980x120

المحرر موضوع: الإصلاح الديني يبدا من حيث انتهى الأوائل  (زيارة 94 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صالح الطائي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 85
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الإصلاح الديني يبدا من حيث انتهى الأوائل
د. صالح الطائي
بين العدل وسوء الفهم، بين الحقيقة وما دونها، بين ما أراده الله وما يريده المتفقهون في العقائد والسنن، بين خنوع الأمس والسكوت الإبليسي الخانس وتقبل كل ما يلقى دون اعتراض، وبين تحرر اليوم والجرأة على القول بلا رقيب وبصوت عالٍ، بين كل هذه المتناقضات تقف مصائرنا معلقة بين الأرض والسماء، تبحث عن خلاص، وما تدري أن خلاصها مهما تراه قريبا هو مجرد إبرة صغيرة طمرتها جبال من القش لا يكفي العمر لإزاحتها بحثا بلا جدوى. وهو في وجوده المحير القلق هناك في المأزق التاريخي الذي وضع نفسه فيه ينظر مرة إلى أعلى، ومرات إلى أسفل، فيجد بينه وبين ما موجود أعلاه جبالا من آراء تحجب الرؤيا، ويجد بينه وبين ما هو أدناه مفازات من حيرة لا فكاك منها، تثير الشكوك ويغمرها التناقض إلى حد الرعب والجنون، ولنبدأ بأكثرها بساطة ويسرا، فالجزئيات ممكن أن تقودنا إلى فهم الكليات، ولاسيما تلك الجزئيات التي لها مساس مباشر بوجود الإنسان، فانظر مثلا إلى قولهم الغريب المريب في موضوع يخص جواز زواج الرجل بأربع نساء وعدم جواز التعدد للمرأة: إن الله جعل للمرأة شهوة جنسية تزيد على شهوة الرجل بسبعة أجزاء، أي أن شهوتها أو رغبتها تعدل سبعة أضعاف رغبة الرجل! وهنا أرى ـ إنْ صدق هذا القول ـ أن من عدالة الله سبحانه أن يتيح لها طرائق متعددة تتناسب مع هذا التباين في القوى، فيتيح لها سبعة أضعاف ما أتاحه للرجل لكي تتحقق العدالة والمساواة، ولكنهم اعترضوا طريق هذا الرأي، فقالوا: إن الله جعل للرجل أن يتزوج بأربع نساء، ويتسرى بما يشاء، ويشتري من الجواري على قدر ما يستطيع، وله أن يطأهن ويعاشرهن ويلاعبهن جميعهن في الليلة الواحدة، وهو لا يملك سوى جزءً واحدا من الشهوة، وحرَّموا ذلك على المرأة التي تملك سبعة أجزاء، فقالوا: لا يحق للمرأة أن تتصل بغير زوجها أو مالكها بتاتا، وإلا فمصيرها الرجم. وهنا لابد للعاقل أن يقف ويتأمل ويسأل: أيبدو ذلك عادلا أو معقولا يتساوق مع ما هو معروف عن عدالة الله تعالى؟ ولماذا هذا التباين في التوزيع حتى مع اختلاف القوى الكبير والمرهق؟
وأثناء البحث عن الجواب سوف يصطدم الباحث بمئات التعليلات القاسية التي لا تقنع مجنونا ولا عاقلا، ومنها تعللهم بأن سبب الاختلاف هو أنه لما كان الرجل والمرأة اشتركا من خلال العلاقة في التلذذ؛ كل منهما بصاحبه وقضاء وطره منه، فهما شركاء، وإلى هنا يبدو المنطوق سليما وفيه إشارة إلى المساواة، ولكنهم ادعوا بأن الله خص الرجل بالتمايز بما منحه له من قوى وإمكانات عقلية وبدنية، ووفقا لهذه الخصائص، خصه بالنفقة والكسوة وكلفة وكفالة المرأة، وجعله قواما عليها، والقوامة هي: القيام على الشيء رعاية وحماية وإصلاحاً، وفقا لقوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم} التي اتكأوا عليها في تفضيل الرجل على المرأة، فمن المنطق والعقل أن هذه القوامة تسقط إذا ما كانت المرأة افضل من الرجل، وكم من النساء من تعدل إحداهن ألف رجل! وتسقط إذا ما كانت هي التي تنفق عليه وليس هو الذي ينفق عليها! لكنهم ادعوا أنه بسبب هذه القوامة المزعومة عُوِض الرجل عن ذلك بأن أُطلق له الاستمتاع بغيرها حتى دون أن ينظروا إلى الاحتمال الآخر أو يفكروا فيه.! وهو منطق جبري قسري قهري لا علاقة للمرأة فيه، فهي لم تخلق نفسها ضعيفة ـ هذا إذا ما كانت ضعيفة حقا ـ على خلاف الرجل، وإذا ما كانت ناقصة عقل ـ وهو أمر تنفيه العلوم وينفيه العقل ـ فهي ليست مسؤولة عن هذا النقصان المزعوم، فالشهوة الجنسية للرجال تتأثر حسب ما توصل إليه العلماء بكمية إفراز هرمون التستوستيرون (هرمون الحميمية) في أجسامهم. وطول المدة الزمنية الفاصلة بين الممارسة القديمة والجديدة. وبالعمر، إذ تقل الرغبة كلما تقدم الرجل بالعمر. فضلا عن ذلك أثبت العلماء والأطباء أن نسبة التستوستيرون أي هرمون الحميمية لدى النساء تمثل 3% من مستواه لدى الرجال، وليس العكس مثلما يفهم من قولهم.!
وفي المجمل أجد أن هذا الحكم القسري فيه تعميم يتعارض حتى مع دعوة الله تعالى لذي السعة بالإنفاق، وليس للمقتر الفقير، فالله تعالى لا يكلف النفس فوق قدراتها، فقال: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا}.
ومنه نستنتج أن التناقض الخَلقي والخُلقي والمالي وفق زعمهم، مرتبط بالأسباب والمسببات، لكن إذا قلبنا المعادلة وغيرنا الأسباب، هل تتغير السلطة والإباحة بتغير المسببات، فيباح للمرأة مثلا ما كان مباحا للرجل، ويمنع هو منه؟ وماذا لو كانت المرأة هي التي تنفق على الرجل وتكسوه وتطعمه؟ وماذا لو كان الرجل مريضا مقعدا لا يقوى على شيء؟ ماذا لو كان مقطوع الأطراف لا يقوى على عمل؟ ماذا لو كان صاحب علةٍ مزمنة؟ هل يحق لها في هذه الحالة الاستمتاع بغيرهِ ما دامتْ السلطة والقوة بيدها؟ ألا ترونَ أنه الحل الأمثل وفقا لتعليلاتهم الفارغة؟
من هنا، من هذه الحافات الحادة الجارحة وجدت بينهم من لم يقتنع بتلك التأويلات ووجدها لا تفي الأمر مطلبه، فابتكر أسبابا أخرى حاول من خلالها إيجاد الأعذار التي تبيح للرجل الفحل أربعة زوجات ومئات من الجواري وما ملكت اليمين، له ان ينتقي منهن ما يعجبه بأي عدد وأي وقت! بحجة أن المرأة جليسة البيت، لا تخرج غالبا، ولا ترى من الشباب والرجال أحدا، فلا تقع عينُها على ما تشتهي، فلا تُستثار، أما الرجل فهو بحكم طبيعته ومسؤولياته كثير الخروج، كثير التنقل، كثير التجوال، كثير السفر، وتقع عينه على كثير من النساء في الشوارع والأسواق والمحلات، فتُستثار شهوته، ولذا أبيح له أن يملك منهن ما يشاء، ولم تبح الشريعة للمرأة مثلما أبيح له.!
طيب نجد اليوم أن أغلب النساء طالبات أو موظفات، ويملكن مصادر للرزق تساوي؛ وقد تزيد وتفوق ما يمتلكه زوجها، وهن يخرجن إلى العمل بإذن أزواجهن وأهلهن، والقوانين السارية تمنع الاعتراض على خروجهن وتعتبر ذلك مصادرة للحريات، وفيهن من تخرج لوحدها أو من يصطحبهن ازواجهن وأهلهن إلى النوادي والمسابح والمسارح والسينمات والمتنزهات والأسواق والمطاعم والكازينوهات، وتقع أعينهن على الكثير من الشباب والرجال، وهنا قد تثار شهوتها، مثلما تثار شهوة الرجل حينما يرى النساء، بل قد تكون إثارتها أقوى من إثارته بسبعة مرات، فهل معنى ذلك أنه يباح لها التعدد لكي تطفئ الشهوة لنفس السبب ونفس العذر الذي أوجدوه للرجل؟!
والذي أراه أن هناك هوة فاصلة واسعة بين تعاليم الدين الحقيقية وبين تأويلها وتفسيرها وشرحها المتداول الآن، وأن المفسرين والمؤولين والمحدثين فضلا عن اللغويين والنحويين والمفتين، اجتمعوا كلهم سوية على خلق تلك الهوة الساحقة، وهي حينما اتسعت بهذا الشكل المهول، خرجت عن قدراتهم، وتمردت على سلطاتهم، فعجزوا عن مداراة وهنها ومعالجة تعارضها وتقوية ضعفها، وما عاد بأيدهم سوى أن يبحثوا عن تعليلات وتأويلات جديدة يدعمون بها ما سبق وأن طرحوه، فأوقعوا انفسهم وأوقعونا معهم في حيرة تكاد تصادر عقولنا وتقتل فسحات الأمل في حياتنا.
وعليه أعتقد أن الخطورة التي وُضع الدين في أجوائها لا تكمن اليوم في محاولات الأعداء المنافسين المتشددين؛ الذين يتحينون الفرص لينصروا عقائدهم ويطعنوا بعقيدتنا، فهؤلاء مقدور عليهم، ويمكننا مقارعة حججهم بحججنا، بل تكمن في الروح التمردية التي يحملها شبابنا من الجنسين؛ الذين اتاحت لهم فرصة الانفتاح العولمي ان ينفتحوا على ثقافات عالمية وعلمية في منتهى التحرر لا يحدها حد ولا يقيدها قيد، تشكك بكل الحقائق ولا تخشى لومة لائم، ولا تتهيب من التطاول حتى على الذات الإلهية، وتتهجم على المقدس وتنتقص من قدره وحجمه، وتستهزئ بالقيم الموروثة والتقاليد السارية، وتعتبر رجال الدين مجرد كهنة سلاحهم الأساطير والخرافات.
ولذا يجب علينا ان نؤمن يقينا أن قوانين الدين مثل القوانين الوضعية تحتاج إلى المراجعة والتعديل والتجديد، لأن الكثير من تعاليم الأديان كانت مرحلية ترتبط بعصر البعثة، وقد وضعت لتجاوز مراحل تاريخية لا يمكن تجاوزها إلا من خلال التنويع المقنن، وان القواعد التي وضعتها الأديان لأتباعها الأوائل ليتجاوزوا من خلالها تلك المراحل أملا في التغيير والتبديل لا تنطبق على غيرها، ولا تتماشى مع التحضر الدائم وتقدم الأفكار والآراء والمعتقدات والقيم، وان الدين الحقيقي هو الذي يدرك حقيقة هذه المعادلة، ويعمل على التماهي معها من خلال الاعتراف بمرحلية التعاليم الدينية، وأنه ليس شرطا أن تكون كل التعاليم صالحة لكل التواريخ، وفيها ما يجب أن يُترك أو يُهمل أو يُعمل بخلافه أو يُجدد أو يحذف منه ويضاف إليه، لا من خلال الابتداع، بل من خلال فهم جوانب العقيدة الأخرى التي تبيح ذلك ولا تعترض عليه. وهذا ـ في حدود موضوعنا ـ لا يعني أننا نطالب بقلب المعادلة فنسمح مثلا للمرأة ان تتزوج اكثر من رجل أو يكون لها ملك يمين من الرجال، لا  ابدا نحن لا ندعو لمثل هذه الأمور القبيحة ولا نقرها، وإنما نطالب بحجب بعض الصلاحيات التاريخية المرحلية؛ التي أعطيت لطرف على حساب الطرف الآخر، وهذا هو المنطق السليم، فالسعي وراء الحرية المطلقة سوف يجرد الأديان من قيمتها المعنوية والبنائية إذا لم تتجاوز مراحل التنظير الموروث، وتضع لنفسها قواعد من ضمن المعقول والمتاح؛ الذي لا يتجاوز الثوابت، ولكنه يطور المتغيرات.! 




 

980x120