المحرر موضوع: محمد غني: سلالة النحت الآشوري  (زيارة 911 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل bsammarks

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 29
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
 
محمد غني: سلالة النحت الآشوري

حاتم الصكَر
الصدفة التي صارت جزءاً من حياة العراقيين ويومياتهم وقدريتهم الاضطرارية، تجود أحياناً بما لا تسمح به أخلاق زمننا الجاحد الشحيح.
كنتُ أفكر بذلك وأنا أري الفنان محمد غني حكمت يلج باب الفندق ظهيرة الحادي والعشرين من شباط الماضي في أبو ظبي، حيث كان الصديق سلمان الكَاصد يُعد لي هذه المفاجأة، ويدعوني ليرتب لقاءنا بعد غياب أكثر من اثني عشر عاماً.
اعتدتُ أن أري الفنان محمد غني في مناسبات فنية ببغداد قبل مغادرتها منتصف التسعينيات، وأتابع أخباره بعد أن توزعتنا المنافي والمهاجر، لكن إطلالته تلك الظهيرة ردّت لذاكرتي حضوره العياني والإنساني ومنجزه النحتي في تاريخ الفن العراقي وحاضره أيضاً.
بياض مضيء أعلي الرأس وسمرة خفيف علي الوجه وابتسامة مرحّبة، ولهجة بغدادية حميمة أفتقدها منذ زمن.. آلة تصوير في اليد وألبوم صور سنكتشف بعد حين في جلسة الغداء أنه يحتوي صوراً لآخر أعمال الفنان.
تمضُّ القلب شكوي الفنان من الغربة وما تعرّض له في جحيم العراق القائم: ابتعاده عن محترفه، تجربة خطف ابنه وفديته بأموال طائلة، كان يهوّن عليَّ تعرّضي لتجربة مماثلة مازلت أعيش فصولها القاتلة..ت نقّله مقيماً بين عمّان والمنامة ــ تقطع تلك الإقامة أحياناً سفرات فنية ومناسبات ومحاضرات كهذه التي أتاحت لنا لقاءه غير المنتظَر ــ لكنّ ما يؤلم حقاً شكواه من غياب أبناء جيله بالموت أو العجز والهجرة.. وإحساسه بالوحدة.. يذكر فناني جيله واحداً واحداً بينما يرينا دفتر الصور.. كنت متلهفاً لأري انشغالاته الأخيرة وأعماله النحتية، وهو الذاكرة الحيّة لسلالة النحت العراقي الضاربة في التاريخ والمتعددة الأساليب والرؤي: في بابل وأور ونينوي، ولا أنسي تصريحه في لقاء منشور معه بأنه يحس أنّ في داخله روحَ فنان آشوري، كأنما يريد القول إنه يتناسخ معه أو يبادله الرؤية والعمل، ولا غرابة أن يتنبه محمد غني حكمت إلي ثراء بلاده بالمنحوتات المنتشرة في أرجاء أرضه بأساليبها المميَّزة التي يذكر منها ــ علي وجه الخصوص ــ ثيران أشور المجنحة التي تجمع إلي دقة تنفيذها وضخامة كتلتها خيالَ الفنان العراقي القديم، ووعيَه الذي جعله يرمز إلي الحلم والسمو فوق الواقع بوجود الأجنحة علي جانبي الجسد الضخم للثيران، كأنما ليفارق الأرض أو يطير في أجواء علوية خارج الزمان والمكان، رافضاً الجمود، معبراً عن ذلك بحركة الرِّجل التي تظهر وكأنها رِجل إضافية.
محمد غني المولود ببغداد عام 1929 كرّس حياته لعمله النحتي دراسةً وإنجازاً. ومثل أستاذه جواد سليم خرج محمد غني بمنحوتاته إلي الفضاء المكاني لمدينته هاجراً المتاحف والصالونات.. فكانت منحوتاته تنتشر في المدينة لتدل علي الصلة بين الفن والمكان، وهكذا ظلت كهرمانة ــأو مرجانة ــ تصب الزيت علي اللصوص في الساحة الشهيرة عند مدخل حي الكرّادة ببغداد، بجسدٍ رشيق وحركة جميلة منحنيةً علي أوعية تحيط بها لتملأ المكان الدائري، بينما كان الماء المنساب يخفف حرّ بغداد ويشعرنا بالرّي، كلما عبرنا الساحة يساراً باتجاه مبني اتحاد الأدباء، محمّلين ذاكراتنا بعبق حكايات ألف ليلة وليلة التي كان لها في مخيلة الفنان أثر كبير يدل علي تنوع مرجعياته الثقافية وتعددها، وانتمائها كمحصلة إلي الإرث الثقافي العراقي العريق.
هكذا ينجز الفنان تماثيل ومنحوتات أخري ذات مرجعييات ثقافية، متأثرة بالسرد العربي القديم و حكايات الليالي العربية وأساطيرها خاصة، من بينها: الجنيّة والصياد، والسندباد، وبساط الريح، شهرزاد وشهريار التي تمثل الإطار الحكائي لهذا الكنز العجائبي الخالد والغني وتؤكد قراءته الواعية لهذا الأثر الشعبي، ولقد كانت انتباهته تلك تعزز انهماكه في تمثيل الموروث الرافدينبي القديم كما يجسّده عمله المميز: حمورابي.
ثقافة الفنان محمد غني ستقوده ليجسد شاعر العربية الأعظم المتنبي في تمثالٍ يُقدّر له أن يعاني طوافاً مكانياً كما عاني صاحبه القائل: علي قلق كأن الريح تحتي..فقد تغير مكانه، ثم تعرض للسرقة في الهيجان والفوضي العارمة التي تأتي الآن علي كل شيء في وطن الشاعر والفنان، ويأخذ منها الفن حصة كبيرة، حدثنا الفنان بمرارة عن سرقة تمثال السعدون ، وتحطيم رأس أبي جعفر المنصور، وسرقة عشرات الأعمال الفنية واختفائها.
لكن ما يؤلم حقاً هو ما يحصل للإنسان في وطننا، فقد أراني الفنان صوراً لأعمال حديثة له تتسلسل لتسرد مأساة المهجّرين قسريأً عن بيوتهم لدواعٍ طائفية وعرقية، وفقدانهم فجأة لما يربطهم بأمكنة ولادتهم وحبهم وعيشهم وجوارهم..وقد لاحظت أن الفنان عاد ليؤكد علي الثقوب والفجوات التي تنخر كتل منحوتاته لتعبر عن الاختراق الذي يحدثه الألم والعناء في نسيج الحياة اليومية للناس، ويهدد وجودهم ويسرق سعاداتهم وألفتهم وإنسانيتهم.
تحدثنا مطولاً عن مبررات العنف ومسوغاته ودوافعه وأهدافه ثم ساد بيننا صمت يرمز عندي لعجزنا عن فهم ما يحدث من جنون وجرائم وانهيارات، تزيد مرارة احتلال الوطن وفقدان أمنه وسلمه. بينما رحت أتأمل يدي الفنان التي عكفت علي طين أرض السواد ــ منذ الطفولة ــ لتكوّره وتكوّن منه أشكالاً وهيئات وكتلاً تعيد صياغة الحلم الجميل..كنتُ أتأمل عينيه اللتين أتعبهما النظر الحزين للخراب والحرائق وأتذكر أنهما ذات العينين اللتين رأتا القباب والمآذن واستوحت قدسيتها وجمالياتها وتكويناتها، وأعادت تمثيلها في أعمال الفنان المبكرة.
ذاكرة تجلس أمامنا تعيد سرد حكاية نصب الحرية الخالد الذي يتوسط صحن الباب الشرقي لبغداد ويشير لعبقرية جواد سليم، ويذكّرنا بأن لمحمد غني إسهاماً فيه مساعداً لأستاذه حين حلّ في فلورنسا بإيطاليا ــحيث يواصل محمد غني دراسته ــوذلك ما يؤكده دارسون كثيرون مثل جبرا إبراهيم جبرا وشوكت الربيعي وزوجة جواد الفنانة لورنا سليم ــ كما كان واحداً من أعضاء جماعة بغداد التي أسسها جواد بعد عودته للوطن..والتي استقطبت النحاتين فضلاً عن الرسامين.
اللقاء بمحمد غني يزيد اللهفة لرؤية وطن قادم لا يلفظ أبناءه بقسوة لتنفرد بزمنه لحظات الاحتلال والعنف والدمار.

 نقلا من الف ياء