المحرر موضوع: بقايا الظلام/ من أدب النزوح / بهنام عطاالله  (زيارة 995 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1471
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
من أدب النزوح
بقايا الظلام
د. بهنام عطاالله 
                                 
في تلك الليلة ومن خلف النافذة
كنتُ أعلك مرارة النزوح والتشرد
أرصد  جموع  البشر
أحنط  فصولي في علبة الوقت
وهي تتجه نحو حافة الألم
في ليلة دامية سوداء
أجساد منهكة تكدست في العربات
أما أنا فكنتُ ألتمس البقاء
سقطت كل الأيام من مفكرتي
وما تبقى من هذيانات الساعة
التي ما زالت عقاربها  تدور بلا جدوى
الشهوات المريرة لن تتخلى عن سخامها
انها تتلمسُ ركام الأحلام ولغط التماعاتنا
حتى يتبرأ الغسق من بقايا الظلام ويدخل
في ُعتمة المتاهة
ليجرجر شهوة ليلي
عاريا يتدحرج جسدي
فوق منحدرات تعسة تتدثر بلعاب شفاهي
ونشيج الجسد النابض من عيون امرأة
ثكلتْ صغيرتها (كرستينا) عنوة في طريق النزوح
هي ما زالت تتجذر في كومة ليل
حيث الأصابعُ البلهاء تزحف
تسرقُ عورات المهرولين بإتجاه النور
تاركين خلفهم  ظلام المغول
          *  *  *
هو نسي كل شيء
لم يحمل معه إلا كرامته وبقايا ملابس صيفية
هو من فقد هوية الأحوال المدنية
جواز سفره / بطاقته التموينية
وغدا ً ربما سيفقد الى الأبد جنسيته العراقية
إنه يحلم بدقات نواقيس الكنائس
في القصبة القديمة من (بخديدا)
أيام الآحاد والأعياد والسعانين
لم يتذكر إلا زقاق صِباه
وعدد من أرغفة الخبز الحارة المنثورة
على تنور جدته في محلة (مرحانا)
ترك كل شيء على حبل الغسيل
تاريخه المدون بتأزميل...
رفض كل شيء
رفض تلك الوجوه الكالحة
      *   *    *
في مقهي (دركا)1  دخن لأول مرة سكائرَ الغربة
عانق هواء الدهشة وعلامات الإستفهام
المتقافزة أمام عينيه وهو يتساءل عن موعد
عودته التي لم تتم إلا بتوقيع من أمريكا وربما بصمتها
عودته إلى الأزقة المتربة والمشروع الفاشل
الذي أصبح اليومَ  ناجحا ً رغما ً عنه
حدائقُنا التي لفظت خضرتها / زجاج نوافذنا
حفيدي (ساندرو) ولعبه التي لم يرتوي منها
مهاده الخشبي وهداياه يوم العماذ
     *   *   *
هذا عزاءُ عمرنا
نعم هو ما تركناه للهو يوماً أخذتموه
لقد نفضنا كل شيء..نفضنا غباره العالق
في أحذيتنا ..
هذه حدائقُنا تركناها لكم
ولكن زهورها بقيت مغروسة في قلوبنا
وهذا الآس سنتوجه إكليلا  فوق هاماتنا
فمن يفتح لكم قلوبنا بعد الآن
من يفتح لكم أبوابنا...
   *   *   *
لن تنحني تلك القامات
سيبقى ظلال التاريخ فاتحا أوراقه البيضاء
لن يجف مداد شوقنا
نعم ستبقى صورنا العتيقة بهية في البوماتنا
ولو مزقتموها فستظل تشهد لعودتِنا
وطلة ألأطفال والشيوخ والأحفاد
لن تصلوا الى دوائر إيماننا فهو خطٌ أحمر
حرائرُنا تبقى معلقة بأجنحة الملائكة
نواقيسُ الكنائس لن تصمت لأنها تدق مع دقات قلوبنا
انها يقظة منذ طهماسب وهولاكو والمغول
شهداؤنا في مقبرة القيامة لن تجفَ دماءَهم
انهم ينتظرون عودتنا الى ذلك السهل الحزين
 بعد ان حشوتموه بألغام حقدكم
وفخختم  فيه كل شيء جميل فيه
حتى عظام الموتى لم تسلم منكم
أشياؤنا الصغرى...أثاث منازلنا...مكتباتنا
إنها تنأى لأنفاسِنا التي ما أينعت بعد
انكم تستنسخون قهراً بحجم صبرنا
فهذا المكان ينحني أمام هيبتنا
في الحدائق والخيم والهياكل
في الكرفانات والكنائس
(بخديدا) 2 سأكتب اسمك على وجه الشمس
وأطلب من الرب أن لا تغيب
فهذا الظلام الذي زحف من مزابل التاريخ
مدججا بالسخام
لن ينتج إلا الضجيج
 *   *   *
كم أحبكَ بلدتي ... بخديدا
مع انك ما زلت  جاثمة تحت وقع الاحتلال
أتمنى أن أحتفل بك وأنت معلقة
على أكبر شجرة ميلاد
في العام القادم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1.   حي كبير من أحياء مدينة عنكاوا في اربيل.
2.   بلدة تقع في سهل نينوى، مسقط رأس الشاعر.


نشرت في مجلة الكاتب السرياني العدد 24 الصادرة في 1 نيسان 2017.