنف في مظاهرات مدن تابعة لمحافظة السليمانية، كلار ورانية وقلعة دزة، وفي حلبجة وغيرها، وجرى اعتداء على مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني ومقرات البيشمركة والأمن وجرت محاولات معاكسة ضد مقرات أخرى والتي قادت إلى عنف وعنف مضاد وسقوط عدد من القتلى والجرحى، ولا بد من فتح تحقيق حيادي ومستقل لمعرفة المسؤولين عن الأحداث المؤسفة ومحاسبتهم وتحريم تكرارالعنف. كما تعرض صحفيون إلى مضايقات.
إن من واجب الحكومة توفير الرواتب ومعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية ومحاربة الفساد واسترجاع الأموال المنهوبة والاستماع لصوت المتظاهرين، كما إن من واجب كل الأحزاب السياسية الالتزام بتظاهرات سلمية وديمقراطية وبعيداً عن كل أشكال العنف، كما على أجهزة الأمن الالتزام بعدم الاستفزاز أو الانجرار لاستفزازات البعض الذي يمكن أن يقود إلى سيل من الدماء. إن الإصلاح والتغيير بالإقليم ضروريان كما هما ضروريان ببغداد وباقي المحافظات. ويتطلب من رئاسة وحكومة الإقليم والبرلمان وقادة الأحزاب أن يدركوا ضرورة الإصلاح والتغيير المدني والديمقراطي السلمي بالإقليم. إن الحكمة والتجربة تؤكد ضرورة العودة السريعة للحوار، فالدم ينزف دماً ويصعب إيقافه.