المحرر موضوع: صوت الشعب وكورونا والمنظومة الحاكمة  (زيارة 88 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 300
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
صوت الشعب وكورونا والمنظومة الحاكمة
لويس إقليمس
بغداد، في 15 آذار 2020
الحياة دروس بليغة، ودروبُها شاقة في بعضها ويسيرة على قلتها في شقها الآخر. وخير الدول وأفضل الأمم مَن تستعين بالدروس البليغة التي تفرزها الحياة في كل الميادين، ومنها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية وما على شاكلتها ممّا يصادفها البشر في كلّ يوم. ومن الزعماء والحكام الذين يتولون زعامة بلدانهم ما يشهد لهم مواطنوهم ومريدوهم بالحكمة والنزاهة والتضحية وسموّ الأخلاق ورفعة النفس في كلّ خطوة من أنشطتهم التي تتيح لهم الحكم باسم الشعب الذي ائتمنهم على تسيير شؤون البلاد والعباد بما يرضي الله وخليقتَه، إلاّ في العراق ومنطقتنا الشرق أوسطية. فالسياسة في هذه المنطقة المتخلفة ما تزال تشكّل للساسة والحكام بؤرةً متلازمة للفساد والرشى ووسيلة لنهب الثروات والأموال وخذل الوطن والمواطن بسبب إصرار رموزها وشخوصها على ترجيح المكاسب الفئوية والمصالح الخاصة التي لا تخدم المواطن البسيط ولا تلبّي احتياجاته وطموحاته الوطنية والمجتمعية بأيّ شكلٍ من الأشكال.
من الواقع القائم المؤلم نستدل على حقائق ووقائع ماثلة للعيان تشير إلى صعوبة تلاقي مصالح الساسة والشعب، إن لم نقل إلى عدم تلاقيها أصلاً في بلدٍ مثل العراق الغارق في أوحال الفساد والنهب والثراء بغطاء الدين والمذهب والفئة والعرق والطائفة وغيرها من المبررات الجهادية والنضالية المستحدثة الخائبة. فطموحات الطرفين وغاياتُهما تسير بخطين متوازيين متقاطعين وغير قابلي الالتقاء مهما صرّح الطرف الأول معربدًا ومخادعًا أو اشتكى الطرف الثاني متشكيًا ومناشدًا. لكنْ، يبقى تصريحُ السياسيّ الفاسد قويًا ملعلعًا وفضفاضًا، فيما مناجاة المواطن المغلوب على أمره وحتى المثقف في صنفه أو الساكت مراعاة لأوضاعه المعاشية لا تلقى آذانًا سامعة من الطرف الأول المتسلّط بسبب صمّها وإغلاق وطء تنظيم نغماتها المضبوطة فقط على وتيرة الفساد والاستغلال والاستهانة والاستخفاف ونهب الثروات وسرقة الأموال والعقارات وكلّ ما يمكن الوصول إليه وبأية وسيلة كانت.
في هذه الأيام الصعبة، كاد التلاقي الوطني ممكنًا على وقع الكارثة التي اصبحت تهدّد حياة البشر وتضع الوطن على أزمة اقتصادية ماثلة إلى جانب أزمتنا السياسية المستفحلة. فقد بلغت نتائج فيروس كورونا نسبًا متقدمة ومخيفة من القلق والهلع والخوف في كل دول العالم بعد متابعة ما يحصل من وفيات قاتلة وإصابات أخذت شكل وباء عالمي بحسب إعلان منظمة الصحة العالمية مؤخرًا، وليس العراق بمنأى عمّا يحصل في العالم. كما أنّ شيئًا من النتائج الاقتصادية الكارثية لهذا الوباء لا يمكن إخفاؤُها أو الاستهانة بها من منظور وطنيّ وقومي وعالميّ. فالعالم مقبل على كساد اقتصادي وكارثة حقيقية بسبب تباطؤ هذا الأخير وضربه لأكبر قوة اقتصادية صاعدة في عقر دارها، الصين، ما كاد يؤهل هذه لقيادة العالم اقتصاديًا في السنوات القوادم بالتنافس مع غريمها الأمريكي الذي حدّ سكّينَه ومازال ينتهز الفرصة للانقضاض عليها بأشكال حديثة ووسائل لا تخرج عن إمكانية تورطه بشيءٍ من الحرب البايولوجية المفتعلة هذه الأيام.
وممّا لا شكّ فيه أيضًا، أنّ الفايروس كاد يصبح عاملًا شاملًا لا يفرّق بين قارة وأخرى، أو بلد وآخر، أو دين وآخر أو طائفة دون غيرها، لا سيّما بعد تحول العالم إلى قرية صغيرة بحسب تعبير البعض. وهذه حقيقة أخرى من شانها تسهيل نقل ليس هذا الوباء فحسب، جميع الأمراض المتوطنة والأوبئة الانتقالية بشتى الوسائل والطرق. وهذه أيضًا، من الهواجس التي لا ينبغي الاستهانة بها. فقد ضرب هذا الفايروس القاتل منطقتنا ووصل العراق وأصابَ أهلَه بالرغم من سذاجة البعض ممّن احتكم إلى الدين والمذهب والأئمة في استبعاد آثار هذا الوباء وحتمية هروبه وخشيته من هذه الجماعة أو تلك الطائفة أو ذلك الدين عبر الاستهانة بانتشاره في بلدان اتهموها أساسًا واعتباطًا بحسب اجتهادهم الديني المتخلّف بالخروج عن مخافة الله وجزاءً عادلاً من ربّ السماء وذلك إمعانًا في استنادهم إلى تخاريف دينية ومذهبية في بعضٍ من تبريراتهم الساذجة وأفكارهم الحاقدة.
تحذيرات رشيدة
كلّ امرئ قد حباه الله الخالق بقلب ينبض بالحياة وبعقل يعمل على الفكر والحكمة وبجسد يتنقل ويتحرك لخدمة حاجات الأسرة والمجتمع والوطن وتأمين سيرة حسنة في السلوك والتعامل مع خليقة الله ومع البشر في الوسط والمدينة والبلد والموقع الذي يعيش فيه. وهذه حكمة الخالق في خليقته. ولكن إذا توقف القلب عن النبض وتجمّد العقل عن التفكير وتحجّرت الروح بحيث لا تصلح للتفاعل مع الواقع، واقتصرت الحركة على مزايا تنهى عنها السماء وترفضها أخلاقياتُ الإنسان السويّ، حينئذٍ نقرأُ على هذا الصنف من البشر السلامَ ونغلق ملفه الإنساني ونحوّلُه إلى حظيرة الحيوانات الهمجية التي لا تعمل بالعقل والذهن والروح الخالصة وتتحرك بعيدًا عن أية حكمة بشرية مغروسة أساسًا في ضمير الإنسان العاقل. هنا المشكلة في ساسة بلادنا. فهُم "أشبه بقومٍ لهم عيون تنظر ولا يبصرون، لهم آذانٌ ولا يسمعون، لهم عقل مطبوع في سجيتهم ولكنهم لا يعملون به" بل تم ركنُه على دروج الفساد والإفساد إيغالاً في كسر وصايا الخالق وإمعانًا في تجاهل مطالب الشعب الصاغر البائس الذي احتار في كيفية العامل مع هذا الصنف من البشر غير السويّ والرافض لسماع صوت الحكمة والعقل وإعمال الفكر والروية في إيجاد مخارج أمينة من أزمة البلاد المستفحلة. فلا هُم يسعون للإصلاح الجذري المطلوب، ولا يدعون غيرَهم كي يؤدي ما في فكره وعقله وخبرته من طاقات قد تتيح لهم ولمَن في أصنافهم العمل على إيجاد السبل الكفيلة بالخروج من المأزق القائم. وكما يقول المثل:" لا هُم يدخلون الجنّة ولا يدعون الغير يدخلها". وما عليهم منذ حين سوى الإدراك والاعتراف بسقوط سلطتهم وزوال شرعيتهم حينما رفضوا سماع صوت الشعب ومالوا إلى قتل المطالبين بالإصلاح والتنكيل بالمتظاهرين، وحين تواترت وتكررت أفعال الاغتيالات والمداهمات والاختطافات والملاحقات المشينة من دون ردع ومحاسبة.
منذ سنوات وأدواتُ النخب الاقتصادية والسياسية والمتطوعون من المثقفين والكتاب في بلد الحضارات والثقافات يغرّدون ليل نهار ويقرعون نواقيس الخطر ويحذرون من القادم الأسود الذي من شأنه تنغيص حياة المواطن في النواحي المالية والاقتصادية بعد تمزيق النسيج المجتمعيّ سياسيًا وديمغرافيًا. ومن المتنبئين مَن طلع علينا قبل حلول العام الحالي 2020 بتنبؤات غير سارة إنْ لمْ تكن محبطة لتنبؤهم بكوارث عظيمة في مطلع العام. وها نحن وسط هذه المعمعة التي شغلت العالم بأسره وشلّت الاقتصاد والسياسة والمجتمع في مجمل أنشطتها. وفي حين، هناك دول حجرت على مناطق واسعة وحظرت أية حركة إلاّ لأجل الضرورات القصوى منها، واتخاذ دول أخرى تدابير كبيرة وغريبة طارئة في محاولة لوضع حدود لانتشار فايروس كورونا الذي تحوّل إلى وباء قاتل والحد من آثاره الاقتصادية على الشركات ورجال الأعمال والمواطنين على السواء، إلاّ أننّا في العراق، ما نزال بعيدين عن اتخاذ الخطوات والإجراءات حتى البسيطة منها لمعالجة تفشي الوباء. فماتزال حدودنا مرتعًا لمواطني الجارة إيران بالرغم من المطالبة بإغلاق جميع المنافذ الحدودية معها، مع علم السلطات بكونها بؤرة لهذا المرض. بل هناك مَن تراوده شكوك بوجود أفعال متعمدة لنشر المرض عمدًا وسط شعب العراق عبر استغلال المواسم والمناسبات الدينية إيمانًا بقول " قلْ لن يصيبنا إلاّ ما كتبه الله لنا".
لقد غرّد كثيرون وناشد عديدون بضرورة عدم الاستخفاف بقدرة الفايروس القاتل على شلّ حركة البلاد والعباد إذا لم تتخذ خلية الأزمة المشكلة بموجب الأمر الديواني خطوات إجرائية تنفيذية حقيقية وليس على الورق فحسب وأمام الإعلام، من أجل إبطاء حركة الوباء ومحاصرة وسائل انتشاره ومنها غلق الحدود كاملة وعزل المصابين والأهم في الظرف الراهن حجب حركة المواطن قدر المستطاع، إن لم نقل الانزواء الطوعي في المنازل وفرض منع التجول إلا للأغراض الطارئة حصرًا والخدمات الغذائية والصحية. فالضرورة تقضي اليوم بالتكاتف والحراك الشعبي الجادّ لمواجهة انتشار المرض بكل الوسائل والسبل، الإجرائية منها والتوعوية والإدارية والمالية على السواء. فقد تتابعت المصائب على البلاد التي تعيش اليوم حالة من الهلع من الوباء في حالة تفاقمه وعدم السيطرة عليه، إلى جانب الخشية من انهيار الموارد بشكل كارثي بسبب اعتماد البلاد على ميزانية ريعية من مبيعات النفط التي تهاوت إلى النصف مع المدّ الوبائي وانحسار الطلب العالمي على الطاقة والتنافس على إغراق السوق بالنفط الرخيص.
لقد قالها صراحة رئيسُ خلية الأزمة في البلاد، وزير الصحة، بافتقار البلاد وأجهزتها الصحية إلى الإمكانيات الضرورية لمواجهة الوباء في حالة تفاقم الأزمة وازدياد أعداد المصابين به واحتمال تفشّيه كما لدى الجارة إيران. فلا بنية تحتية صحية جاهزة ولا أموال متوفرة ولا أجهزة طبية وأدوات متخصصة استعدادًا لأية طوارئ. فالحالة ستكون كارثية، لا سمح الله.




 

980x120