المحرر موضوع: الإحتلالات والإمبراطوريات: لماذا العراق ليس اليابان؟  (زيارة 119 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. ثائر البياتي

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 41
    • مشاهدة الملف الشخصي
الإحتلالات والإمبراطوريات: لماذا العراق ليس اليابان؟
مقال كتبه: البروفسور John W. Dower في  أيلول 2003
ترجمه: ثائر البياتي

3-15-2020
أعلن المؤرخ الأمريكي، البروفسور جون دوير مبكراً خلافه مع السياسيين الأمريكان الذين دفعوا لإحتلال العراق، وهم يرددون عبارتهم: أن تجربة اليابان ستتكرر في العراق. إذ كتب مقاله: لماذا العراق ليس اليابان؟ بعد عدة أشهر من الإحتلال الأمريكي للعراق، أي بعد ان شاهد فعلياً بوادر الإنقسامات العرقية والدينية والطائفية، وما رافقتها من بدايات للإنفجارات والمفخخات والإغتيالات ومقاومة الإحتلال الأمريكي.
رغم اني قرأتُ المقال قبل أكثر من عشر سنوات، لكن حلمي في بناء عراق ديمقراطي فدرالي مدني حر، منعني من الترويج له. الا ان الأحداث التي شهدها العراق في السنوات اللاحقة للإحتلال، بددتْ أحلامي، على الأقل في هذه الفترة، واكدتْ صدق الكاتب وواقعية تحليله. هذا ما جعلتني، ان أعود لقراءة المقال ثانية، والقرار على ترجمته ونشره، عسى ان نتعلم:
  لماذا يستمر الخراب والدمار في بلدنا؟
 وعسى ان نتأكد ان الأسباب الرئيسية لدمار بلدنا هي داخلية، مثلما هي الأسباب الرئيسية لتطور اليابان ونهوضه من تحت الرماد هي داخلية ايضاً. اود ان ابين للأمانة ومنعاً للالتباس، لم اضف على ترجمة المقال أي ملاحظة أو تعليق خاص.
ادناه الرابط الألكتروني للمقال:
https://apjjf.org/-John-W.-Dower/1624/article.html
البروفسور دوير، حاصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ من جامعة هارفرد عام 1972، درَّسَ التاريخ  في جامعات امريكية مختلفة، أخرها معهد ماستشوسيس الأمريكية، متخصص في تاريخ اليابان، مؤلف لعدد من الكتب، اشهرها،  كتابه: إحتضان الهزيمة: اليابان في اعقاب الحرب العالمية الثانية، الذي صدر في  عام 1999، وحصل على العديد من الأوسمة والجوائز، منها: جائزة بولتيرز عام 2000 وجائزة الكتاب الوطنية.
يبدأ دوير مقاله بالسؤال: مـَنْ يقبل بالإحتلال؟
وضعَ السياسي الياباني المحافظ، شيجيرو يوشيدا، الذي شغل أربع فترات، منصب رئيس وزراء بلده في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وضعَ المسألة بإيجاز في مذكراته اللاحقة، عن العيش تحت قيادة الجنرال الأمريكي، الذي حكم اليابان، دوغلاس ماك آرثر (المقرر العام)،   General Headquarters مختصره،  "GHQ" ،  بقوله: كلما سمعتُ هذا المختصر اللعين،  خطر على بالي فوراً، عبارة:
" عُـدْ الى بلدك سريعاً "
        لكن بطبيعة الحال، لم يفعل الأمريكان أي شيء من هذا القبيل.  بدأ احتلال اليابان في أغسطس عام 1945، وتحدثَ ماك آرثر نفسه عن إنهاء الإحتلال في غضون سنوات قليلة (بنى آماله على الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 1948). الواقع، أن سلطات الاحتلال لم تغادر اليابان حتى نيسان/أبريل 1952. أي، استمر الاحتلال أكثر من ست سنوات ونصف، أو ما يقارب ضعف طول فترة حرب المحيط الهادئ نفسها. الأدهى من ذلك، بعد نصف قرن، لا تزال القوات الأمريكية هناك - بشكل كبير في أوكيناوا، وأقل وضوحاً في بقية الأرخبيل الياباني.
         إذا كان احتلال اليابان يقدم أي درس للحالة الراهنة في العراق، فمن المحتمل أن يكون هذا، هو المشهد المتشابك الذي لا نهاية له، والذي يصعب مغادرته. من السهل نقل الجيوش  والقوات المحتلة إلى الأراضي الأجنبية، لكن من الصعب اخراجها، فالاحتلالات والإمبراطوريات لها منطقها، الذي لا يرحم.
        ان احتلال اليابان – الذي يثيره هذه الأيام،  صانعو السياسة والنقاد الأمريكان الباحثون على سيناريو وردي لما بعد احتلال العراق - لا يقدم سوى القليل الذي يمكن اعتباره نموذجاً لما يمكن توقعه في العراق.
     ان استياء رئيس الوزراء يوشيدا،  يشير إلى مدى اختلاف الأوضاع. انه ابتلع مرارة الإحتلال وتعاون مع المحتلين، وسار على نهجه كل المواطنين اليابانيين، وعلى رأسهم الأمبراطور، هيرو هيتو. لم تحدث إحتجاجات مناهضة للولايات المتحدة الأمريكية، ولم تقع حادثة إرهاب حتى واحدة،  أو عنف ضد قوات الاحتلال.
       ساعدت الظروف الفريدة من نوعها، ان يكون اليابان كما كان على حاله عند الإحتلال. فالهياكل الأساسية للحكومة ظلتْ  سليمة، من دون تغيير، ابتداءً من الإمبراطور في قمة الهرم، بوجود بيروقراطية مركزية قوية (جزء من الجيش)، نزولاً إلى مستوى القاعدة الشعبية. على الرغم من وجود طيفٍ واسع من الرأي السياسي المختلف الذي تراوح بين محافظين مثل يوشيدا والحزب الشيوعي، لكن ساد التماسك الاجتماعي على خلاف الحالة العراقية،  حيث وجدتْ فيه تناقضات وخلافات حادة، وضحتْ معالم العراق.  كما أن الأمريكان لم يصلوا إلى طوكيو، كما وصلوا الى بغداد، مع مجموعة مرافقة من العراقيين المغتربين، على ما يبدو من خلال ترتيبات غامضة، جرتْ في البنتاغون لقيادة الطريق إلى نظام سياسي جديد في الوطن الذي تركوه منذ فترة طويلة( المقصود بالمجموعة المرافقة، المعارضة العراقية).
من المؤكد أن احتلال اليابان لم يخلو من الفوضى والفساد، الذي حدث بالجملة للامدادات العسكرية فى الاسبوعين اللذين تليا البث الإذاعي للاستسلام المطلق للامبراطور، وقبل وصول الطلائع الأولى للقوات الامريكية. ساهم في النهب، مسؤولون عسكريون ومدنيون ورجال أعمال كبار، وتمَّ تحويل كميات هائلة من المواد المسروقة في وقت لاحق بطريقة مجزئة، إلى سوق سوداء شرهة، ازدهرتْ من عام 1945 إلى عام 1949. لكن ليس كما حدث في العراق، اذ دعمتْ عصابات منظمة شاحنات وحافلات السراق. لقد استثمرتْ الأحزاب السياسية الناشئة جزءً كبيراً من عائدات الفساد الذي انتشر، لكن ذلك لم يطال الى سرق وتدمير عائدات المتاحف الكبيرة، ولا مقتنيات المكتبات العامة كما حدث في العراق. لم تكن هناك تدخلات خارجية، جاءتْ لغرض السلب والكسب غير المشروع على حساب إعادة البناء والإعمار.
        أعد الأمريكان في عهد الجنرال ماك آرثر، منهاجاً شاملاً للإصلاحات وبرنامجاً واضحاً للتحولات الديمقراطية ودستوراً جديداً للشعب الياباني، محوره، دعم السيادة الشعبية مع جعل الإمبراطور مجرد "رمزاً "، وضمان مجموعة تقدمية من الحقوق المدنية بما في ذلك المساواة بين الجنسين. الجدير بالذكر، أن اليابانيين قد جربوا من قبل، أشكالاً من النظم الإجتماعية المدنية، قبل استلام العسكر  للسلطة في الثلاثينيات من القرن الماضي( قبل الحرب العالمية الثانية)، ما جعل الشعب الياباني أكثر تقبلاً لمثل "الديمقراطية" التي جاءتْ بها القوات الأمريكية. أما العراق، فليس لديه مشاركة تاريخية مماثلة في مسألة الديمقراطيه والمدنية.
نموذج اقتصادي مختلف!
      فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية، فإن الحالة اليابانية تـُقدم تناقضاً حاداً بشكل خاص مع ما يتكشف في العراق، مع وجود أمريكان يؤمنون إيماناً راسخاً بوجود حكومة عراقية صغيرة، بجانب شركات كبرى، تفرض الأسلوب الرأسمالي في البناء والأعمار والأستثمار،  على ان تكون الشركات الأمريكية من كبار المستفيدين وعلى رأس المستثمرين.
عكستْ الرؤية المثالية لـ "الديمقراطية الاقتصادية" التي تمَّ الترويج لها في المرحلة الإصلاحية الأولية من الاحتلال الياباني، الفلسفة الليبرالية المرتبطة بالصفقة الجديدة للرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت. من الناحية العملية، استلزم ذلك تشجيع حركة عمالية قوية، وسنّ قوانين الأصلاح الزراعي، الذي تمَّ بموجبه تجريد طبقة كاملة من كبار الملاكين الريفيين من ممتلكاتهم للأراضي، بتوزيعها على صغار المزارعين.
      استمرتْ اجراءات منع الشركات الكبيرة من إحتكار السوق، والعمل على تنويع أسهمها من أولويات الاحتلال لحين فترة الحرب الباردة. حتى ان القائد المحافظ، ماك آرثر، دعم تلك الأجراءات، بسبب أن تركيز الثروة سيبقى في أيدي شركات صغيرة ليست احتكارية. هذا نوع  من الملكيات المقبولة وشكل من أشكال "الاشتراكية في أيدي القطاع الخاص." كذلك تمَّ تعزيز الديمقراطية الاقتصادية من خلال إنشاء هيكل ضريبي، يعتمد بشكل أساسي على جني الأموال من الأغنياء.
من المفارقات، إن اليابان المهزومة، كانت مباركة أيضاً،  لما كان يبدو حتى الآن لعنة: افتقارها إلى الموارد الطبيعية. هذا ادى الى انعدام مصالح ومطامع خارجية، تطمح بالحصول على مكتسبات سهلة من اليابان، على عكس ما نراه في العراق الغني بالنفط.
بدتْ الآفاق الاقتصادية لليابان قاتمة ومتردية الى فترة نشوب الحرب الكورية في عام 1950، حين بدأت طفرة مشتريات الصناعات العسكرية اليابانية("هدية الآلهة لليابان"، على حد تعبير يوشيدا).
إعادة البناء من الداخل
         لم تكن هناك خطة بناء واعمار أمريكية مفصلة لليابان، فعبء إعادة بناء تلك الأرض المحطمة والمحروقة، وقع بالكامل تقريباً على اليابانيين أنفسهم، وكان هذا أيضا "نعمة" في تقدم اليابان بسرعة مذهلة. في أعقاب الهزيمة، تمَّ إلغاء الجيش الياباني، وتقرر حظر الإنتاج العسكري المرتبط بالحرب، فاضطر عدد كبير من اليابانيين المخططين والرأسماليين والمديرين والمهندسين والعمال المهرة، إلى إعادة توجيه طاقاتهم إلى المؤسسات المدنية المنتجة. فالرجال الذين كانوا بالأمس صناع الطائرات العسكرية، تحولتْ مواهبهم لصناعة "القطارات السريعة"،  ثمارهم كانت شبكة السكك الحديدية التي تنتشر اليوم في جميع انحاء اليابان. الشركات المـُصـَنـِعة للدبابات، تحولتْ إلى شركات تصنيع المعدات  الثقيلة للبناء، وانتقلتْ شركات إلكترونية كبيرة مثل هيتاشي وتوشيبا، من التعاقد الثانوي مع الجيش، إلى إنتاج السلع المدنية الاستهلاكية. شركات مثل هوندا وسوني، نهضتْ من تحت الرماد، في بدايات متواضعة جداً، لتصبح شركات عالمية عملاقة في وقت قصير.
        نعم، لقد تمَّ الدعم على إعادة الإعمار الاقتصادي بمساعدة خارجية، ولكن ليس من جانب الاستثمار المباشر أو نوع المشاركة المباشرة المتوقع للعراق. فمثلاً، جودة  الصناعة، التي يـُنظر إليها على انها يابانية في جوهرها، تمَّ تقديمها بالفعل إلى مهندسين يابانيين ومدراء شركات في عام 1949 من قبل الإحصائي الأمريكي دبليو إدواردز ديمينغ، الذي لم يجد سوقًاً لأفكاره في الاقتصاد الأمريكي حينذاك. بعد الحرب الكورية، حرص الأمريكان كثيراً على تزويد الشركات اليابانية، بإمكانية الحصول على التراخيص وبراءات الاختراع الأميركية، التي من شأنها أن تـُعجل إعادة إعمار البلاد، كحليف اساسي في الحرب الباردة.
سياسة مساندة الإنتاج الوطني
       هناك اختلافات ملفتة للنظر، بين السياسات الاقتصادية المتبعة في اليابان المحتلة، وجدول الأعمال الذي قدمته إدارة بوش للعراق. بصرف النظر عن المـُثل العليا المبكرة لإرساء الديمقراطية الاقتصادية، اتبع المخططون الأمريكان أجندة صارمة للغاية، يمكن تلخيصها على انها: "حماية للصادرات الوطنية وتقييد للواردات الأجنبية". 
واتساقاً مع تفكير الصفقة الجديدة – وفي الواقع، اتساقاً مع دروس التخطيط الناجح في زمن الحرب، ومع تاريخ الاقتصادات النامية بشكل عام - أُسند إلى الحكومة اليابانية دور رئيسي في تحديد الأولويات وتوجيه إعادة الإعمار. تحت رعاية القيادة العامة، أصبحتْ الوزارات والوكالات اليابانية المركزية العاملة في المسائل الاقتصادية، أكثر قوة وتماسكاً مما كانت عليه حتى خلال الحرب. لم يكن غير الأمريكان أنفسهم، الذين شجعوا على إنشاء وزارة قوية للتجارة الدولية والصناعة (MITI  (في عام 1949، لغرض صريح هو التعجيل بإنتاجية اليابان الموجهة نحو التصدير.
        أدخلت الحكومة اليابانية تشريعات، بدعم من المحتلين، تـُقيد تأثيرات النفوذ الأجنبي وتحمي الإنتاج المحلي. كان المفتاح لتحقيق ذلك، هو الاكتفاء الذاتي، وحتى انفجرتْ الفقاعة عام 1990. أثمرت هذه السياسات بشكل رائع بالنسبة لليابان، الى القوة الاقتصادية التي أذهلتْ العالم في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم، عكستْ فلسفة: "الدولة والأجانب".
غنائم الحرب؟
           إن هذا بعيد كل البعد عن السيناريوهات الاقتصادية، التي تهيمن على أخبار العراق. إذ أصبح الحصول على النفط وعقود إعادة الإعمار المربحة والأجندات الأيديولوجية للخصخصة الشاملة متشابكاً - وحتماً - مع الحديث عن غنائم الحرب، هناك تلوث رأسمالية المحسوبية التي تصل إلى أعلى دوائر جماعات الضغط وصناع السياسة الأمريكية. على سبيل المثال، (منحت الحكومة الأميركية مؤخراً عقد اعادة اعمار ضخم لشركة بكتل، التي تربطها علاقات وثيقة مع الحزب الجمهوري)، (عقود تمت في عامي 2003 و2004 من قيمة المساعدات الأمريكية للعراق).
      إن أيديولوجية الإدارة الأمريكية المتشددة "السوق الحرة"، لا يمكن إلا أن تؤثر على الولاءات السياسية التي يسعى إليها القادة الأمريكان، ومحاولاتهم هيكلة، أو التأثير على الحكومة والقوانين العراقية الجديدة.
"الاحتلال" هو شأن متعدد المستويات، حيث بدأ الأمريكان بالتعلم. وكلاء الأمريكان، الذين يعانون من ضعف في الأدارة والتعبير، والذين وصلوا مع القوات المنتصرة، ليسوا سوى مستوى واحد من هذا. أما النخب الأصلية، فهم مستوى آخر، وكذلك الأجانب الذين يشكل كل من التدمير وإعادة البناء، قطارًا مربحًا لهم. بالطبع ، وبغض النظر عن "تغيير النظام" الذي قد يحصل في النهاية، أو عندما يغادر المسؤولون الأمريكان المؤقتون، فإن القواعد العسكرية الأمريكية موجودة بالتأكيد في العراق لتبقى.
    بالنسبة للعديد من العراقيين العازمين على السيطرة على إرثهم وتعزيز مصالحهم الخاصة، فإن هذا يشبه إلى حد كبير الوجه الجديد للإمبراطورية. عجبي، أن دعوات "عُـد الى بلدك سريعاً" قد بدأت بالفعل تملأ الأجواء، وعجبي ايضاً، أن تتحول هذه الكلمات إلى أفعال، على عكس التمتمات الصامتة لشيجيرو يوشيدا.





 

980x120