المنتدى الثقافي > إعلام الفكر والفلسفة

الفلسفة المادية/ الجزء الاول / Materialism Philosophy

(1/1)

يوحنا بيداويد:

الفلسفة المادية الجزء الاول /  Materialism Philosophy
بقلم يوحنا بيداويد/ الجزء الاول


ملاحظة
نشر المقال في العدد 16 من مجلة بابلون التي يصدرها مجموعة من الكتاب الكلدان في مدينة ملبورن

الفلاسفة الماديين
مجموعة من الفلاسفة والمفكرين الذين يؤمنون هناك طبيعة واحدة للكون هي الطبيعة المادية Materialistic) (Theory، بكلمة أخرى يفسرون الوجود بمنظور مادي بحت بعيدا عن تأويل الديانات، أي ان الظواهر الموجودة في الكون تحصل بسبب نظام ميكانيكي ذاتي الحركة، يرجع تاريخ ظهور تيار الفكر المادي الى بداية الفلسفة الاغريقية، ثم صعدت أصوات المؤيدين له في عصر الانوار (بعد ان ظهرت الفلسفة العقلانية والتجريبية والاثنينية والمثالية وبقية الفلسفات الحديثة التي ظهرت في القرن التاسع عشر والعشرين). في القرون الثلاثة الاخيرة طغت الفلسفة المادية على الفكر الإنساني لأسباب عديدة، أهمها اكتشاف وجود اراء ومعتقدات قديمة وجد فيها أخطاء علمية، وتفوق العلوم التجريبية على العلوم النظرية. سنعرض مسيرة هذا التيار الفكري في العددين القادمين.

الفكر المادي في الفلسفة الاغريقية
 كانت المدرسة الطبيعية الايونية Ionian School (1) اقدم مدرسة تحمل بذور الفكر المادي، فسرت ظواهر الكون كلها بمنظور مادي معتمدة على الظواهر الواقعية التي تحصل بسبب الحركة، حيث ادعى طاليس (Thales) مؤسس المدرسة ان المادة الأساسية لتكوين الكون هي الماء، اما انكسماندر(Anaximander) قال ان الكون يتكون من مادة لامتناهية  في صغرها، غير قابلة للتقسيم، ذاتية الحركة، سماها بالامبيرون (Ampriron)، بينما انكسيمنيس(Anaximenes)   رجح ان تكون المادة الأولية لتكوين الكون هي الهواء.

المدرسة الذرية Atomists School :
هي اول مدرسة مادية صرفة في تاريخ الفلسفة. من اهم اعلامها كل من لوقيوس  Leucippus) ( وديمقريطسDemocritus ) ( اللذان وضعا النظرية الذرية الأولى، تتلخص نظريتهم: "ان الكون يتكون من وحدات مادية ذاتية الحركة ، متناهية الصغر، غير قابلة للفناء، لها القابلية للاتحاد مع غيرها من الذرات عن طريق اشكالها المختلفة.

المدرسة الميتافيزيقية Metaphysics School:
بدا الفكر الميتافيزيقي من قبل بارمنداس Parmenides)) الذي رفض تعدد مظاهر الأشياء، فقال: " ان الكل واحد" وشيد صرحه افلاطون Plato)) حيث قسم الوجود الى عالمين، عالم علوي كامل وثابت يحوي على المُثل، أي الأشياء الخالدة، وعالم ارضي (مادي) ناقص ومتغير يحوي على ألاشياء الفانية، هو العالم المادي الذي نعيش فيه(2). اما ارسطو (Aristole) فكان طبيعيا اكثر من استاذه افلاطون، حيث فسر الظواهر التي تحصل  في الطبيعة بسبب أربع علل هي الصورية والغائية و الفاعلة والمادية، من ارائه "لا يمكن الفصل بين أجزاء الطبيعة (الموجودات) الا بالفكر فقط!"، لكن في نفس الوقت لم ينكر فكرة وجود اله الذي خلق العالم ووضع العلل الأربعة فيه التي تتصرف الاجسام فيه بموجبها حسب نظريته " تشيء الشيء- اتحاد الصورة مع المادة(3).

اراء بقية الفلاسفة والمدارس الاغريقية
  ادعى الفيلسوف هيرقليطس(Heraclitus) ان المادة الأولية للكون هي النار، الفيلسوف امبدوكلس (Empedocle) الذي حاول حل الصراع الذي كان موجودا بين هيرقليطس وبارمنداس (4) حول وجود الحركة او عدم وجودها في الطبيعة، فقال ان الوجود يتكون من أربع عناصر هي الهواء والماء والنار والتراب. اما رواد المدرسة الفيتاغورسية Pythagoreans)) توصلوا بان الأرقام هي وحدة الوجود، اعتمادا على العلاقة المرتبطة بين الصوت الصادر من المواد بأرقام السلم الموسيقي حسب قولهم. بينما كان رأي زينون مؤسس الفلسفة الرواقية Stoicism) School) ان المحرك الرئيسي للطبيعة هو النار، ومن النار تنتج العناصر الأربعة الاخرى.


الفكر المادي في عصر المسيحية Christianity Era
لا شك ان الفكر اللاهوتي المسيحي في القرون الاولى تأثر بأفكار مدارس الفلسفة الاغريقية(5)، بعد نجاح المبشرين بمبادئ المسيحية وانتشارها شرقا وغربا، لم يعد لرواد الفكر المادي اي اثر كبير على الفكر الإنساني في هذه المرحلة غير صعود الفكر الحلولي الذي حاربته الكنيسة، كان اهم الفلاسفة لتلك الفترة هم، الفيلسوف اليهودي فيرون Philoالذي عاصر السيد المسيح ، وافلوطين (Plotinus)  كلاهما من الفلاسفة غير المسيحيين، الفلاسفة المسيحيين هم اوريجينوس الاسكندري Origen of Alexandria)  ) وبثيوس (Boethius )  واوغسطينوس (St. Augustine)، ظهر  الفكر المادي عند  الفيلسوف واللاهوتي اوريجينوس الاسكندري في القرن الثاني الذي اتهم بالحلولية بسبب قوله" ان الأرواح تنتقل من أدوار مختلفة قبل ان تتحد بالجسد وحينما تعود الى الله تمر بمراحل مختلفة قبل ان تصل اليه".

المادية في عصر المدرسين Scholastics
معظم الفلاسفة في الفترة (850-1500م) كانوا منهمكين في إيجاد حلا توفيقا بين فكرة الوحي والعقل عن حقيقة العالم، وفكرة الوجود والغاية منها. لم يستطيع أي من رواد هذه المرحلة انكار صعوبة فهم العلاقة بين المادة والروح ولكن دائما كانت الفكرة السائدة (لكل علة معلول – مبدا ارسطو) أي كل الاشياء مخلوقة من قبل الله، لهذا تشربت اراء الفلاسفة في هذه المرحلة بالفكر المادي او الغنوصي-الحلولي اكثر فاكثر، فكانت محاولاتهم منشغلة حول مصداقية المصطلحات التي طرحت في حينها مثل الكليات والماهيات والاسمية والفردانية والجوهر.

فكانت مقولة جون سكوت (Scotus) في الطبائع الاربعة " ان عقل الانسان هو مفتاح العالم الذي يفتح باب للتجلي الإلهي"، بداية لانحراف بوصلة الفكر نحو التركيز على طريقة عمل العقل ، وكيفية حصوله على المعرفة الصادقة من خلال التجربة، ثم اجتهد قليلا، مبتعدا عن اللاهوت المسيحي حينما قال :" بان الله خطط العالم والموجودات كلها في عقله قبل ان يخلقها ثم خلقها بفيض من نفسه"  ففسرت بان الكون والله هما شيء واحد، على الرغم من الله أكبر من العالم!.

 القديس توما الاكويني Saint Thomas Aquino)) كان اللاهوتي والفيلسوف الأكثر تواقا لحل هذه المشكلة، قضى عمره لايجاد حلا او تفسيرا للعلاقة التي تربط بين المادة والروح والله، اعتمد في تفسيره على فلسفة ارسطو في قضية الوجود بالقوة والوجود بالفعل وشروحات ابن الرشد.

وكان وليم الاوكامي William Oguma من الأوائل الذين تبنوا المذهب المادي حينما ايد الفلسفة الاسمية، فانحاز الى أفكار الفلسفة الواقعية ضد مذهب الكليات، الذي وجده تعبير خيالي غير صحيح (6).
لكن في نهاية عصر الاسكولائيين (او المدرسين) أصبح الصراع أكثر شديدا لاسيما بعد ظهور الفلكيين والعلماء والفنانين والشعراء المتمردين على اراء القدماء، حيث طرحت أسئلة أكثر محرجة مثل ": ايهما أقرب الى الحقيقة، الايمان والوحي ام العقل والتجربة؟"
فكانت مساهمة الفيلسوف الكبير في هذا العصر لنيقولا دي كوسا الذي كان كاردينال (Niccolas od Cusa) حيث كان ثوريا، اراد اصلاح الكنيسة، واجراء تغير على الواقع، وعبر عن بعض أفكار متقدمة تأثر بها اهم فلاسفة عصر الانوار (سبينوزا وديكارت ولبينتز)، لهذا يعتبر حلقة الوصل بين عصر الانوار وعصر المدرسيين. اهم ما جاء في آرائه: النقطة الأولى "ان ما يبدو لذهننا اضدادا يتفق بالفعل في وحدة اعلى، مثلما يتحول القوس الى المستقيم حينما يكبر قطر الدائرة الى ما لانهاية"، النقطة الثانية كانت "الجمع بين الله والعالم" قبل ان يبني سبينوزا فلسفته على هذه الفكرة
ثم تلته مساهمة مهمة اخرى من الفيلسوف الإيطالي برنو ((Brunoالذي كان متقدما لعصره بقرون، حاول إيجاد العلاقة المتناقضة بين الكثرة والوحدة، أي الجمع بين الموجودات في الطبيعة واضدادها مع المصدر الواحد (الله)، بطريقة علمية التي رفضتها محاكم الكنيسة.

 لقد كان إصرار العالمين برنو وكوبنكريوسCopernican ) (على كروية الأرض ودورانها حول الشمس هي وبقية الكواكب كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، وبدا عصر الانوار يتوهج في سماء اوروبا اكثر فاكثر، وبدا العلماء والفلاسفة والفنانين والكتاب يتجاوزون الخطوط الحمر بالرغم من سطوة محاكم التفتيش في هذه المرحلة.

المناقشة والتعليق
 في هذا الجزء درسنا مسيرة الفكر المادي الذي ظهرت بدايته عند فلاسفة الاغريق، حيث بدأت مع طاليس، ثم صعدت اعلى قمة لها عند المدرسة الذرية، ثم انخفض قليلا في العصر الذهبي للفلسفة الاغريقية حينما ظهر الاعتقاد بوجود عالمين (الواقعي-المادي والعالم السماوي-لفكر الميتافيزيقي)، الذي تطور بعد ظهور المسيحية وانتشارها بل تبنته، لكن بمرور الزمن ظهرت بذور فكر الفلسفة الحلولية-الغنوصية (Pantheism) بين حين واخر، لكن في بداية عصر الانوار ونهاية عصر المدرسيين زاد شك الانسان في مصادر معرفته.

المشكلة الرئيسية التي واجهها الانسان منذ بداية التاريخ ولحد اليوم هي،مصادر المعرفة ومصدقيتها، ففي كل مرحلة، نجد هناك تجديد في الفكر نتيجة ظهور أفكارا ومعارفا جديدة بسبب التجارب.
 فالمعرفة تشبه كما قال الفيلسوف الكبير هيرقليطس نهر جاري غير مستقر لا تستطيع ان تضع رجلك فيه مرتان، في كل لحظة هناك تغير فيه، الامر الذي ايدته نظرية اللادقة للعالم الألماني هايزنبرك (7).
.......................
1-   نسبة الى جزيرة ايونا التي تقع الشواطئ الغربية ل تركيا الحالية.
2-   لا شك ان الفكر الميتافيزيقي والموت والخلود اكتسبته الحضارة الاغريقية من حضارة وادي الرافدين والفراعنة.
3-   يمكن ان نبين تعريف الصورة او الهيئة في فلسفة ارسطو الى DNA الصيغة العلمية التي تحمل هوية الكائن الحي.
4-   وقد ظهر تأثير فكر افلاطون في الالف الأولى على الكنيسة بتأثير من القديس اوغسطينوس Saint Augustin، بينما ظهر تأثير فكر ارسطو على الكنيسة حينما تبنت آرائه في بداية الالفية الثانية للمسيحية بتاثير القديس توما الاكويني.
5-هذا ما وجدناه في تفسيرات القديس اوغسطينوس اللاهوتية.   
6- مصطلح يعبر عن العلاقات العامة للنوع الواحد.
7- تنص النظرية لا يمكن تحديد موقع الفوتون وطافته او سرعته بدقة في نفس اللحظة، فكلما زاد دقة احد المتغيرين كلما نقصت دقة الاخر.
المصادر:
1-Basic Teaching of the Great Philosophers، S.E. Frost، Jr،Doubleday & Company، In united States of Americans. 1962.
2-Philosophy 100 Essential Thinkers، Philip Stokes، Arcturus publishing limited، London, 2005

3-مدخل الى الفلسفة، د. هادي فض الله دار المواسم للطاعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، بيروت-لبنان 2002.
4-   - الفلسفة الاغريقية، محمد جديدي، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان،2009.
5-   اطلس الفلسفة، بيتر كونزمان، فرانز- بيتر بوركان، فرانز فيدمان، المكتبة الشرقية، الطبعة الاولى، ترجمة د. جورج كتورة، 1991،ص137.

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة