المحرر موضوع: الصور المتناثرة ...  (زيارة 945 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نـهرين

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 12
  • الجنس: أنثى
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
الصور المتناثرة ...
« في: 19:13 13/05/2017 »
الصور المتناثرة ...
استيقظت محاولا رفع جفنيّ المطبقين بتكاسل فوق عينيّ كرجل كهل تساوى عنده الليل بالنهار، لا أفرق بين ما أشاهده بأم عيني أو أحلم به. إنها صورتها التي لا تفارق تضاريس دماغي المتشعبة بتعاريجها، متلحفة بسواد دائم وأتساءل هل هي باكية أم فرحة، لوحة وحيدة حملتها معي في غربتي بين طيات حقيبة مخيلتي.
جلست يهدوء نفسي قاتل وعيناي متشبثتان بزجاج نافذة الشباك كأنه شاشة الحياة حيث تتجمع صور الذكريات ثم تتلاشى وكأنني أتصفح جريدة الكترونية تتراقص فيها الأخبار، إحساس فظيع انتابني لم أستطع تجنبه.
كانت هذه أطول الليالي التي مرت عليّ، ذكرت الرب والتمست منه مرارا مساعدتي فقلبي يعتصر حسرة، إحساس حزين ... غريب ... حقيقي آلم صدري إنها أمي ... يجب ان أسرع استجمعت قواي وتوجهت أصارع المسافات عليّ أنهيها، وفي الطريق أحاول استرجاع الآلام التي عشناها معاً. "لقد أخذتهم الجماعة"، جملة لها وقع خاص على أسماع من في بلدي وتفسيرها واحد فقط لقد ذهبوا وراء الشمس، المئات من العائلات فقدت فلذات أكبادها ومعيليها لأسباب تراها الجماعة لا تناسب الطاغية.
أمي ... ذات القلب الواسع الذي يعفو عمن ظلمها والذي فاض بذكرى تفطر لها القلوب. صور لأخوتي متناثرة حولها في المنزل تغسلها بدموعها منذ أن رحلوا ولا نعلم هل سيعودون؟!! سؤال صعب الرد عليه.
أذكر كلما انحنيت محاولا مساعدتها على القيام أثناء الليل تأبى رافضة إذ لا تريد أن تترك الغوالي ... تحضنهم كل يوم وكل ليلة مسلسل بلا نهاية سطرته بدموع عينيها.
"يامّا كيف يهنأ لي النوم وإخوتك بعيدون عن حضني، كيف أقوم وأتركهم يحسسون بالغربة في وطنهم وحيدين، هم قطعة مني " ثم تلتفت نحوي "أما أنت ... نور عينيّ بك أراهم."
هل أعتبر نفسي محظوظا لأنني لم أكن وجبة في قائمة اعتقالات الجماعة قد أخذوا منّا ثلاثة وكنت أنا الرقم الصعب في المعادلة، تغربت لكي لا أحرم أمي نور بصرها. ذهبت بعيداً حيث أخذتني الذاكرة الى زمن كنت فيه طفلا يتدفق نشاطا في الخامسة من عمري، كنت احفظ خطباً وكلاماً كبيراً وأختلي بنفسي ثم أصعد إلى مكان مرتفع وأخطب لوحدي بشكل تلقائي واستمرت هذه الحالة معي طوال فترة الابتدائية، وبعينين يملأها الحب ويكحلها التفاؤل كانت أمي تراقبني من دون أن أشعر، وتقول لي أنت مستقبلك سياسي فصدقت.
بدأت الدقائق تنفذ وقاربت ساعة المغيب، ما زال المزيد للوصول الى بلدتي الجميلة التي قضيت فيها طفولتي وخفق فيها قلبي لأول مرة، فيها دفنت ذكريات فرحي وحزني، بلدتي التي شهدت خروج إخوتي من المعتقل وحزنت على أخي الذي سطرّ الشهادة فوق حبل المشنقة بحروف خرساء نطقت لعظمة الحدث.
اخلع ثوب الحزن يا العراق وتبرجي أرض الرافدين قد زفّ اليك شهيدنا عريسا لن تهابي من بعده فهو الذي مسح دمعة طفل وقبّل رأس أمّ، هو الذي طأطأ بعنقه لتحضنه الأطفال وكان خير جليس. نعم قد زفّ ليرتقي مع من سبقوه ويساهم في رسم شعاع آخر من شمس الحرية علّها تسطع وتجف الأرض العطشى للأمان. فدماؤكم لونها واحد وقد احتضنتكم عروس واحدة ... عروس الرافدين.
بعيون ملؤها الشوق والحنين مررت بشوارع ما زالت تحمل آثار قدميّ متسائلا ماذا حل بك يا بلدي كيف تغيرت ملامحك وازداد حزني كلما نظرت الى عقارب الساعة التي أحسها تلسعني، اقتربت من بيت أحد أقربائي وبخطى متثاقلة دخلت تجهّم وجهه حال لقاءه بسحنتي، كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل ردّ عليّ لقد تأخرت يا بني ... أمك رحلت ... عانقت الثرى قبل وصولك بمدة قصيرة ... لا تبكِ فالميت لا يدرك من يمشي وراءه.

نهرين
12 أيار 2017