المحرر موضوع: مذكرات الصحفية العراقية ميادة العسكري  (زيارة 1925 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نبيل عبد الأمير الربيعي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 216
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
مذكرات الصحفية العراقية ميادة العسكري



نبيل عبد الأمير الربيعي

 
      صدر عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر للكاتبة جين ساسون كتابها الموسوم (ميادة ابنة العراق), الكتاب يحتوي على (463) صفحة من الحجم المتوسط , مزود بالصور للصحفية ميادة العسكري, الصور تخص سيرة حياتها خلال تواجدها في العراق مسقط رأسها حتى هجرتها نهاية تسعينات القرن الماضي.
       الكتاب عبارة عن مذكرات للصحفية (ميادة العسكري), عن الحقبة الزمنية التي عاشتها في العراق, وتاريخ عائلتها, وما تعرضت لهُ من اعتقال وتعذيب في سجون النظام البعثي السابق, فضلاً عن أن ميادة هي حفيدة الأستاذ ساطع الحصري من والدتها, فوالدتها سلوى ساطع الحصري , وحفيدة مؤسس الجيش العراقي في العهد الملكي جعفر العسكري لوالدها, ووالدها هو نزار مصطفى جعفر العسكري.
      للكاتبة جين ساسون عدة مؤلفات منها: (مغامرة حب في بلاد ممزقة), تمثل القصة الحقيقية لجوانا, وهي امرأة مناضلة من كردستان العراق, هربت من العراق بسبب سياسات النظام السابق القومية, كما صدر لها كتاب (إنه بن لادن), يمثل حياة بن لادن وكل شيء عنه لحال لسان زوجته وابنهُ, وصدر لها كتاب (سمّو الأميرة), وهو كتاب يمثل وقائع من قلب العائلة المالكة في السعودية وخفايا تمكنت من الظهور وأسرار معلنة, كما صدر للكاتبة جين ساسون كتاب(حلقة الأميرة سلطانة), وكتاب (بنات سموّ الأمير), وهي اعترافات خطيرة وحميمية لأميرة سعودية من العائلة الحاكمة. أّما كتاب (لأنك ولدي) فهو الكتاب الذي تابع امرأة أفغانية تبحث عن طفلها المفقود, و كتاب (طيار سمتية وطفل أسير), وأخيراً كتاب (ميادة ابنة العراق).
      الكتاب الأخير يمثل تاريخ حقبة حكم البعث والدكتاتور صدام حسين, وسلوك القوى الأمنية مع أبناء العراق ومع المعارضين سواء من الأحزاب المعارضة أو من المنتمين لحزب البعث, الكتاب يبين دور عناصر مخابرات صدام في تعقب وتعذيب المعارضين لهُ بشتى الأساليب والطرق الدموية, حتى لم يسلم من التعذيب مدير الأمن العام في النظام فاضل البراك, ثم التصفية الجسدية لهُ, وهذا ما نقلته من خلال الكتاب الصحفية ميادة العسكري.
      الكتاب عبارة عن مذكرات الصحفية العراقية ميادة العسكري وعلاقتها بالكاتبة جين ساسون, وما نال ميادة من يوم اعتقالها حتى يوم إطلاق سراحها بتوسط من المرافق الشخصي لصدام حسين (عبد حمود), تعرضت ميادة العسكري خلال الاعتقال لأبشع حالات التعذيب, مع العلم إنها كانت في وقت سابق قد أجرت لقاء مع رأس النظام صدام حسين وحازت على جائزة نقدية منه, وهو من المعجبين بكتاباتها وعمودها في الصحافة الرسمية العراقية, وكذلك لقاءاتها الصحفية مع مدير الأمن العام فاضل البراك المقرب لعائلتها, ولقائها الصحفي مع علي هاشم المجيد ( علي كيمياوي) ابن عم صدام حسين, كل هذا لم يشفع لها عند اعتقالها من مكتبها الواقع في شارع المتنبي.
      من خلال مذكرات ميادة العسكري التي نقلتها لنا الصحفية جين ساسون, تنقل لنا الكاتبة حال المعتقلات في سجن الأمن العامة الواقع في منطقة البلديات في بغداد, كان سبب اعتقالهن لأسباب واهية لا يتطلب كل هذا التوقيف والتعذيب, لكن خوف النظام وعناصر أمنه كان يتلذذ باعتقال السجينات واغتصابهن, حتى أصبحت عملية التجاوز الجنسي والجسدي للسجناء السياسيين في سجن البلديات.
      كانت الزنزانة رقم (52) في سجن مديرية الأمن العامة في البلديات تشهد حالات التعذيب بوسائل لا يطيقها الجسد والروح الإنسانية, اعتقلت ميادة العسكري في تموز 1999م, الاعتقال كان من خلال مفرزة أمنية يقودها مقدم الأمن(محمد جاسم السعدي) وزملاؤه, وسبب الاعتقال لمساهمة مكتبها الطباعي في طبع بعض كتب الأدعية الشيعية, فضلاً عن طبع بعض الجهات المعارضة للنظام منشورات تفضح النظام وقد تم توزيعها قرب مكتبها, ففي صفحة 36 ذكرت الكاتبة حول عملية الاعتقالات حيث قالت:"(في نظام صدام حسين, عندما يعتقل فرد من الأسرة تكون الأسرة كلها متهمة.. حتى الأجنّة في الأرحام)", كانت الزنزانة رقم (52) كما وصفتها ميادة :ذات رائحة عفنة جداً إلى حد أنني اعتقدت أن ميتاً مزمناً غطى أرضيتها الصغيرة", الزنزانة رقم (52) تضم مجموعة من المتهمات تجاوز عددهن (18) سجينة, ومن ضمن السجينات سمارة التي كان سبب اعتقالها هو تسجيل والدها اسمها باسم جدها, وبعد أن كبرت تزوجت بعمر مبكر جداً لرجل عراقي قتل في الحرب العراقية الإيرانية.
      كانت وسائل التعذيب في سجن مديرية الأمن العامة في البلديات حسب ما ورد في الكتاب في صفحة 64 , ذكرت ميادة:"حينما أمر المحقق مساعديه ليبدأوا بربطي وصاروا يشدوا وثاقي إلى الكرسي الذي جلست عليه... حالما وضعوا قطبي بطارية على كلتا أذني... وقبل أن أتمكن من المقاومة والاعتراض راح المحقق المهذب!! يفتح التيار الكهربائي ويغلقه. الألم الذي شعرت به اكبر من ألم الولادة, وكلما توقف الألم قليلاً أعاد تشغيل الجهاز مرة أخرى".
      كانت تهمة إحدى السجينات التجسس لصالح إيران, والجلادون في سجن البلديات لن يتوقفوا عن تعذيبها إن لم تعترف بكونها جاسوسة لإيران أو إسرائيل, بهذه التهمة سواء أكان ذلك تلفيقاً أم نتيجة التعذيب والخوف فهم سيعدمونها.
      وصفت ميادة العسكري صدام حسين من خلال مذكراتها في هذا الكتاب في صفحة 88 بأنهُ " الشخصية الكارزمية مقلداً (فيدل كاسترو) في حين كان يعمل بدأب في الوقت نفسه على تصفية خصومه داخل الحزب والدولة والمجتمع".
     في زمن النظام السابق نظام حزب البعث والدكتاتور صدام حسين, كان النظام يقوم بعمليات تصفية جسدية مع كل المعارضين من العراقيين, كانت تتم عمليات التصفية عشوائياً, من خلال متابعة الأحداث من خلال مذكرات ميادة العسكري, أجد لم تشفع لها مكانتها الصحفية من الاعتقال أو نسبها كحفيدة لجعفر العسكري, الرجل الذي أسس الجيش العراقي وكان من أشهر قادته, فضلاً عن أنها حفيدة ساطع الحصري مؤسس الفكر القومي العربي وقريبة نورس السعيد.
     في عراق البعث لا يشفع للبشر شيء أبداً, فالداخل لأروقة الأمن والمخابرات العراقية مفقود والخارج منها مولود, من خلال الكتاب تمكنت الكاتبة جين ساسون من سرد وقائع قصة الصحفية والكاتبة ميادة العسكري ونساء الظل السجينات اللواتي شاركنها زنزانة الأمن العام, وبحكم خبرتها الصحفية والأدبية نقلت لنا ميادة الصورة الحقيقية للحدث في ذلك الدهليز المظلم لأمن النظام, ليشعر القارئ بما حدث في تلك الحقبة المظلمة, وليعيش حياة السجينات المتهمات لحظة بلحظة.
      الكتاب يحتوي على الأسماء الصريحة والحقيقية للسجينات ولأزلام النظام وعناصر مديرية الأمن العامة, الكتاب حصد مبيعات هائلة في العالم أجمع, ولا تزال أحداثه تتفاعل بقوة في أوساط العراق كافة, وأصبح الشغل الشاغل على صفحات النت والصحف العربية والعالمية.