المحرر موضوع: ليت الامس يعود  (زيارة 1315 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كوهر يوحنان عوديش

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 428
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
ليت الامس يعود
« في: 01:38 30/05/2007 »
ليت الامس يعود
 
كوهر يوحنان عوديش

لست كبيرا الى هذا الحد لارجع بذاكرتي الى ايام الملكية في العراق ومن بعدها ثورة الرابع عشر من تموز 1958 وثم اغتيال الثورة في الانقلاب البعثي المشؤوم في 8 شباط 1963 ومن ثم الانقلاب العسكري الذي جاء بحزب البعث العربي الاشتراكي الى الحكم والذي قاد الشعب والبلاد معاً من مأساة الى مأساة، لكن رغم ذلك فأن معلوماتي التي جمعتها من خلال سماع الروايات من رجال عاصروا تلك الحقبة وما قرأته من كتب ومقالات تجعلني اتشجع لاكتب بعض السطور عن ذلك الزمان من تاريخ العراق المبتلى بالملكية ومن ثم النظام الدكتاتوري ( كما يحلو للبعض تسميته ) وحاضرنا الديمقراطي حتى النخاع.

في اواخر القرن التاسع عشر ظهرت بعض الاحزاب على الساحة السياسية العراقية، حيث كان البلد محتلا من قبل الدولة العثمانية، والتي كان من اهم مطالبها مساواة العرب بالاتراك واعتبار اللغة العربية لغة رسمية واقامة دولة عربية مستقلة، اما بعد الاحتلال البريطاني تحولت الحركة الوطنية والقومية الى المطالبة بالاستقلال ومقاومة الاحتلال، وتكونت في العهد الملكي احزاب علنية كثيرة بموجب قانون الاحزاب الذي صدر عام 1922 تقوم على اساس السعي للاغلبية البرلمانية وتشكيل الحكومات او الائتلافات الحزبية الحاكمة لان كلها تقربيا كانت مؤيدة وموالية للنظام الملكي ولا تعارض سياسته في شيء.

وخلال هذه الفترة ظهرت الى الوجود احزاب معارضة كثيرة كانت تنادي بوجوب تغيير النظام الملكي واقامة نظام جمهوري ديقراطي، وكثيرا ما كانت تحدث مظاهرات او مسيرات وتجمعات تعبر عن استيائها ومعارضتها لنظام الحكم وسياسته وكانت اقسى عقوبة يتحملها المعارض المقبوض عليه هي الحبس لمدة محدودة او النفي او الاعدام في حالات قليلة بل نادرة، فلم يكن هناك تدمير للبيوت او ازالة مجمعات سكنية او محلات بكاملها لان ابن فلان الفلاني من هذه المنطقة معارض للحكومة وسياستها، ولم يكن هناك ايضا هناك تعذيب او اغتصاب لشرف المعارض امام عينيه كوسيلة لنزع الاعترافات منه ومن ثم التخلص منه.
وفي عام 1958 اطيح بالنظام الملكي من خلال ثورة قادها عبد الكريم قاسم فتحول نظام الحكم في العراق الى النظام الجمهوري وانسحب البلد من الكثير من التحالفات والمعاهدات التي كانت تقيد سياسته واقتصاده، واشرك قاسم العديد من الاحزاب في حكومته منها الحزب الوطني الديمقراطي، الحزب الشيوعي العراقي ( جماعة داود الصايغ ) والحزب الديمقراطي الكردستاني، وبذلك وضع اللبنة الاولى للحكم الجماعي.
وبعد ان بلغ عمر الثورة اربعة سنوات اغتال عبدالسلام عارف وزمرته ( وبالتحديد في 8 شباط 1963 ) قائدها ومعه اغتالوا احلام اغلبية الشعب العراقي الذي رأى في الثورة وقائدها مخلصا للشعب من مآسيه ومعاناته...
وبعد هذا الانقلاب الدموي مباشرة تحول العراق الى بحيرة من الدماء، فالانقلابيون فتكوا بكل مؤيدي الثورة من افراد واحزاب، فقتلوا ونهبوا وسرقوا وملئوا الشوارع بالجثث المسلوخة، وبذلك دخل العراق عهدا جديدا لان الذي مورس من قبل زمرة عبدالسلام عارف ومجرميه لم يكن مألوفا في المجتمع العراقي من قبل.
ولم يدم هذا النظام الدموي طويلا حيث انتهى امره في 1968 اثر انقلاب قاده حزب البعث الاشتراكي الذي حكم العراق بقبضة حديدية حتى سقوطه عام 2003 على يد القوات الامريكية والبريطانية، التي تجاهلت وانكرت للمهمة التي اعلنت عنها ( والتي هي تحرير العراق ) لتصبح قوة محتلة.
نظرة خاطفة على تاريخ العراق الحديث منذ نشوء الدولة يتبين لنا بأن تأثير حزب البعث على العراق دولة وشعبا كان اشد واكبر من كل الانظمة التي سبقته، فاستطاع هذا الحزب ان يكون لنفسه قاعدة شعبية كبيرة ( خصوصا في بداية استيلائه على الحكم ) وبدهاء ومكر قادته استطاع ان يجر الى جبهته ( اقصد الجبهة التقدمية ) الحزب الشيوعي والديمقراطي الكردستاني والقوميون العرب وذلك فقط لتقوية ركائز حكمه لانه فتك بالجميع الواحد تلو الاخر بعد تثبيت اركان حكمه.
وبعد سنوات قليلة انفرد حزب البعث بقيادة صدام بالحكم في العراق ليزرع الخوف والرعب عبر جهاز مخابراته في قلوب الملايين ومن ثم يدخل البلد في حربين استنزافيتين اضافة الى تصفيته لكل معارض لحكمه مهما كانت درجة قرابته واي كانت طائفته او دينه وهذا بدوره ادى الى زيادة نسبة معارضيه جراء سياسته الاستبدادية ونظامه الدكتاتوري.
وقبل اربعة اعوام، اطاحت القوات الامريكية وحليفتها بريطانيا بالنظام الصدامي ، فتنفس الشعب الصعداء وعبر عن فرحته بشتى الاساليب لزوال هذا الكابوس، لانهم اعتبروا زواله مجرد حلم او وهم لن يتحقق ( والذي ما كان ليتحقق لولا تدخل القوات العسكرية لاعظم دولة بكل ما تمتلك من اسلحة واساطيل بحرية وجوية مجهزة باحدث تكنولوجية عسكرية ).
استطاع صدام خلال سنوات حكمه ان يفعل اشياء ايجابية سيذكرها التاريخ كصفحة بيضاء في تاريخه الاسود، فبالرغم من سلبياته التي لا تعد ولا تحصى له الفضل في الكثير من الاشياء ومنها :
- جعل التعليم مجانياً والزاميا حتى المرحلة الابتدائية كخطوة اولى لمحو الامية من بين ابناء الشعب العراقي، الاهتمام بالرعاية الصحية والضمان الاجتماعي فانتشرت المستشفيات في كل اركان البلد ومنها ارقى المستشفيات في المدن التي لا تزال شاهدة على ما نقول، تثبيت النظام وتطبيق القانون ( الى حد ما )...
ففي ايامه لم يجرؤ اي كان ومهما كانت درجته الحزبية والعسكرية ان يقتل علنا او يفجر جامعا او كنيسة دون محاسبة او ان يشكل لنفسه عصابة طائفية تسرق اموال الشعب وتغتصب شرفه امام مرأى السلطات.
اذكر هذه الايجابيات وانا اقارن في مخيلتي بين ايام صدام والسادة الذين جاءوا الى الحكم بعد سقوطه بواسطة الفتاوى الدينية والعواطف السياسية...
كم كنا نتمنى ان تمحى من ذاكرتنا مناظر الحرب واثار اسلحتها الفتاكة وتزرع في مكان القبور الجماعية زهورا ملونة، تعبر عن تعدد القوميات واطياف الشعب العراقي، كم كنا نتمنى ان يحضن السني الشيعي ويصافح المسلم المسيحي وبدل ذكر القومية او الدين او الطائفة يكتب على جبين كل عراقي كلمة ( عراقي )، كم كنا نتمنى ان يكون معارضي الامس معارضي نظام وصيغة حكم لا معارضي كراسي.

لكن وعوضا عن ذلك كله، انقضوا على البلد وكشروا عن انيابهم، ليلتهموا ما تبقى من جسد العراق ونسوا الشعب، ليعاني من سطوة رجال الدين الطائفيين وعصاباتهم التي اجتاحت المدن وفرضت قوانينها وضرائبها على الاهالي في وضح النهار.
فانتشرت في أرض الرافدين الامارات الاسلامية لتفرض قانون اميرها، (وقوانين هذه الامارات تختلف من منطقة الى اخرى)، الذي ينص على الزام النساء ارتداء الخمار والالتزام بشكل محدد من الحجاب المفصل، وحسب ذوق سيدهم، ومنع الرجال من حلق اللحي والشوارب، وتحريم جلوس النساء على الكرسي او وضع مساحيق التجميل او اكل الموطا او تناول الموز والخيار ومنع شرب المشروبات الغازية او الاستماع الى الموسيقى، وغيرها من قوانين عصور ما قبل التاريخ التي تطبق في عراق اليوم...
هذا اضافة الى اجبار الكثير من المسيحيين الى تغيير دينهم او دفع الجزية لانهم ليسوا اهل الكتاب ( حسب ادعائهم ) !!!
في عراق اليوم، تحولت المستشفيات الى سجون ومعتقلات، والمدارس ورياض الأطفال الى مخازن اسلحة وساحات معارك، و باتت شوارع بغداد الجميلة شبه خالية، الا من الجثث المتعفنة (والمجهولة الهوية) والكلاب السائبة...
في عراق اليوم، أصبحت الكنائس خالية من روادها وصلبانها منكوسة حزينة ( كأن المسيح يصلب من جديد )، وتفرقوا ابنائها، مهجرين ومنتشرين هنا او هناك، او مهددين بترك دينهم او ترك بيوتهم بكل ما تحتويه من غالي ونفيس...
في عراق اليوم، يُقتل المواطنون على اسمائهم وطوائفهم ولون بشرتهم وطريقة تفكيرهم ... وفي عراق اليوم، تجري وبشكل مخطط ومدروس تصفية العلماء ورجال الفكر والعلوم قاطبة وخيرة الخبراء، و تُفجر الجامعات ويُختطف الأساتذة وتُغتصب الطالبات، على مرأى ومسمع حماة القانون والنظام ! هكذا سيعودون بنا الى العصر الظلامي لنصفق كلنا للعمامات ونمجد حماقات الاسياد.
كل هذا يجري وحكومتنا المنتخبة !!! منشغلة بتعميم قانون يُمنع على اساسه منح جواز السفر للنساء دون موافقة ولي امرهم على ذلك... فالف شكر "لحكومات الوحدة الوطنية" التي جعلتنا ( ونحن في القرن الواحد والعشرين ) نخجل من أن نذكر اسم بلدنا امام الغرباء، وأن نكره وطننا، ونشعر بالحنان على الماضي البغيض!
بالروح وبالدم نفديك يا حكومتنا الديمقراطية جدا، لأنك تنورين حقا ظلمتنا بالفوانيس وتحمين أجسادنا المرتعشة من البرد بالزفير.

كوهر يوحنان عوديش