المحرر موضوع: الكلداني بين مذهَبينْ  (زيارة 970 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سـلوان سـاكو

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 388
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الكلداني بين مذهَبينْ
« في: 00:03 04/03/2017 »
الكلداني بين مَذْهبَيْنِ 
تشتتَ الكلدان في جميع أصقاع العالم ، خاصة بعد عام 2003 وسلسلة الحروب الطويلة والمستمرة الى اليوم، والتي سوفة تستمر الى أمداً بعيد. سافر وهاجر وهُِجر الكثير منهم، من كان طوعاً ومن كان بالاكَراهَ. في هذا الترحال التراجيدي المرير والشاق والمتعب، ظل الكثير مِّنْهُم ملتزم بطائفته وبعقيدته ومذهبه الكاثوليكي لا يحيد عنهم، ممارساً شعائره الكنسية الكلدانية إين ما وجد وفِي آي مَكَان، وهؤلاء كُثر بطبيعة الحال. ومنهم أيضاً من أخذته الأفكار  بعيداً  فابتعد عن محيطه ونعزل عن القطيع فأبحر مع الأمواج العاتية وذهب بعيداً، فبتعد رويداً رويداً عن منارة الإيمان. ومنهم من سَار وراء مذهب ديني مُغاير يبحر فيه بزورق من ورق،  وهم أيضاً كُثر، وهذا هو موضوعنا هذه المرة.
لو سئلتَ شخصً ما يتردد على الكنسية الإنجيلية في أمريكا أو استراليا أو كندا، ذوُ خلفية كلدانية ماذا تعرف عن هذا المذهب، وماذا تعرف عن عقائدهم  وطقوسهم، لجوابك  فوراً وقال  سهولة إصال كلمة الرب الى المستمع آي الشعب، التراتيل والمزامير الجميلة والمفعمة بالحب والإيمان ،البرامج الترفيهية ، موسيقى ، سينما ،مسرحيات ، سفرات عائلية، بالايضافة طبعاً الى الشاي والقهوة والوجبات الخفيفة. بمعنى أوضح يقول لك، لا يوجد تعقيد في الطرح الديني ، وسهولة شرح النصوص الإنجيلية، عدم التوغل في الماديات وطرح جدلية الاشتراكات والتبرعات والعشور والزكاة والتي أمست مشكلة الكنيسة الكلدانية خاصة في دول المهجر على حساب الكلمة والموعظة الهادفة، لأن ليس كل ما يُقال من على المنِبر هو هادف، والاهم من ذلك هو إشراك الشعب في الصلاة وليست محصورة بين الكاهن والشماس والباقين مستمعين، وهذا يدخل في نطاق الجذب والنفور للنَّاس. ولكن السؤال المحوريّ المطروح  ماهو مذهب الكنيسة الإنجيلية ، والاهم من كل ذلك ما موقفهم من حزمة العقائد الإيمانية ودرجة تمسكهم بِه، فيقف هذا المتحول حائراً بين هذا التخبط لا يُجدي جَوَاباً. وهنا لا بد أن أعطف قليلاً على موضوع  الجٌمل والدلالات اللفظية والعبارات المزدوجة ذات الطبيعة المغُايرة ، التي نظن أنها تعني عبِارة صحيحة لانها أضحت مترسخة  في اللاوعي ومع التكرار أصبحت شيء طبيعي، وَلَكِن في الحقيقة تعطي مدلول أخر تماماً، فمثلاً حين نصف فُلان أنه نبيه وذكي وعبقري نقول عليه انه شاطر، ويغيب عنا المعنى الأصلي للكلمة التي تعني لصْ أو ماكر، ومجموعة شَطار تعني مجموعة لصوص. أو سارت العادة أن نكتب في بطاقة التهنئة عبارة بالرفاه والبنين ، التي يذهب بِنَا الظن أنها جاءت من الرفاهية وعلوَّ الشأن وهذا غير صحيح قطعاً  فالصحيح هو بالرفاء والبنين وأصل كلمة رِّفاء دعاء للمتزوِّج بالالتئام والاتفاق وجمع الشَّمل وإنجاب البنين ،والرفاء هو التفاهم بين الزوجين وان يكون لهما افكار متقاربة، وقس على ذلك الكثير من المصطلحات التي لم نضبط دلالاتها المعرفية فأصبحنا نتخبط في لغوَّ من الأخطاء الكثيرة والتي أصبحت مع مرور الوقت من المُسلمات والبديهيات.   
أولاً الكنيسة الإنجيلية التي نحن بصددها، هي على المذهب البروتستانتي، والمذهب هو مجموعة الآراء والأفكار التي يراها أو يعتقدها إنسان ما، حول عدد من القضايا منها الدينة والعلمية والسلوكية والفلسفية، أرتبط بعضها ببعض أرتباطاً يجعلها وحدة منسقة، والاسم   هو البروتستانت، وليس البروتوستانت أو (البروتوستانتية) كما يخطئ البعض ويقول. والكلمة أصلها الإنجليزي هو: Protestant من كلمة Protest أي يعترض، فيصبح المعنى هو المعترضون أو المحتجون،يُطلق عليهم أيضًا الطائفة الإنجيلية، أو الإنجيليون (الإنجيليين). قام بهذه الحركة الإصلاحية الكبيرة من مارتن لوثر (1483-1546)، الذي كان راهبا أوغسطينيا، ومُدرِّساً للاهوت وحاصل على شهادتي دكتوراه في أصول الدين والكتاب المقدس، على أثر خلافات عديدة مع البابا ليون العاشر وأمنة سر الفاتيكان ، فأعلن عن مجموعة إصلاحات نشرها في عام 1517،والمؤلفة من خمس وتسعين نقطة تتعلق أغلبها بلاهوت التحرير وسلطة البابا في الحل من "العقاب الزمني للخطيئة، وصكوك الغفران. لا يتوانى المؤرخون عن الإشارة إلى جون كالفن (1509-1564) وهولدريخ زوينغلي (1484-1531)،  الذين أضافا الكثير على الحركة اللوثرية.  يتوزعون البروتستانت بالمجمل على ثمان عائلات ،وهي الأدفنست أو السبتيون، لوثرية، الإنجيلية،  والأنجليكانيّة، والمعمدانيّة، الكالفينية ، الميثودية، والمورمون. هذا هو الإطار العام لحركة الإصلاح الدينية ،ولكن يتسائل الكثير من الناس ما هو الفرق اللاهوتي والعقائدي بين المذهب الكاثوليكي والبروتستانتي ، وما سبب رفض الأخير للكثير من المعتقدات.
 يعتقد  البروتستانت مثل الكاثوليك بانبثاق الروح القدس من  الآب والابن وهذه العقيدة هي عقيدة التثليث ، من أقانيم الله الواحد، مع أقنوم الله الآب وأقنوم الله الابن ، وهذا شيئ أساسي وجذري وجوهري في العقيدة ومهم جداً. والاقنوم مشتق من السريانية قنوما وهي إحدى طبائع الله، تحمل عدة معاني ، طبيعة ، ذات، كيان، ماهية.
لا يعترف البروتستانت بأسرار الكنيسة السبعة وإن وجد عندهم شيء من ذلك، لا يسمونه سرًا. مثال ذلك، يوجد زواج  عندهم، ولكنه مجرد رابطة أو عقد بين اثنين، وليس سرًا كنسيًا. توجد عندهم معمودية ولكنها ليست سراً كنسياً، ويسمونها فريضة، ولا يؤمنون بكل فاعلية المعمودية، ولا علاقة المعمودية بالولادة الجديدة، وبالتبرير وغفران الخطايا، وهكذا تتحول المعمودية في البروتستانتية إلى اسم بلا مفعول، وكأنها أصبحت مجرد علامة أو مجرد طقس، بينما هم لا يؤمنون بالطقوس. ومع كل ذلك ليس كل  البروتستانت إيمان واحد في المعمودية، فمنهم من يوافق على معمودية الأطفال، ومنهم من يوافق أن المعمودية يجب أن تتم  بالتغطيس، مع أختلافات أخرى مُتشعبة في بعض الأحيان.
لا يقبلون الكهنوت، فهم إما ينادون بكاهن واحد في السماء وعلى الأرض، هو يسوع المسيح، دون أي كهنوت للبشر، وإما أن يقولوا إننا جميعًا كهنة، ولا فارق في ذلك بين إنسان وآخر، ومن يدعى (قسًا) من الطوائف البروتستانتية، لا يقصد به أنه كاهن، إنما هذا لقب يعنى عندهم أنه خادم أو راع، أو معلم، وليس كاهنًا يمارس الأسرار.
البروتستانتية ضد الطقوس، وبالتالي لا يعترفون بأية ليتورجيات كنسية ( صلوات طقسية).                                 
لا يؤمنون بالاعتراف ، ونقصد عدم إيمانهم بالاعتراف على الآباء الكهنة من جهة، لأنهم لا يؤمنون أصلًا بكهنوت البشر، ومن جهة أخرى، لأنهم يرون أن الاعتراف على الله مباشرة دون وساطة بشرية، ويتبع هذا طبعًا، أنهم لا يؤمنون بالتحليل الذي يقرأه الكاهن على رأس المعترف، ولا يؤمنون بسلطان الحل والربط جملة.
في البروتستانتية لا توجد قداسات، ولا ذبيحة إلهية، ولا يؤمنون باستحالة الخبز والخمر، إلى الجسد والدم الأقدسين، وهكذا لا يوجد تناول من هذه الأسرار المقدسة، وكل ما يفعلونه لتنفيذ وصية الرب (أنجيل لوقا 22:19) هو احتفال في بعض المواسم، فيه كسر الخبز، لمجرد الذكرى، ويدعون ذلك فريضة وليس سرًا كنسيًا.وهكذا فأنه لا يوجد مذبح في الكنائس البروتستانتية، لأنه لا توجد ذبيحة...يستثنى من ذلك الأنجليكان (الأسقفيين)، فعندهم مذابح وقداسات، ويؤمنون باستحالة الخبز والخمر إلى الجسد والدَّم.
لاوجد لنظام الرهبنة، إلا عند الأرثوذكس و الكاثوليك، أما الرهبنة فلا وجود لها في البروتستانتية، وكل رتب الخدام متزوجون. لا يؤمنون بشفاعة الملائكة، ولا العذراء، ولا القديسين، ولا شفاعة الموتى في الأحياء، لا وساطة إطلاقًا بين الله والناس. وهذا يقود إلى نقطة أخرى وهى، لا إكرام للملائكة ولا للقديسين، فلا يحتفلون بأعياد القديسين، وهذه  تقود بدورها إلى محل أخرى أبعد وهى عدم الإيمان والاعتقاد بوجود صور وأيقونات في الكنيسة، ولا بإيقاد شمعة أمام صورة أحد القديسين، ولا بنذر ينذر على اسمه، فهذا نوع من طلب شفاعة، وهم لا يؤمنون بالشفاعة.
لا تبنى كنيسة على اسم ملاك، أو شهيد، أو قديس، ولا تتسمى باسمه، إنما قد تتسمى الكنيسة، باسم المدينة نفسها التي فيها الكنيسة ،  مثلاً كنيسة أرض الملجأ أو الكنيسة الإنجيلية  الوطنية ... الخ.
لا يؤمنون بدوام بتولية العذراء ، بل يعتقدون أنها تزوجت بيوسف النجار، وأنجبت منه بنين، عرفوا باسم "أخوة يسوع" (إنجيل متى 13: 55، 56). ولا يكرمون العذراء، وكثيرًا ما يلقبونها باسم "أم يسوع"، ولا يوافقون على عبارة "الممتلئة نعمة" (لوقا 28:1)، بل يترجمونها "المنعم عليها"، وينكرون صعود جسد العذراء إلى السماء، الأمر الذي يعتقد به الكاثوليك ، ولا يحتفلون بأي عيد من أعياد السيدة العذراء.
 ينكرون الأبوة الروحية ،فلا يدعون أحدًا أبًا، ولا قسًا، ولا أسقفًا، معتمدين على فهم خاطئ لقول السيد المسيح للآباء الرسل: "لا تدعوا لكم أبًا على الأرض" (متى 9:23).
عقيدة الاختيار ، وفيها يؤمنون بعقيدة وَهِي، اختيار الله البعض للخلاص، منذ الأزل، وعلى مبدأ النعمة المطلقة، وعلى مبدأ سلطان الله المطلق. وكما يقولون: "أن الله بمجرد مسرته قد اختار منذ الأزل بعضًا للحياة الأبدية... فرز الله لبعض من الناس، وتعينهم بالقضاء الإلهي للحياة الأبدية.
كثير من المذاهب البروتستانتية، تؤمن باستمرار موهبة الألسنة، ويعتبرونها دليلًا على الملء بالروح، أو دليلًا على قبول الإنسان للروح القدس، والبعض يقبل وجودها، وانتشارها، ولزومها، ولكن ليس للكل. تتميز تعاليمهم بالمطلق بالتشديد على المعنى الحرفي لنصوص الكتاب المقدس، الذي يعتبرونه المصدر الوحيد للإيمان المسيحي.
 أخيراً كانت هذه بعض الإيضاحات  السريعة، سلطنا الضوء فيه على أهم ما يحيط بالمذهب البروتستانتي، مُتجاوزاً بذلك اللغوَّ الفارغ متحكما بالعلم والمراجع، لكي تصل الفكرة بشكل واضح ومُبسط. 






المصادر :-
الكتاب المقدس
 اللاهوت المقارن، قداسة البابا شنوده الثالث  (1923-2012) / كتاب.   
الألفاظ والاساليب : مجمع اللغة العربية/ القاهرة.
الموسوعة الميسرة، والموجز في الأديان والمذاهب المعاصرة.