المحرر موضوع: رحلة.. ودرس من كوريا-1  (زيارة 798 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل خالد جواد شبيل

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 70
    • مشاهدة الملف الشخصي
رحلة.. ودرس من كوريا-1
« في: 08:58 12/06/2016 »
رحلة.. ودرس من كوريا-1
خالد جواد شبيل

 لا أريد لهذا الموضوع أن يكون مجرد عرض سياحي ولا أريده أن ينضوي تحت أدب الرحلات وحسب، إنما أن أكتب عن بلد تعرض الى احتلالات من قبل دول الجوار التي استضعفته، وما كان لَيسلم من حرب (أو ينتهي احتلال) حتى يبدأ بأخرى، فتاريخه سلسلة من الحروب التي مزقته وكان آخرها تلك الحرب التي شنها التوأم الشمالي، والتي استمرت ثلاث سنوات(1950-1953) أُزهِقت فيها أرواح كثيرة وسُفِكت دماء غزيرة وخُرِّبت ديار معمورة فاصبحت أنقاضا.. ومن ذا يتصور أن المتحاربين هم من شعب واحد وعرق واحد وقومية واحدة بل ومن موطن واحد يتكلم ابناؤه لغة واحدة ينطقونها ويكتبونها كأي شعب متجانس ثقافياً واجتماعياً وقوميا؟!!
 أريد أن أتابع الشطر الجنوبي واسمه الرسمي "جمهورية كوريا" والمتداول الشائع هو كوريا الجنوبية؛ زُرته ومكثت به بضعة أسابيع من شماله الى جنوبه ومن بحر شرقه الى بحر غربه وأنا منذهل وما زلت منذهلاً لما حققه من معجزات وكأني به الفينيق ذلك الطائر الأسطوري الذي ماانفك ينبعث من الرماد؛ فلعلنا نحن أبناء العراق المصطلى بالحروب نلتمس فيا ذلك درساً يُعتبَر وتجربة تُستلهَم...
****
تاريخ شبه الجزيرة الكورية تاريخ معقد ومتشابك بفعل الاحتلالات، التي يكون لليابانيين فيها حصة الأسد، إضافة إلى احتلال الصين للقسم الشمالي وكذلك منشوريا.. حتى أن  اسمها مرّ بعدة تقلبات من أقدمها مملكة غوغيوريو في القرن الأول الميلادي ثم في  القرن السابع الميلادي حيث كان التوحيد بين الدويلات المتشاحنة، وتمتعت كوريا بقوة وهدؤ نسبي لبضعة قرون، وفي هذه الحقبة تم ابتداع أبجدية الهنغول التي مازالت متداولة في عهد سيجونغ نسبة الى الملك العظيم في 1446م  الى أن رسا اسمها على كوريا في نهاية القرن السابع عشر إضافة الى اسم جوسيون الذي ظل شائعا عند الكوريين حتى يومنا هذا..
كوريا قبل الانقسام:
 لابد من مراجعة سريعة لتاريخ كوريا قبل الانقسام، ففي سلالة جوسيون اتسمت كوريا بقوة ومنعة أستطاعت خلالها المحافظة على استقلالها رغم المعارك الطاحنة مع اليابانيين الغزاة الذين أجبروا على التراجع بين الأعوام 1592 و1598 حيث التحم المدنيون والعسكريون للدفاع عن كوريا وقد نالوا دعماً من الصين عدوة اليابان اللدود. وفي الأعوام 1620 إلى 1630 تعرضت لغزو كبير وهذه المرة من منشوريا وبعد كر وفر في حرب عوان شهدت جوسيون نحو 200 سنة من السلم برز فيها الملك يونغ جو الذي يُعد باني نهضة كوريا الحديثة، التي شهدت قوة وانعزالاً عن العالم حيث لقبت ب " مملكة الناسك" ، وفي القرن التاسع عشر حاولت مملكة جوسيون ان تنأى بنفسها عن الغرب المستعمر واقتصرت العلاقة معه على العلاقات التجارية إلى أن تعرضت للغزو الياباني الأخير من 1910 إلى 1945 حيث أحتُلت وضمت إلى اليابان..
الحرب والانقسام:
 مع مؤشرات رجحان كفة الحرب لصالح الحلفاء وبودار انهزام دول المحور وبداية احتدام الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة التي اصيبت بقلق شديد نتيجة تعاظم قوة الاتحاد السوفيتي ودعمه لشعوب العالم المتطلعة للاستقلال وبروز الكفاح المسلح في كوريا بقيادة الشيوعي كيم إيل سونغ المناضل العتيد ضد اليابان من أجل الأستقلال والمدعوم من قبل الصين والاتحاد السوفييتي واشتداد الصراع بينه وبين عدو الشيوعية سونغ مان ري عميل أمريكا ورجلها المفضل، عقد لقاء القاهرة بين الأطراف المتنازعة عام 1943 الذي يبحث الشأن الكوري بعد الاحتلال الياباني، ولم تفلح جهود التوحيد بل أصبح الانقسام الى شطرين واقعاً عام 1948.
وهكذا أصبح كيم أيل سونغ رئيسا للوزراء في كوريا الشمالية في ايلول/ سبتمبر، والتي اصبح اسمها الرسمي كوريا الشعبية الديمقراطية، وبعد أقل من شهر اعترف بها الاتحاد السوفييتي واعترف بكيم أيل سونغ رئيساً لكل كوريا (بشطريها).
أما عين أمريكا ويدها سونغ مان ري المعروف بتسلطه فأصبح رئيساً للحكومة المؤقتة في كوريا الجنوبية  ثم فاز في أول انتخابات للجمهورية المعلنة حديثاً في شهر ماي ، اي هو الذي اخذ زمام المبادرة قبل كيم إيل سونغ! ومن المعروف أن أنصار الشيوعية يومذاك في الشطر الجنوبي يشكلون قوة حقيقية على خلاف الشطر الشمالي حيث كان المقاتلون من جميع أنحاء كوريا! ما جعل نتائج الانتخابات مشكوك بها، حيث قاومها الشيوعيون في الجنوب لاسيما في جزيرة جيجو.. وهكذا أصبح كل حاكم في كل شطر يلاحق ويضطهد أنصار الشطر الآخر!
الحرب:
 إزاء هذه التطورات وقمع الشعب في كوريا الجنوبية المناهض والمقاوم لحكومة سونغ مان ري، والمطالب بالوحدة قامت كوريا الشمالية ذات الإعداد العسكري المتفوق بشن حرب تهدف الى إسقاط سونغ ري وتوحيد الشطرين في 25 حزيران/ جونيه 1950 وهكذا اندلعت شرارة الحرب التي دفع نحوها قطبا الحرب الباردة، وقد قاطع الاتحاد السوفييتي الأمم المتحدة ليفوّت حق النقض على امريكا وحلفائها، وهكذا تدخلت الأمم المتحدة لصالح الجنوب ، وكذلك الولايات المتحدة ، بينما دعم الاتحاد السوفييتي والصين الشمال، لقد استمر الحرب لمدة ثلاث سنوات وراح ضحيتها 3ملايين شخص من الطرفين وأكثر الضحايا من المدنيين..ناهيك عن المعطوبين والدمار الشامل الذي لحق بالشطرين...وهكذا تم توقيع اتفاقية الهدنة في 27 تموز يوليو 1953 بإشراف الأمم المتحدة .. وإقرار بشريط الهدنه DMZ.
زيارة DMZ:
وهذه الأحرف الثلاثة تشير الى   Demilitarized Zoneوتعني المنطقة المنزوعة السلاح أو اللاعسكرية. وهي عبارة عن شريط رسم حيث توقفت الحرب أو حيث هدنت، بين الشطرين بعرض 4كم يتوسطها خط عسكري مرسوم يمثل الحدود الفعلية حيث لكل جانب منه كيلومتران، أما طول الشريط فهو 250كم.
 

تنظم السفر مؤسسات سياحية ويجب الحجز مسبقاً.. يبعد هذا الشريط حوالي ساعة وربع الساعة عن سيؤل بالحافلة السياحية مع دليل. ويتم تسجيل أسماء الزائرين وجنسياتهم، وهكذا عرفت أن معظم المسافرين من النساء ومن جنسيات آسيوية مثل اليابان والصين وتايوان والفلبين وكذلك استراليا .. والقليل جدا من الأوربيين مثل اسبانيا وفرنسا وأنا كنت العربي الوحيد! ولا شك إن مثل هذه السفرات لا تنطوي على جانب مبهج أو ترفيهي رغم جمال المنطقة، فأكثر ما تجذب المهتمين بالسياسة أو ما يتعلق التاريخ السياسي المعاصر، كانت نسبة الصحفيين والمدرسين والطلبة هي الغالبة..يبلغ عدد الزائرين سنوياً بحدود خمسة ملايين أكثرهم الكوريين والآسيويين. أفاضت الدليل بمعلومات جيدة عن الفرق بين الشطر الشمالي والجنوبي وقالت أنها من أصول شمالية، ونوهت بالشماليين واجتهادهم حتى أنهم ساهموا بفعالية في بناء الجنوب مثل شركة هونداي العملاقة حيث صاحبها شمالي وقالت لا فرق بين الناس قط بالمظهر إنما في اللهجة حيث لهجة الشماليين ذات نبرة عالية وتكلمت عن العوائل التي نصفها في الشمال والآخر في الجنوب، وكانت لا تترك فرصة لشرح المعالم التأريخية التي تواجهنا بما لاتجده متوفراً في المدونات!
بعد نحو أربعين دقيقة بانت الحدود بين الكوريتين، من ناحية الشمال الغربي حيث نهر إمجين الحد الفاصل وسياج عال من الأسلاك الشائكة، صعب الاختراق، لاتجد في النهر أي حركة لقارب أو لصياد! من الضفة الأخرى تبدو قرى كورية شمالية يطلق عليها بالقرى الزائفة أو قرى الدعاية حيث هي مجرد بيوت تظهر للرائي واجهاتها ولكنها حسب الدليل غير مسكونة فلا سيارة ولا دراجة ولا إنسان يمشي بل حتى المداخن لا دخان يخرج منها!
المنظر خلاب لذا أقامت حكومة الجنوب ببناء متنزه وفندق لأجل محو صورة الحرب وإضفاء شيء من الحياة المدنية ولكن جنة من غير ناس لا تكون جنة! ومع ذلك فهو يُشغل من قبل ضيوف رسميين على الأغلب.عبرنا جسراً اطلق علية جسر الوحدة. ثم قرية حديثة مكان القرية التي محتها الحرب سميت قرية الوحدة.
توقفنا حيث قطار بقي في مكانه وقد أبيد ركابه وكلهم من المدنيين لا سيما النساء والاطفال. هناك منصة لمشاهدة الجانب الآخر حيث السكون المطبق.. هناك نصب للسلام ولوحات رسمها رسامون من مختلف العالم تنشد الحب والسلام،  ثم انطلقنا نحو النفق الثالث فما هي حكاية الانفاق؟!
الأنفاق وزيارة النفق الثالث:
 كان العام 1974 هو عام المفاجأة لكوريا الجنوبية، ففي اليوم الخامس عشر من ت2/نوفمبر اكتشف مراقبون عن طريق الصدفة بخاراً ودخاناً يخرج من الأرض، وبعد خمسة أيام كانت المفاجأة وعندما أعلنت الخكومة الجنوبية عنه رد الشماليون أنه منجم للفحم، ولم يوجد فحم إنما بقايا ذخيرة محترقة!! لذا سارع الشماليون بصبغ الأنفاق غير المكتشفة باللون الاسود لإعطاء منظر هباب الفحم (الانثراسيت).. وكان هذا النفق هو الأول يسع لمرور 200 جندي في الساعة، كان ارتفاع النفق1.2م يمتد لكيلومتر واحد موجه من الشمال الى الجنوب نحو سيؤل!
وهكذا بدأت الاكتشافات تترى وفق السنوات التالية:
الثاني في 19 آذار/مارس 1975عمقه يتراوح بين خمسين الى مائة وستين مترا طوله بنفس طول الأول بأبعاد 2في2م.
الثالث في 17ت1/ اكتوبر 1978 ولا يشبه النفقي السالفين طوله 1600م وبعمق 73م .
الرابع في 3آذار/مارس عام 1990 أبعاده 2في2م وبعمق 145م. وهو مماثل للثالث.
والثالث هو الوحيد الذي يسمح بزيارته، لذلك ذهبنا الي بناية تابعة له تحتوي مقهى ومطعم وصالة عرض أفلام وصالة عرض صور ووثائق.. لم يكن الفلم طويلاً بل لعشر دقائق رحمة بالمشاهدين ولكن هذه الدقائق العشر مرت طويلة مرعبة بكل ما تحمل من معنى لما تضمنته من أهوال لا أريد وصفها؛ يكفى أن الناس بعد انتهاء العرض كلهم في بكاء صامت والدموع منهمرة على الخدود!
ثم انتقلنا إلى صالة تفضي إلى النفق تركنا كل حاجاتنا في صندوف يقفل وإعطي الراغبون بالنزول خوذة لحماية الرأس، ورقماً يعلق بمثابة هوية، ولكون التصوير ممنوعاً استطعت ان أختلس صورة مرتبكة.. ربع مجموعتنا امتنع عن النزول، وهكذا نزلت، كان النزول بعمق 73م والمشي لمسافة 650م ، لولا الخوذة لما سلم الرأس من الصدمات بالسقف، كنا نمشي أكثر المسافة منحنين! هو مضاء وأرضه مبلطة على الأغلب ولا يشبه أنفاق كوجي في فيتنام حيث قطعت 50م أزحف على أربع وكدت اختنق، وما زال منظرها يأتيني في المنام ككابوس خانق! انتهينا الى باب حديد مغلق حيث الجانب الشمالي، رجعنا والرجوع أصعب من النزول والجو رطب وبارد في النفق! استغرق النزول 20 دقيقة والصعود 30 دقيقة.
انتقلنا الى زاوية أخرى وعلى منصة لمشاهدة كوريا الشمالية، شاهدنا معملاً للملابس شيدته حكومة الجنوب كهدية للشمال في زمن كيم جونغ أيل الذي كان من دعاة التقارب، وكذلك معملاً للمواد الغذائية تبرعت به هوينداي، ومشاريع إنمائية من لدن الجنوب لمساعدة الشمال لكنها جميعاً قد اغلقت مع مجيء الشاب كيم جون أون المتشبه بجده كيم أيل سونغ!


وقبل أن افرغ من الموضوع، يدور سؤال: هل هي هدنة محترمة من الجانبين؟
لا ، بل (كلا)، فالاختراقات قد تكون عفوية كا حصل عام1976 حيث كان أحد المراقبين يقلم شجرة بالفاس فاشتبه به الطرف المقابل وبودل اطلاق النار وهي حادثة 1976  التي راح ضحيتها مراقبان ساميان مو القوات الدولية! والحادثة الثانية عندما فرّ لأحد ضيوفي كوريا الشماليه السوفييت واخترق خط الهدنه فحدث صدام كبير في 23 ت2 نوفمبر عام1984وراح ضحيته جندي جنوبي وثلاثة شماليين.. وهذا غيض من فيض...
خالد جواد شبيل
الفاتح من حزيران 2016 رام كم هنغ