المحرر موضوع: (الغدير الأخير) غريزة الشعر وحوارات الجدل قراءة في المنجز الشعري للشاعرة زهور دكسن بهنام عطاالله  (زيارة 448 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1471
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                                  غريزة الشعر في حوار مع منجز زهور دكسن
                                          إثارة شعرية مؤثثة بالدلالات



                                            بهنام عطاالله
                                                                 
ولدت الشاعرة زهور دكسن في قضاء أبي الخصيب بالبصرة العراقية، حاصلة على شهادة دار المعلمات في بغداد، كتبت الشعر العمودي والحر منذ وقت مبكر، (يجد القارىء في أشعارها الصوت القوي والمميز بعد جيل نازك الملائكة ولميعة عباس عمارة) (22). ترجمت أعمالها الشعرية الى اللغات: الإنكليزية والفرنسية واليوغسلافية. تقيم حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية.
إن التـوغل في معاينة الخطاب الشعري المنجز للشــاعرة زهور دكسـن، والذي يتوزع علـى مساحة كبيرة يضم تسع مجاميع شعرية منذ العام 1975، حيث مجموعتها الأولى (خلف الذاكرة الثلجية)، ومروراً بمجموعاتها: (وللمدن صحوة أخرى) 1976، (في كل شيء وطن) 1978، (مرت أمطار الشمس) 1988، (واحتي هالة القمر) 1989 و(ليلة الغابة) 1990  (وفاق التضاد) 1990 ثم مجموعتها الأخيرة (ما وراء الروابي) 2002 - أقول - إن التوغل فيه يجب أن يستند إلى ذاكرة الشعر العراقي منذ جيل الستينات الشعري، (الذي إستطاع أن يعمق ثورة السياب وأن ينضج فيها من إبداعه الخاص ليؤسس ذلك منطلقاً خصباً للتجديد، ليس في الورشة العراقية حسب وإنما في المشهد العربي ايضاً)، حيث ترجع جذور الشاعرة في الكتابة الشعرية والتألق والإبداع.
لقد كانت الشاعرة زهور دكسن وما زالت مخلصة لهذا الخطاب، الذي أخذ من عمرها الشعري الكثير، وهي تحاول بث شعريتها بوتيرة متصاعدة متألقة، وهذا ما أكده الروائي والقاص جبرا إبراهيم جبرا بقوله:
(لقد بقيت الشاعرة زهور دكسن في تصاعد مستمر في شعرها إلى أن بلغت ذلك النضج الذي لا يرضينا غيره، والذي يوصل إلينا مزيجاً من التجربة المعقدة والصفاء النادر).
والذي يهمنا هنا هو مجموعتها الشعرية (الغدير الأخير)، الصادرة عن بيت الشعر الفلسطيني / رام الله 2001، حيث يتمظر المشهد التشكيلي للمتن البنيوي النصي في قصائد، يستطيع المتلقي هضم مدونات الشاعرة البلاغية والحسية والإيقاعية بتوالي التأطير، فرغم قصر القصائد، إلا أنها تمتلك غريزة شعرية واضحة وحدس فنـي مفعم بالواقعيـة كما تؤكد ذلك د. سلمى الخضراء الجيوسي بقولها :
 (إن شعر زهور دكسن برهان ساطع على تفوق الغريزة الشعرية والحدس الفني .. شعرها فيه طراوة وتماسك لغوي ومغامرة خيالية، إن شعرها لا شك سيكون موضع درس ممعن عندما يعود الهدوء والرصانة إلى ساحة النقد المعاصر).
إن رفد النص بشعرية مكثفة يظهر من خلال سردية ذاتية تمتلك بنية إيقاعية خاصة متفاعلة مع الذات ومنطوية نوعاً ما على الآخر، حيث تؤسس موجاتها على شكل مجسات وأحاسيس وهواجس تتحد مرة وتتنافر أخرى، في خضم تلاحم خطابي تتناول فيه الشاعرة من الثيمة الرئيسة مرموزاتها وشبكة شفراتها المتداخلة:
(تطفو مراياك الخبيئة بالركام
 وفي صداك أرى البراءة
حين تقرؤني السلام
ولكن …
 هاجستي تقول
 وكل أزمنتي .. تقول
وليس من ثقل سوى صمتي
وقد خفتْ موازين الكـلام ).
يبرز في مقتنيات الشاعرة براعة التشكيل التقني لمكونات - غديرها الأخير- وهي تلامس ذائقة المتلقي بوتيرة متنامية مستفزة على شكل تونات ساخنة تؤطر مشهدها الخطابي الذاتي، من خلال رؤية يقظة تأخذ المتلقي نحو عوالم متناسقة إلى حدٍ ما، تعبر فيها عن خلجات نفسية ضمن حوار تأملي شفاف بعملية التسامي، تنبثق من تراكمات مليئة بالزهو لتجَمِلَ مشهدها وتعوض ما قد مضى من حياتها:
(أعلم أني واضحة كالماء
 هائجة .. مائجة كالماء
 لكني..
 لن أعصر كل سحابي
 فأصيرَ .. هواء).
إن عنصر الإثارة في خطابها الشعري يتجلى من خلال إشاراتها الواقعية ومفارقاتها الحادة التي تستعيد زخم ذاكرتها المؤثثة بالدلالات المتباينة:
(في خضم الحقيقة ..
 لا أجلي مديات الخيال
 لا أكاد أعي في زحام  الحفاوات
 إلا حفيف الظلال
بيد أني أصالح ذاتي ..
 أشاطرها طيلسان التوحد
 نجلو سوياً زمردة الماء ..).
وبحوارات شعرية تحاول الشاعرة من خلالها أن ترسم لوحتها المتقنة، ويظهر ذلك في قصيدة (الحبل والأسئلة):
(تتدلى الأسئلة
من شفاه القتلة
 مثلما الموت
 بحبل المقصلة).
 والشاعرة هنا تجري حواراً شعرياً تتراكم فيه حوارات الجدل الأفقية والتقاطعية حين تكون الأسئلة متعددة الاتجاهات:
   
          الأفقية               الأسئلة               شفاه              المقصلة                                                   
                                الموت               حبل               القتلة
                                                    و
         التقاطعية             الأسئلة              شفـاه            المقصلة
                                الموت             حبـل              القتـلة


تميزت بعض قصائدها بغنائية جميلة، تنم عن مخيلة كبيرة تفرش مساحتها على مناطق كبيرة من جسد النصوص، ضمن ذائقة شعرية مموسقة مع البناء العام للنص، فضلا عن إنتقالها بذكاء حاد من الواقع الى الخيال وبالعكس وهذا ما نلاحظه في هذه القصيدة:
(رغم الألمْ
وحتى تجيئي قُبيلَ انطفائي
سأُهرِقُ مائي..
وأسكبُ زهوي خضيرا على سَعَفات النخيلْ
أقولُ: اكتبي.. برغم الزمان البخيلْ
إذا ما تمادى الغرقْ
وغاض بياض الورقْ
وأشعلَ طوفانه الأرخبيلْ..
فأنتِ الزمانُ البديلْ). 
وهكذا تظهر جمالية اللغة الشعرية في نصوصها، من خلال منابع نصية متتالية. والشاعرة تأمل أن  يستمر تدفق مياه (غديرها) .. وربما لا يـكون أبداً (الغدير الأخير) بل ستؤسس بخيالها الخصب وغريزتها الشعريـة وحدسها الفني مسارات وقصائد ونصوص جميلة مبثوثة في (ما وراء الروابي).

  × نشرت جريدة (الزمان) الدولية - العدد 2651 - التاريخ 24/3/2007