المحرر موضوع: بربارة وحظية  (زيارة 621 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سمير القس يونان

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 140
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
بربارة وحظية
« في: 17:32 10/02/2017 »
بربارة وحظية
                           
بقلم سمير القس يونان
 بيروت في 9  شباط  2017
  لا شك ان الحياة في العراق زاخرة بالغرائب والعجائب فعنده لا مستحيل وما ليس في الحسبان يكون في البيان..مفارقات ومنابزات نتعثر بها كاننا نتعثر في صخرة صغيرة مئات المرات كل يوم لما للعراق من مناخ مؤاتي لكي سيء وقذر ولا اثر لاية مسحة من الشعاع والامل والسلام..قصتنا تجسد الواقع الذي فرض على وطننا الذي تقاذفته امواج الكراهية والثيوقراطية والتوتاليتارية والطائفية..مجتمعنا ورغم الرياح العاتية لا زال محتفظا ببعض مما ورثه من اجداده في التعايش السلمي وحبه للتركيب الموزائيكي الذي اشتهر به عراقنا العزيز..الصورتين قائمتين في طرحنا هذا ولنلج الى اليم تارة نرتوي من ماءه المالح الذي لا يٌروى منه واخرى نركبه ليقلنا الى البر الامين..قبل ايام زرت مع عزيز لي الاخت الضريرة(عمياء)بربارة يوسف اسرائيل ذات ال68 سنة من منطقة ديري وكوماني القريبة من قضاء العمادية في شقتها في منطقة الفنار في لبنان...بربارة هذه ولدت من بطن امها ضريرة وعاشت ضريرة واغلب حياتها قضتها في كنف اخيها الذي سكن بغداد منطقة الدورة...توفى اخوها قبل عدة سنوات وتعهدت زوجته المسنة والمفعمة بالامراض بحمايتها والعيش معها..اضحت زوجة اخاها عاجزة في ادارة حياتيهما بل ادارة نفسها فقررت زوجة الاخ ترك بغداد والرجوع الى ديري وكوماني حيث لديها اهل واقارب لتقضي بقية ايام حياتها في كنفهم..كانت بربارة مشكلة في مشروع زوجة الاخ في ترك بغداد،ناقشا الامر مع بعضيهما علهما يتوصلا الى حل يرضيهما..اتفقتا ان يفاتحا جيرانهما المسلم الشيعي الطيب حسين وزوجته حظية وبناتهم اللذين تربطهما   بهم علاقة لها من الوشائج والمتانة ما يثير الجل والعجب..في احد ايام من شهر تشرين الثاني من سنة 2014 فاتحتا العائلة المسلمة الطيبة الفقيرة والمظلومة كونها عائلة شيعية تعيش في منطقة الدورة السنية..حسين رب الاسرة مريض(شلل نصفي)ولديه ثلاثة بنات احداهن لديها تلف في خلايا الدماغ والذي ادى الى اصابتها بالصرع والعائلة بمجملها تعيش حالة عوز وفقر مدقع..لم يكن مقترح بربارة واختها مفاجئا ولا ثقيلا على حسين وعائلته فوافقوا في الحال دون أن يفكروا بالامر مليا وقالوا:لتكن واحد منا فحينما نجوع تجوع وحينما نموت تموت هي قائلين لاخت بربارة:اذهبي وسنكون اهلها وسنكون عند حسن ظن خالقنا وظنكم..سافرت الاخت الى الشمال وانقطعت اخبارها اما بربارة فجاءت الى بيت حسين ورتبوا البيت وجعلوا لها سرير مناسب وهيئوا لها كل مستلزمات حياة انسان ضرير..عانت الاسرة الامرين،عانت المرض وشحة الدخل المادي وعانت التردي الامني والقتل على الهوية والاثنية المقيتة التي احتلت ضمير ووعي الناس..استمر الحال على هذا المنوال حياتهم ملئها هم وغم ووبال الى ان جاء بداية شهر حزيران من 2016 عندما قامت احدى العصابات التكفيرية وهي كثيرة تسيطر على الساحة لا تمت بالانسانية شيء بتهديد الاسرة علنا ودون خجل بوجوب وفرض طرد المراة النصرانية الضريرة وبعكسه ستختطف بناتهم وقتلهم..للضريرة اخ مقيم في كندا،اتصلت بربارة به موضحة له ما جرى لها من تهديد بالطرد والموت والموقف المشرف والشريف لعائلة حسين حيث الخطر محدق بهم بسببها..اقترح الاخ المقيم في كندا ضرورة مغادرتهم لبغداد بل العراق كله في الحال وهو سيساعدهم بكل ما اؤتي له من قدرة،غمرتهم السعادة عندما سمعوا كلام الاخ وقاموا بالاستعداد لذلك وكانت الخطوة الاولى مغادرة بربارة بغداد مع(علا)احدى البنات الثلاث متوجهتان الى اربيل للتخلص   


من سطوة الكلاب اولا وثانيا لاستصدار جوازات سفر لهما..في بغداد بقية الاسرة عملت جاهدة وبمساعدة بعض المتنفذين استطاعوا الحصول على ارواق السفر وهموا بتصفية وبيع ما يملكون واضعين قرشا فوق قرش ليقيهم عوز وبرودة وجفاء الهجرة والتناثر في الاصقاع..خلال اسبوع كانوا مستعدين للسفر ومغادرة العراق دون رجعة ليتخلصوا من وطنيتهم التي اضحت عبئا ثقيلا في زمان التكفير والتعصب والتقهقر الوطني والانساني والفكري..غادر حسين وحظية والبنتين الى اربيل ليلتقوا ب(بربارة)وعلا ومن هناك حجزوا ليطيروا الى بيروت ويحطوا في مطار رفيق الحريري في 25/6/2016..استطاعوا العثور على شقة تاويهم ومن الطبيعي لكل مهاجر ان يلاقي صعوبات عديدة وجسيمة في الايام الاولى لكن وبمرور الايام تُذَلْ الصعاب..اثناء ذلك اتصلوا باخ بربارة في كندا لكن لا جواب في الطرف الثاني من المحيط،تكررت المحاولات دون فائدة..تسلل الياس والخوف الى الاسرة المنكوبة والمجتمع القاسي لا يدرك مشاعرهم النائحة حسرة والمرمدة في موقد حزن خبت ناره..ها هي النخلة تذوي والشمس تلفحها والنسغ في ري الارض يكف عن امدادها بما يروي الغصون والاوراق..هذا حسين يسحب رجله اليمنى خلفه بسبب شلله وبربارة تتعثر باثاث الشقة لانها ضريرة والبنت تنتحب وتتاوه وتصرخ وتتلوى لانها مصابة بالصرع والجيوب خاوية وحظية تنظر بعين الحيرة والريبة ماذا تفعل بهؤلاء ولا حول لها ولا قوة..لوحات انسانية رسمت بفرشاة قاسية ودهون سوداء لا يرى منها الا البقع التي لم تصلها الاصباغ..ان هناك في الاعلى من لا يحسون لا يستشعرون ما يعانيه الذين في الادنى وان طبقية حياتنا وافتراقنا بين سيد وعبد واسود وابيض ستظل تحول دون قيام الاسرة والمجتمع المنشود..ونقول:الشمس في هاجرة الجحيم لا تخترق السحب لكنها وبطريقة ما ترسل شواظها الى قلوب اقتلعت من محاجرها عنوة واصبحت تعيش في غير قفص..قمنا بزيارتهم وكان لقاء احرق ذؤابات الحقل وشذب اضافرا ناتئة مسننة اوجدت لتنهش بالاجساد واعادتنا الى نقطة غير موجودة في دائرة الحياة عندما ساد صمت رهيب كما في محكمة تلفظ حكما بالاعدام..التقينا بانفس لا تعرف ماذا تريد لانها فقدت موقع القمر والشمس فكيف تستدل موقع الميزان والثريا..وبزيارتنا لهم انداحت مع المفاجاة امائر للراحة في قسماتهم كمن لقي فرجا بعد ضيق شديد وراينا في عيونهم حزنا عميقا يحيل الوانها الى احمر اما البياض فقد تزجج..ساعدناهم بكل طاقتنا وعملنا لهم استمارات المجلس الرعوي واخرى بتوفير الادوية المتيسرة..ودعناهم على امل زيارتهم مرة اخرى ومحاولة ايجاد منافذ اخرى تساعدهم وتمسح جزءً من دموعهم التي  يبست في المحاجر لتصبح حصاة بلورية كاوية تسد مجرى الدمع..انها حالة من حالات افرزتها الطائفية المقيتة المرذولة البائسة في مجتمعنا في الوقت نفسه لا زال نبض المحبة والتآلف والتجانس القديم باقيا ولو عند قلة قليلة فقصتنا تجمع الاثنين معا..لقد نسى الظلاميون ان النور قد يرتجف لكنه لا ينطفئ وان الليل يعقبه نهار.........